فَضَاءُ مَهْدِي: مَحْكِيَّاتٌ من فصلِ شتاءِ هذا العام
لم تكن الطريق من مراكش إلى فاس عبر جبال الأطلس المتوسط مجرد طريق، بل كانت مشهدا موغلا في الروعة والغرابة والرؤى والتأملات. بدت منعرجات الطريق عبر مدينة بني ملال ثم مدينة خنيفرة ثم آزو ثم إفران وصولا إلى فاس متاهة من الالتواءات الجبلية الفاتنة التي تحف بها الأشجار والثلوج والكآبة الرومانسية المميزة لفصل الشتاء. أثناء السياقة وعلى طول الطريق ظل سَادِرًا في تأمل الطبيعة الأطلسية بروحٍ ذاهلةٍ وافتتان عميق؛ جمال المغرب لا ينكشف لك عبر الطريق السيار، بل يتجلى عبر الطرق الوطنية وتفرعاتها الجهوية والثانوية، هناك تلتقي روحك بالمغرب العميق، بالمدن الترابية الصغيرة التي لا تكاد تُرَى في الخرائط، بالدَّوَاوِيرِ الطينية التي يسكنها أناس طيبون، بسطاء، عفويون كأنهم أطفال؛ ينظرون إليك بعيون فيها اندهاش كأنهم يرون فيك ما لا تراه أنت في نفسك، يخبرونك عنك، يحكون لك قصتك بدون كلام؛ مجرد نظرات فيها صفاء عجيب يقول كل شيء...
من مراكش إلى فاس عبر جبال الأطلس المتوسط، يمتد الطريق على مدى خمسمائة كيلومتر تقريبا. مر بهذه الطريق منذ سنتين؛ كان ذلك في فصل الشتاء. يمر بها من جديد في هذا الفصل الاستثنائي من الأمطار والثلوج. بعض مقاطع الطريق يغطيها الثلج. صف طويل من السيارات تنتظر جرافات الثلج لكي تُستأنف حركة السير. بعض الأطفال والرجال والنساء يستغلون وقت الانتظار ليتقاذفوا كريات الثلج أو يحصلوا على بعض الصور أو يكتفون بتأمل المشهد وفي أعينهم سعادة لا توصف. الطرق الوطنية عبر جبال الأطلس المتوسط تعلمك حلاوة الارتحال، تمنحك فرصةَ تَذَوُّقِ قيمة الأشياء كأنك تكتشفها لأول مرة، كأنك ترى فيها حقيقتك الدفينة، تستعيد فيها شيئا من روحك التي حجبتها عنك تصاريف الحياة.
في بعض مقاطع الطريق تقل حركة السير، لا سيارات تتقاطع معه، يبدو لنفسه كأنه المرتحل الوحيد في طريقٍ خَالٍ من السيارات، محفوف بأشجار الأرز وركام الثلوج وأسراب القردة التي تتراءى له من بين الأشجار. يبدو إسفلت الطريق خطا أسود طويلا بين حافتين من بياض، ويبدو الصمت ثقيلا مجللا بأسرار مهيبة غير قابلة للاختراق. عزلة الطريق ممتعة، تمنحك فرصة التلذذ بجمال وَهَيْبَةِ الحياة، تتيح لك التفرغ لنفسك كأنك منتهى الحلم فيك، كأنك غنيمة نفسك في مَهَبِّ الحياة.
يستعيد ذكرى مروره الأول في هذه الطريق منذ سنتين. في طريق ثانوية متفرعة عن الطريق الوطنية، اكتشف "فَضَاءَ مَهْدِي": مقهًى ومطعم ونُزُلٌ عبارة عن شَالِي خشبي كبير وفَخم في موقع جبلي يطل على قرية عبارة عن دوار صغير في أحضان الوادي. يبدو الشالي الخشبي وهو معلق في أعلى الجبل كأنه جبل بُنِّيٌّ أكبر من حجمه، كأنه امتداد مفاجئ وغير متوقع لطبيعةٍ جبليةٍ غارقة في صمتٍ مهيب وعزلة صوفية وامتداد فاتن من البياض الممتد في كل اتجاه، والمتباعد باتجاه الأفق كأنه الحياة نفسها وقد أذابت كل ألوانها في احتفاليةِ بياض.
لا يدري بالضبط لماذا عَرَّجَ باتجاه تلك الطريق الثانوية التي قادته إلى "فضاء مهدي". لم يكن يتوقع أن يجد في منعرجاتها هذا الشالي الخشبي الفخم ومهدي وكاليسطا ورضوان وشيماء وهناء والزعيم وريكس والقرية القابعة في الوادي وقصة التجريدة المغربية. كان من المفروض أن يستمر في الطريق الوطنية وأن لا يغامر بالقيادة في طريق ثانوية في فصلِ شتاءٍ مُثْلِجٍ. توقف قليلا ليفكر في جدية اختياره. بدت له الطريق مزودة باحتمالات عديدة: الاستمرار في الطريق الوطنية باتجاه فاس أو اكتشاف ما تقود إليه تلك الطريق الثانوية التي تبدو ضيقة ومتمادية باتجاه الأفق قبل أن تحتجب خلف جبال الأطلس وغابات الأرز . لم تكن هناك علامات تشوير تدل على المكان الذي تقود إليه تلك الطريق الثانوية، لكنه عَرَّجَ نحوها بدون تفكير طويل، شعر أن حدسه يقول له: شيء ما ينتظرك هناك. يُصَدِّقُ حدسه، يثق فيه أكثر مما يثق في عقله. العقل مَلَكَةٌ مُبَرْمَجَة وادعائية، أما الحدس فطاقةُ استبصار، مَلَكَةُ كَشْفٍ، نجوى الروح، همس الوجدان.
كانت تلك الطريق الثانوية ملتوية وضيقة ولا تسمح بمرور سيارتين متحاذيتين، وعلى جنباتها فتنة الطبيعة وروعة جبال الأطلس المتوسط. حينما تَرَاءَى له هيكل "فضاء مهدي" الخشبي في مُعْتَلَى الطريق الجبلية، بدا له الأمر كأنه اكتشف مُفَارَقَةً تتمرَّد على كل منطق. تعجَّب من رؤية ذلك الشالي الخشبي الفخم في أعماق طريق ثانوية مهجورة تنعدم فيها تقريبا حركة السير. توقف في الساحة الممتدة طُولِيًّا أمام المبنى الخشبي المهيب. أجال نظره في ربوع المكان والامتدادات الجبلية والغابوية التي تغطيها جمالية الطبيعة الفارهة، وَتَذَوَّقَ في دواخله حالة فريدة من تلك الحالات التي يحبها كثيرا: لحظة الانبهار بما لا يبدو عاديا، بما لا يمكن أن تتفاعل معه بحسك إلا من خلال حالةٍ استثنائيةٍ من الذهول والافتتان.
بدا المبنى الخشبي جوهرة نادرة تتوسط محيطا طبيعيا يَنْضَحُ بجمالية فطرية عجيبة. بمحاذاة المبنى الخشبي من الجانب الغربي، يوجد امتداد كثيف من أشجار الأرز والصنوبر، وقطيع من القردة التي تتقافز على أغصان الأشجار مُحْدِثَةً صَخَبا يكسر صمت المكان. خلف المبنى الخشبي، بعيدا هناك، في أسفل الوادي، توجد قرية تتكون من منازل طينية تكاد تغطيها الثلوج، وساقية تتدفق منها المياه برتابة، فيبدو جدول المياه وهو يتدفق بين ضفتين يغطيهما الثلج كأنه المظهر الوحيد للحياة في محيط من البرد القارس الذي يُجَمِّدُ كل شيء، يُبقي الحياة في حالة تأجيل وانتظار. خلف القرية توجد غابة صغيرة تتسلق جبلا يتكون من صخور كِلْسِيَّةٍ حمراء. وفي الجانب الأيسر من القرية، باتجاه الشرق، تتراءى مقبرة صغيرة. وفي ساحة دائرية في وسط القرية تَنْتَأُ صومعةُ مسجدٍ صغير تحيط به بعض أشجار الزيتون. بدت القرية تحت غطاء الثلج هامدة كأن لا حياة فيها، مجللة بالبياض، محاطة بسكينة تحن إليها الروح، يستطيبها الفؤاد.
اِسْتَلَذَّ الوقوف في الشرفة الدائرية المطلة على الوادي الذي توجد فيه القرية؛ كان فضاء الشرفة المفتوحة عبارة عن مِنَصَّةٍ مُعَدَّةٍ لزوار المكان لكي يتأملوا القرية والطبيعة الفاتنة من أعلى الجبل؛ يفصل الشرفة عن الجرف المطل على الوادي حائط قصير تغطي حافته تشكيلات هندسية من القرميد الأحمر. شعر بمتعة عجيبة وهو يتأمل المشهد الطبيعي الممتد الذي تغطيه الثلوج ومنظر القرية في الوادي، فبدا له المنظر مُبْهِرًا؛ جمالية طبيعية لا توصف، سكينة تُفْعِمُ الروح، هدوء يريح النفس ويُهَدْهِدُ الخاطر.
دخل إلى الشالي الخشبي. دفء لذيذ ينبعث من المدفئة الحجرية الموجودة بمحاذاة الفيراندا الزجاجية المطلة على الوادي. أجال بصره في زوايا المبنى. أناقة فخمة وديكور باذخ ولمسة فنية راقية وألوان غامقة تتداخل مع الأضواء التي تتسرب من النوافذ الزجاجية الوَسِيعَةِ. استطلع المكان بحثا عن إنسان. لا أحد هناك. صفق بيديه لِيُحْدِثَ ضجة تستدعي صاحب المكان. ظل ينتظر. صوت نباح كلب في الخارج. أطل من النافذة الزجاجية، تراءى له رجل قادم باتجاه المبنى. رن إشعار وصول رسالة قصيرة في هاتفه، قرأ الرسالة ورد بابتسامة وانشراح ثم جلس ينتظر وصول الرجل.
حينما دخل الرجل، ألقى السلام وقال: أنا مهدي، صاحب هذا الشالي الخشبي...إنه مقهى ومطعم ونُزُلٌ...لكنني أسميه مقهى اختصارا...أنت أول زبون منذ خمسة أيام...ماذا تريد أن تشرب...
مهدي رجل في السبعينيات من العمر. يتحدث إليك كأنه يحادث نفسه. في جانب من الجدار الخشبي المقابل لِبَابِ الشالي يوجد العديد من صوره في فترة شبابه. شعر كثيف على الطريقة الهيبية، وثيابٌ تُذَكِّرُ بالثياب التي كان يرتديها الشبان في سبعينيات القرن الماضي. لم يبق من شعره الكثيف شيء، ولم يبق من شبابه سوى ما تحكيه الصور.
سأله باستغراب: هل يأتي الناس حقا إلى هذا الشالي الموجود في طريق ثانوية مهجورة؟!!!...
أجاب مهدي: نعم...يأتي بعض الناس...بين الفينة والأخرى...
سأله بفضول عميق: ما الذي يأتي بهم؟!!!...
أجاب مهدي: تأتي بهم الطريق...
بدا له هذا الجواب ميتافيزيقيًّا، فيه استبصار وغموض. لم يكن مجرد جواب في كلامٍ وكلامٍ في جواب، بل كان أعجوبةً روحانية، صَدَى نَفْسٍ لا تُلْقِي أجوبةً بل تُحْدِثُ أَثَرًا، تستثير شعورا عميقا بالمفارقة، تَسْتَحِثُّ التأمل، تَسْتَفِزُّ التَّفَكُّرَ والتأويل. أدرك مباشرة أنه أمام شخص بِعُمِقٍ فكرِيٍّ نادر.
تَلَقَّى جوابَ مهدي بصمت، بدون تعليق، بذهول وانبهار؛ انشغل عقله بقياس المسافة الدلالية بين ذلك الجواب الذي صاغه مهدي في جملة واحدة وبين ما يقوله هذا الجواب عن مهدي وعن الطريق والحياة.
غرق في صمتٍ تأملِيٍّ كعادته حينما تستثيره فكرةٌ أو كلمةٌ أو حادثةٌ أو شخصٌ أو مكان، وحَادَثَ نفسه: ما الذي تعنيه بالطريق يا مهدي؟ هل تعني به ذلك المعنى المبتذل الذي لم يعد يعني أي شيء أم تعني به المسار الذي ينكشف فيه ما يُرَى وما لا يُرَى، ما يُعتبر حَصْرًا طريقا وما يعتبر مُجَرَّدَ مَمْشَى؟ الطريق يا مهدي تبدو لي دائما سرديةً دلالية وجودية أشد كثافة من كل الدلالات الأخرى التي تحتملها كل الكلمات. لا أرى الطريق مجرد امتداد، بل أراه الشكلَ الرمزي الأكملَ لتجربةِ الحلول في ما لا سبيل للحلول فيه إلا بتحول الذات نفسها إلى طريق تتباعد عن نفسها لتؤوب إليها؛ كأنها الطريقُ ذَاتهُ، كأنها مَحْضَنُ كل الخطوات التي تقودك نحو ما لا تتوقَّع أنه هناك، لكنه في انتظاركَ لأنه أنتَ، لِأَنَّكَ إِيَّاهْ.
خرج من تأملاته. نظر إلى مهدي، حاول اختراق حقيقته من خلال ما يصدر عنه من حركات وإيماءات، وما تتوجه إليه نظراته، ونوع الحركات التي تقوم بها يداه، ودرجة استقامة جذعه وكتفيه. بدا له مهدي متكوما على نفسه، منهكا كأنه خرج تَوًّا من معركة مُضْنِيَّةٍ خسر فيها الكثير، ولم يُحْرِزْ بعدها أي انتصار. حَدَسَ أنه يشبه مَقْهَاهُ، منعزل عن الطرق التي يسير فيها الناس، ومستعد في الوقت نفسه للدخول معهم في شكليات اللقاء. أدرك أنه أمام شخص مستبصر. راقبه بصمت. عينا مهدي تبدوان مهيأتين لتوزيع النظرات في كل اتجاه، لكنها نظرات مُرْتَدَّةٌ نحو الداخل كأنها مُتَأَفِّفَةٌ مما يوجد في الخارج. هذا النوع من النظرات يشبه تلك النظرات التي عُرِفَ بها كافكا وألبير كامو وكيركغارد: نظراتُ هشاشةِ الأنا عند انكشاف الحقيقة أو الإدراك الانسحابي الدفاعي أمام قبح العالم وتراجيديا الوجود الإنساني.
لا يحدق مهدي في الأشياء ولا في وجه من يخاطِب، فيبدو تواصله هشا، معبرا عن انفصال من الصعب عليه ملؤه أو معبرا عن حالةٍ من حالات التوحُّد أو حالةِ حساسيةٍ عصبية مفرطة ناشئة عن غضبٍ وجودي مكتوم. يَرْمُشُ مهدي ببطء كأن لا شيء في العالم يستدعي منه التسرع، فيبدو تحت وَقْعِ ما يسمى في علم السلوك العصبي تأثير تدني الاستجابة العصبية أو التنظيم الذاتي غير اللفظي. بين الرمشة والرمشة تلتمع في عينيه نظرة مقترنة بصمت عابر أو نفثة خافتة من أنفه، فيبدو أنه تحت تأثير ندم قديم أو تعبير عن لامبالاة مضنية أو سخرية من نفسه أو من العالم، وربما قد يكون ذلك رد فعل سيكولوجي متعلق بالسلوكية الانفعالية المجهرية الخاضعة للتكتم والكبح. نظراته تميل أكثر نحو اليمين، ثم تنزلقان باتجاه الأسفل، فتبدو نظراتِ تَفَكُّرٍ أو ربما نظرات هروب أو نظرات استرجاعٍ مؤلمٍ لإحساس قديم. وقد تكون رد فعل سيكولوجي تغذيه اضطرابات التحقق البصري الناشئة عن معالجةٍ تَكَيُّفِيَّةٍ للانفعالات التي تظل دائما في حالة استبطان خوفا من الكشف. لا يكف مهدي عن ترطيب شفتيهِ بِرِيقِهِ أثناء الكلام أو في لحظات الصمت، فيبدو قَلِقًا راغبًا في الكلام ومحترسا منه في الوقت نفسه أو ربما يكون تحت تأثيرٍ إحساسٍ قوي بالحرج أو يعاني من حالة مَرَضية متعلقة بمرض الكزيروستوميا. أحيانا تتسع حَدَقَتَا عينيه مصحوبة باستقامة مفاجِئة في جلسته، فيبدو قويا متماسكا كأنه استعاد نفسه أو اكتشف موطن القوة فيه، فيبدو ذلك رد فعل سيكولوجي متعلق بما يسمى في علم نفس تحليل السلوك بالاستعادة المتيقظة غير العدوانية للذات.
يستعمل مهدي دائما ضمير (أنا) حينما يتحدث عن ماضيه أو المقهى، فيبدو أنه يعيش في الماضي ويعاني من متلازمة الاستعادة الذاتية القهرية للأنا المُتَفَارِقَةِ زمنيا، ويربط قيمته بالمقهى فيبدو تحت تأثير متلازمةِ الهوية المتشكلة مرجعيا بدراما الامتلاك. أما حين يتحدث عن نفسه في الزمن الحاضر، فيستعمل كلمة (الْوَاحْدْ)، فيقول مثلا: "الْوَاحْدَ هُوَ اللِّي يَعْتَنِي بْنَفْسُو"، معبرا بطريقة غير واعية عن تَمَفْصُلٍ سيكولوجي وذهني بين الذات المتحققة أَنَوِيًّا والذات المجردة التي تُصاغ في كلمة تعميمية مشبَعة رمزيا بانتماءٍ غير مكتمل؛ ذلك النوع من الانتماء التَّحَيُّزِيِّ المصحوب أحيانا برواسب تجارب الخيبات المُسْتَضْمَرةِ في تاريخ الذاكرة الانفعالية.
حين يُوَجَّهُ إليه سؤال ينظر إلى الأعلى، ويميل برأسه نحو اليمين، ويبدي اهتماما كبيرا بالسؤال، لكنه يأخذ بعض الوقت قبل أن يجيب، فيبدو تواصله مشروطا إما بالاستجابة التفاعلية التأملية أو الحذر الاحترازي الذي يوجد عادة عند الشخصيات التجنبية. في كلامه يُكْثِرُ من استعمال الأسماء والصفات، أما الأفعال الإنجازية فقليلة. الناس الذين يستعملون هذا النوع من الأداء اللغوي، غالبا ما يتحركون ذهنيا داخل مدار التحليل والتقييم والتشخيص والتأويل، إنهم كائنات تأملية بخلفية سيكولوجية انطوائية حتى حين يبدون اجتماعيين.
لا يَكُفُّ مهدي عن ملامسة وجهه أو أنفه أو رقبته بيديه، فيبدو أنه يعاني من الرقابة الذاتية القلقة. ملامسة الوجه أو الأنف أو الرقبة باليد والأصابع تكشف أنها وسيلة تهدئة نفسية، طريقة طَمْأَنَةِ الذات نتيجة الشعور بخطرٍ محتمل، أو قد يكون دليلا على ما يسمى في تقنيات تحليل لغة الجسد بالتنظيم التكيفي الانفعالي لحركات الجسم أثناء التفاعل الاجتماعي غير المتكافئ.
بدا له هذا اللقاء غير المتوقع بينه وبين مهدي مجرد حَدَثٍ عارضٍ وعابرٍ مما يسميه "أحداث الطريق". شعر أن قراءته الأولية لشخصية مهدي ليست حصيلةً حسابية نهائية. حَدَسَ أن هناك أشياء خفية في هذه الشخصية، لكنها ليست متعلقة بشخصية مهدي تحديدا، بل متعلقة بما يمكن أن يتجلى في طبيعته الإنسانية.
على الرغم من روعة المكان، وفخامة الشالي الخشبي، وفتنة المشاهد الطبيعية، والسكينة الروحية العميقة التي تنبعث من المكان، لم تلامس عقله فكرة العودة إلى "فضاء مهدي" مرة أخرى. في أحيان كثيرة، قد يقطع مسافات طويلة جدا من أجل التمتع بمنظر طبيعي فريد أو اكتشاف مكان يستحق الاكتشاف. ولا يتردد أبدا في قطع مائة أو مائتي كيلومتر أو أكثر ذهابا ومثلها إيابا من أجل التمتع بشرب فنجان اللاطي أو الفلات وايت أو مجرد كأسِ شاي في مقهى أو مطعم أو مأوى بعيد يطل على منظر طبيعي فاتن يلامس روحه، لكنه لا يبرمج نفسه على العودة إلى الأماكن التي سبق أن مر بها أو زارها إلا إذا شعر شعورا عميقا جدا بأن فيها شيئا من نفسه أو جوابا عن بعض أسئلته. تفتنه الأماكن الطبيعية الساحرة التي تحتفظ بجماليتها الفطرية البدئية والبدائية التي لم تلامسها البشاعة العمرانية الإنسانية. أحيانا عديدة لا يتسع وجدانه لاحتواء ذلك النوع من الافتتان، فيشعر بإحساس غريب لا يستطيع تسميته، ولا قياس كل أبعاده في نفسه وروحه.
العالم ليس مجرد جغرافيا، إنه حَيِّزُ مسارات، إنه شكلُ انتظام الذات في ما يُشَاكِلُ روحَها حتى حين تبدو غافلة عن شيء اسمه الروح؛ الأمكنة ليست دالة على نفسها بصفاتها وأبعادها ومواقعها، بل تصير دالة حين تجد لها موقعا في نفسك. وتصير جميلة حين تستحسنها روحك. وتصير جزءا منك حين تستثير فيك أجمل ما فيك.
لم يتحدث كثيرا مع مهدي. جلس في الفيراندا الزجاجية في الركن المطل على الوادي، واكتفى باحتساء فنجان الكورتادو وهو يتأمل المشهد الطبيعي الفاتن ونتف الثلج وهي تتهاوى عبر النوافذ الزجاجية التي تمتد على طول الواجهة الخلفية للشالي الخشبي.
دخلت امرأة ستينية بثياب قطنية مُهَلْهَلَةٍ وفاقِعة. رغم الثلج والبرد القارس لا تضع شيئا على شعرها. ترسله في شكل ضفيرة طويلة على طريقة غَجَرِيَّاتِ المَانُوشْ اللواتي رآهن في مدينة بوردو. من خلال وتيرةِ خَطْوِهَا، تبدو امرأة حركية متعودة على التعب وبَذْلِ الجهد. نظرت باتجاهه بفضول، لكن دون اهتمام، ثم نادت مهدي بصوت خشن ومبحوح. حَدَسَ أنها زوجته أو قريبته. أَيْقَنَ أنها تتصنع صوتًا خشنا لادعاء قوة مزيفة. حَرَّكَ رأسه يمينا وشمالا بحركات ساخرة. عاد لتأملاته. رأى قطيع القردة يقترب من المقهى بِوَجَلٍ، يتقدمه قرد كبير الحجم، زعيم المجموعة. تَذَكَّرَ القردة في أَرْزْكُورُو. ابتسم وهو يتذكر كيف كانت تتسارع من أجل الحصول على التفاح البلدي الصغير أو الفول السوداني الذي يقدمه لها الناس والأطفال الصغار.
نادى مهدي، وسأله إن كان يبيع طعام القردة. أخرج مهدي كيسين من الفول السوداني، أحدهما متوسط الحجم بعشرين درهما، والآخر كبير بخمسين درهما، وقال: كبير القردة يأكل كثيرا، ومن الأفضل أن تقدم له كيسا متوسط الحجم لينشغل به، وقَدِّمْ لباقي القطيع الكيس الكبير فإنه يكفيهم.
يعشق إطعام القطط والقردة، وكذلك الحَمَام في الساحات العمومية في مدينته. مد هاتفه لمهدي، وطلب منه أن يلتقط له صورا وهو يلقي الفول السوداني للقردة. قال له: التقط لي صورا ثابتة مع الزعيم، ثم فيديوهات قصيرة مع باقي القطيع...
ابتسم مهدي قائلا: نسميه هنا القرد الكبير، وأنت تسميه الزعيم...هذا اسم ثوري...ربما لا يستحقه هذا القرد الذي ينتظر الحصول على الطعام بدون جهد...
من خلال هذا الكلام، انكشف له الجانب الأكسيولوجي في شخصية مهدي. نظر إليه بتقدير وقال في نفسه: أنت الآن تحت المجهر...ربما سأعيد قراءتك من جديد...لكن ذلك يتطلب مني أن أعود مرة أخرى إلى هذا المكان...وهو أمر لست متأكدا منه...
استعد للمغادرة. قال له مهدي:
ربما أحكي لك قصتي أو قصة "فضاء مهدي" حين تعود إلى هنا مرة أخرى...
نظر إليه بعيون متسائلة. ابتسم مهدي وقال:
واضح أنك تحب القصص...
هل يبدو عَلَيَّ ذلك؟…!
أجاب مهدي: لم تلتقط صورا مع الزعيم وقطيع القردة...بل أردتَ الحصول على قصص...ومَنَحْتَهَا عنوانا هو "الزعيم"، وذلك العنوان جزء من تصورك لنفسك...
اكتفى باندهاشة فاترة، وقال: كنتَ إذن تقرأني؟!...
رد مهدي بكلمات متثاقلة ومتقطعة كأنه يقيس أثرها في مُخَاطَبِهِ: هناك الكثير من الفراغ في هذا الشالي المنعزل...أشغل نفسي بقراءة العابرين...ما يستفزني ليس أن يقرأني الناس، بل أن لا يهتم بقراءتي أحد...راقَبْتُكْ...تطيل النظر باتجاه الامتدادات الطبيعية...تبتسم وحدك...ثم تكتب أو تقرأ...ثم تعود لتطيل النظر من جديد...أنت لا ترى، أنت تشعر...لم تَرُدَّ على الهاتف رغم أنه رن ثلاث مرات... تطلعت في كل مرة إلى الرقم، تنظر إليه لكنك لا ترد...في المرة الرابعة، تطلعت إلى الرقم، وسارعت بلهفة إلى الرد...بدوت سعيدا بطريقة غريبة... واضح أنك انتقائي...تَأَمُّلِيٌّ...لا تحب من يشوش عليك جلستك حين تريد الاختلاء بنفسك...لا ترد على كل المكالمات، لكنك تتخلى عن انتقائيتك حين تستثيرك اللهفة...تواصلك مقيد بمقاييس لا أعرفها...لكنها حدودك...سعادة عجيبة تجلت في وجهك وحركاتك وأنت تطعم القردة...أشعلتَ سيجارة، أخذتَ منها نَفَسَيْنِ عميقين ثم تركتها تستهلك نفسها في المنفضة...مَلَلْتَ منها بسرعة...نسيتَها...واضح أنك حين تَمَلُّ تفقد الرغبة...تتخلى...لم يعجبك فنجان الكورتادو...احتسيتَ منه ثلاث جرعات فقط...تركتَه شبه مملوء...واضح أنك مُتَطَلِّب...رأيتُ حركة رأسك حين سمعتَ صوت كاليسطا...واضح أنها كانت حركةَ سخريةٍ واحتقار...أنت لا تحب المرأة المترجلة...أنت تحب الأنوثة...أنت...
قاطعه قائلا: من هي كاليسطا؟!!!...
أجاب مهدي بصوت محايد، أو ربما يتصنع الحياد: إنها المرأة التي دخلت المقهى...وأثارت سخريتك وربما احتقارك...إنها المرأة ذات الصوت الخشن...إنها زوجتي...
رد بصراحة وبدون اعتذار: أنا فعلا أشعر بنفور قوي من المرأة الذكورية أو المسترجلة التي تتحدث بصوت مرتفع وخشن أو تقول كلمات بذيئة أو تبدو على ملامحها تلك الانقباضات الماكرة التي يسميها الفرنسيون "الريكتوس"...هذه طبيعتي...لا تنتظر مني أن أعتذر...سعدت بمعرفتك...ربما قد نلتقي مرة أخرى...ليس ذلك في برنامجي، لكن هناك دائما احتمالات أسميها الصدف أو التدبيرات الإلهية أو أحداث الطريق..."فضاءُ مهدي" اسم جميل وغامض لمقهى منعزل في أعلى الجبل...إنه يذكرني بمقهى كنت أرتاده...لكنه بعيد جدا عن هذا المكان...
نظر نظرة أخيرة باتجاه القرية القابعة بهدوء في حضن الوادي ثم استعد للمغادرة. لا يريد أن يلحقه ظلام الليل وهو يقود في طرق جبلية تتراكم فيها الثلوج والرياح الصقيعية الباردة. قال له مهدي:
هل لديك تعليق على المكان أو الشالي أو حتى على الزعيق المزعج للزعيم؟!...
نظر في عينيه مباشرة، وقال في نفسه قبل أن يتوجه إليه بالكلام (أنت تريد مدحا يا مهدي، لكنني سأرد عليك بصراحة قد لا تعجبك لكنها حتما ستفيدك):
الكورتادو في حقيقته إسبريسو، نكهته تختلف عن اللاطي. خليط الحامضية والمرارة فيه يُخَفَّفُ بالقليل جدا من الحليب المُبَخَّرِ في درجةِ حرارةٍ قوية وسريعة...لكن دون قتل نكهة القهوة ورائحتها القوية...الكورتادو الذي قدَّمْتَهُ لي كان شبيها بنكهة اللاطي المخفَّف أو الكابوتشينو الذي تُطْمَسُ فيه نكهة الإسبريسو نتيجة اختلاطها برغوة الحليب المكثفة...ربما تحتاج إلى بَارِيسْتَا يتقن تحضير أنواع الإسبريسو...لكن بصرف النظر عن هذه الملاحظات، المكان جميل، وهذا الشالي الخشبي أنيق وغاية في الجمالية والفخامة، لا أدري لماذا تسميه مقهى...ما المانع من أن تسميه شالي أو نُزُلا أو مأوى أو أوبيرج...ربما أحصل منك على الجواب إذا حصل وعدتُ مرة أخرى...أتمنى لك التوفيق...
لم ينتظر ردا. ركب سيارته، وارتمى في أحضان الطريق. نُتَفُ الثلج تتهاوى. شغل مَسَّاحَاتِ الزجاج الأمامي إلى سرعتها القصوى. وانتشى بالسياقة عبر الطرق الجبلية تحت الثلج الذي يتساقط بفخامة ومَهَابَةٍ وغموض.
عاد بعد ذلك ثلاث مرات متباعدة إلى "فضاء مهدي"؛ شيء ما في هذا المكان يجذبه. لم َيستطع تَبَيُّنَ ماهيته، لكنه كان متأكدا أن هناك شيئا في هذا المكان يستدعيه، يناديه كأنه يريد أن يخبره بِسِرٍّ عن نفسه. يؤمن كثيرا بروحانية الأمكنة. يؤمن أن لكل مكان صوتٌ خافت، هَمْسٌ شَفِيفٌ لا يمكن أن تسمعه إلا الأرواح المصغية التي لم يفسدها ضجيج العالم. خلال المرات الثلاثة التي عاد فيها إلى فضاء مهدي، تعَرَّفَ على بعض الأشخاص الذين يسميهم مهدي "الأوفياء المساندين لفضاء مهدي"؛ تعرف على رضوان، طبيب من مدينة آزرو، وإلياس، مسؤول مبيعات في شركة صغيرة لبيع السيارات المستعملة في فاس، ومحمد، وربيعة، وهناء وأختها شيماء، ومقاول شاب من مدينة الحاجب، وأشخاص آخرين بعضهم يأتي من الرباط والدار البيضاء. كان تعارفا سطحيا. لم يتفاعل معهم كثيرا. وحتى هم، لا يتفاعلون فيما بينهم، ولا يتفاعلون كثيرا حتى مع مهدي. يبدو أنهم يأتون إلى هذا المكان من أجل إعادة شحن طاقتهم، وليس بحثا عن تواصلٍ أو انتماء. أَدْرَكَ أن لكل واحد منهم قصة وأسبابا شخصية تأتي به إلى هذا المكان المنعزل والبعيد، لكنه لم يشغل نفسه بمعرفة تلك الأسباب.
في طريق عودته من أزيلال عبر جبال الأطلس المتوسط خلال عطلة هذا الشتاء المُثْلِجِ، قرر أن يُعَرِّجَ مرة أخرى على "فضاء مهدي" ليتأمل مشهد الطبيعة المغطاة بالثلج، والقرية القابعة في حضن الوادي، ويجالس مهدي لبعض الوقت، ويطعم الزعيم وقطيع القردة، ويلاعب ريكس.
حينما وصل إلى "فضاء مهدي"، كان الثلج يتهاوى بكثافة، وريح قوية تتلاعب بِنُتَفِهِ في كل اتجاه، وحين ترتطم تلك النُّتَفُ بالوجه تُحدِث ألما قويا. أسرع بالدخول إلى المقهى. مهدي وكاليسطا جالسان أمام المدفئة باستكانة وذهول. بدا مهدي غير متفاجئ برؤيته. اكتفى بالنظر إليه، وقال بصوت كئيب وهو يشير من الواجهة الزجاجية الجانبية للمقهى إلى كومةِ ثلجٍ محاذية للكرسي الخشبي القريب من شجرة الصنوبر التي تتوسط الساحة الخارجية، وقال:
مات الزعيم!!!...
خرجت هذه الجملة من أعماق مهدي كزفرة مُجْهَدَةٍ تلغي كل كلام، تتصادى كأنها نهاية كل شيء، وبداية شيء جديد لا أحد يدري ما هو، لكنه كامن في الموقف، في الكلمات، في الصمت المُثْقَلِ بالحسرات، في برودة أكوام الثلج التي تغطى المدى الأَرْحَبَ حيث لا لون إلا البياض.
خرج مهدي باتجاه كومة الثلج. تبعه بفضول وتوجس. أزاح مهدي الثلج بقطعة خشب طويلة. انكشفت جثة الزعيم. ثم كرر الجملة نفسها:
مات الزعيم!...
جرت هذه الجملة مرة أخرى على لسان مهدي بصوتٍ أَجَشّ...بدا صوته نابعا من أعماقٍ كأنها ليست أعماقه؛ صوتٌ كأنه صدى الريح الصقيعية الباردة التي تهب في كل اتجاه.
بدت الجملة محملة بغرابة قاسية، منبعثة من رميمِ فؤاد يحمل -على ما يبدو- أكثر مما يطيق، مُنْبَجِسَةً من روحٍ تتأمل نفسها في المدى المترامي الذي يغطيه الثلج ببياضه الكئيب.
في المساحة المتمادية باتجاه الدُّوَّارِ الصغير الذي يقبع في الوادي الذي يطل عليه "فضاء مهدي"، بدا بياض الثلج فجأة ثقيلا، لَعْنَةً جليدية عمياء، صَمْتًا عنيدا تلهث فيه الريح المحملة برائحة الموت؛ رائحة لا تتسرب إلى خياشيم الأنف، لا تُحْدِثُ أثرا في القلب، لا تخيف، لا تُهدِّد، لا تَأْسَى ولا تُهَادِنُ؛ مجرد رائحة أتت بدون موعد، وغادرت كأنها لم تكن أبدا هناك.
سأل بصوت خافت: متى مات؟ وكيف؟!!!...
قال مهدي: مات هذا الصباح...رأته كاليسطا منبطحا على الثلج، يتلوى من الألم...اقتربَتْ منه...لم تدرك أنه كان يُحتضر...كانت نظراته مُصَوَّبَةً نحوها كأنه يستنجد بها...قطيع القردة كان ينظر من بعيد...في صمت وتَوَجُّسٍ...سمعتُ صراخ كاليسطا..خرجتُ من المقهى مسرعا...نظرتُ إلى الزعيم وهو يفارق الحياة، وقلت لكاليسطا: إنه يموت...لا نستطيع إنقاذه...دعيه يمضي بسلام...
ثم صمتَ قليلا وهو ينظر إلى جثة الزعيم قبل أن يواصل:
الكثير من القردة ماتت خلال هذا الشتاء...الثلج كثير جدا هذا العام...والبرد لا يُحتمَل...خاصة في الليل...القردة تموت إما بسبب الإجهاد المناعي أو الالتهابات الرئوية أو سوء التغذية أو شدة البرودة...لكنني كنت أظن أن الزعيم أقوى من كل ذلك...أقوى من البرد والثلج...أقوى حتى من الموت نفسه...لكن...
في البياض المترامي الذي يغطى "فضاء مهدي" وأشجار الأرز وجثة الزعيم والقرية المتباعدة هناك في أسفل الوادي، بدا الموت محيطا بكل شيء، بدا سِرْبَالُ الثلج نفسه موتا في حياة، صمتا في حُرْقَةِ انفعال، وَهْمًا لحياة لم تعد حياة، وفَنَاءً لزعيم لُقِّبَ باسم لم يكن يمثله. لم يأخذ الموتُ الزعيم فقط، بل أخذ جزءا من حياة من يقفون الآن يتأملون جثته الْمُتَكَوِّمَة على نفسها في الثلج الذي تذروه الرياح. في عيونه، وعيون مهدي، وكاليسطا، كانت النظرات وَجِلَةً كأنها لا تتأمل جثة الزعيم، بل تتأمل الموت نفسه، تتأمل حياتها العابرة في مرآة الموت المحتوم.
وصلت سيارة رباعية. كَسَرَ محرِّكُها صمتَ المكان. إنها سيارة شيماء وهناء. انضمتا للجنازة الصغيرة التي لم يكن يبكي فيها أحد. وحين عرفتا القصة، ورَأَتَا جثة الزعيم انخرطتا في البكاء كأنهما كانتا مستعدتين للتباكي والنحيب، وتبحثان عن أول فرصة لذرف الدموع حِدَادًا على زعيمٍ لم يستطع مقاومة برد شتاء هذا العام.
لم يشعر بالحزن بل بالغرابة. لم تتوطد علاقته بالزعيم كثيرا. أطعمه مرة واحدة فقط أثناء عودته إلى هذا المكان. في المرات الأخرى، كان يطعم قطيع القردة، لكن الزعيم لم يكن معهم. وحين سأل عنه مهدي، أجابه: إنه يتوغل في الغابة، وأحيانا يغيب عدة أيام قبل أن يعود للظهور...
الساعة تشير إلى الواحدة والنصف زوالا. دخلوا إلى المقهى. تلقَّى مهدي اتصالا هاتفيا. الطريق الثانوية مقطوعة بسبب تراكم الثلوج. أعاد هاتفه إلى جيب سترته الصوفية، وقال:
– ربما ستضطرون للبقاء يوما أو يومين هنا...جرافات الثلج تعطي الأولية للطرق الوطنية والجهوية قبل الطرق الثانوية...أنتم هنا بأمان...لدينا أربع غرف في الطابق العلوي وأفرشة وأغطية دافئة ونظيفة...ثلاثمائة وخمسون درهم لكل ليلة...تتضمن المبيت وثلاث وجبات في اليوم، ومشروبات دافئة حسب الاختيار...
حوالي الثالثة زوالا توقف سقوط الثلج. خرج مع مهدي لدفن الزعيم. كان سُمْكُ الثلج يتجاوز نصف متر. أزاحا الثلج بصعوبة ثم شرعا في الحفر. لما حملا جثة الزعيم ووضعاها في الحفرة وأَهَالاَ عليها التراب، صدرت عن قطيع القردة ردة فعل غريبة وغير متوقعة: تَقَافُزٌ مصحوب بتوتر حاد، تَسَلُّقٌ سريع في الأشجار أو جَرْيٌ في كل اتجاه، زَعِيقٌ حاد، ونظرات عدوانية، وطقطقة بالأسنان...ثم هدوء مفاجئ وصمت رهيب...
بعد أن عاد مع مهدي إلى داخل الشالي، وقف خلف زجاج النافذة يتأمل قطيع القردة. اقتربوا تباعا من قبر الزعيم ببطء وتَوَجُّسٍ...بدا عليهم كأنهم يبحثون عن جثة الزعيم، يلمسون التراب بأيديهم...يتحسسونه بحذر...يتراجعون ثم يعودون...ثم تنبعث فيهم حالة توتر جماعي مرة أخرى، فيصدرون زعيقا حادا...وينسحبون تباعا باتجاه غابة الأرز...ثم يَعُمُّ الصمت...وفجأة تشرع نُتَفُ الثلج في التَّهَاوِي من جديد...ويصبح الزعيم مجرد ذكرى، كأنه لم يكن أبدا هناك، كأنه استنفد ما وهبته الحياة من مخزونِ زعامةٍ وزعيقٍ وعبورٍ.
انسحب إلى غرفته. اختار الغرفة التي تطل على الوادي حيث يقبع الدّْوَّارُ الذي تكاد تغطيه الثلوج. يبدو المشهد مذهلا، امتدادا طبيعيا ساحرا، فاتنا، لا يمكن أن تجده إلا في مثل هذا المكان الفخم المنعزل النادر والبعيد. الغرفة دافئة. يبدو أنها مزودة بنظام تدفئة خاص. السرير وثير، والأفرشة تبدو نظيفة، لكنه لا يثق أبدا في نظافة الأَسِرَّةِ والوسائد في الفنادق أو غرف المبيت في مثل هذه الأمكنة. لذلك حينما يسافر يصطحب معه دائما صابونه وشامبوانه الخاصين، وبعض الأغطية ومِنْشَفَتَيْنِ وإِزَارَيْنِ. يفرش الإِزَارَ الأول على طول السرير، ويضع الآخر على الوسادة التي يلقي عليها رأسه. لا يطيق وضع رأسه مباشرة على وسادة تَوَسَّدَهَا الآخرون قبله، ولا يَستعمل أبدا مَنَاشِفَ غرف الفنادق أو المآوي.
ذهب إلى سيارته. كانت الثلوج قد غطت جزءا كبيرا منها. أزاح عنها الثلج وأخرج حقيبته. عاد إلى غرفته، وأخرج من الحقيبة أغطيته الشخصية والإزارين والمناشف. هيأ سريره ووسادته باستعمال أغطيته الخاصة، ثم استلقى لإراحة جسده قليلا. غفت عيناه لبعض الوقت ثم استفاق على صوت طَرْقٍ خفيف على الباب، وصوت مهدي يقول:
الغذاء جاهز...
أثناء تناول الغذاء كان الكلام يدور حول فصل شتاء هذا العام وكثرة الثلوج والأمطار التي تساقطت في مدن وطرقات وغابات جبال الأطلس المتوسط. ما زال الثلج يتساقط بكثافة. من خلال الواجهة الزجاجية العريضة التي تمتد على طول الجانب الأيمن من هيكل "فضاء مهدي"، تتراءى نتف الثلج وهي تتهاوى بِمَهَلٍ بعد أن هدأت قوة الرياح. الكلب ريكس متمدد بالقرب من المدفئة الحجرية التي تشتعل فيها نار هادئة، وينبعث منها دفء لذيذ. يتطلع ريكس برأسه باتجاه كاليسطا ومهدي، ويُصدر صوتا يشبه ذلك الصوت الذي تصدره الكلاب الأليفة حين تشعر بالجوع. حينما أعطته كاليسطا صحنا فيه بعض العظام وقِطَعِ اللحم، وقف على قوائمه وهو يحرك ذيله بسعادة. وشرع في الأكل بشراهة. ضحكت هناء، وعلقت شيماء: هذا غول وليس كلبا!...
رد مهدي: إنه حارس هذا المكان...إنه بطل الوادي...
شيماء امرأة في أواخر الثلاثينيات من العمر. لا تتحدث عن حياتها وعملها. كل كلامها إما عن أسفارها خارج البلاد أو عن سيارتها الرباعية أو عن الآخرين. تسخر من كل شيء ومن كل الأشخاص بوقاحة وقلة أدب؛ تسخر من مهدي، من كاليسطا، من أختها هناء، من سكان القرية، من ريكس، من الثلج، من القردة، ومن العالم، وحتى من نفسها. وفي كل مرة تؤدي دورها الساخر، تُصْدِرُ ضحكات عالية وهي تضرب كفا بكف، وفي عينيها لَمْعَةٌ ساخرة خبيثة؛ حركاتها وتحركاتها ونظراتها وطريقة كلامها ومشيها تَشِي بنوع العمل السري الذي تقوم به في حياتها. حَدَسَ ذلك لكنه تظاهر بالغباء. تبدو سخريتها من كل شيء ومن كل الناس طريقة تعويضية للتكتم على حقيقتها، وحمايتها من الانكشاف. يبدو أسلوب السخرية العدوانية عندها نوعا من الأداء الانفعالي الدفاعي لتعزيز مشاعر التفوق عبر التقليل من قيمة الآخرين. تظهر هذه الحالة المَرَضِيَّةِ بمظاهر مختلفة عند الأشخاص الذين يعانون مما يسمى التْرُومَا النَّمَائِيَّةِ أو الإحساس الدفين بالذنب والعار المُسْتَبْطَنَيْنِ في اللاوعي.
أما هناء فهادئة جدا، لا تكف شفتاها عن التفتح بابتسامات عفوية، فيبدو وجهها مضيئا كأنه إشراقةٌ أو انعكاس لشيء نابع من دواخلها، متأصل في طبيعتها. أحيانا تنفجر بضحكة مدوية، ثم تعود إلى هدوئها وابتساماتها الغامضة. شعرها الأسود القصير يجعلها تبدو أصغر بكثير من عمرها الثلاثيني. تزيح خصلات شعرها بأناملها الرقيقة باستمرار، وتُثَبِّتُهَا خلف أذنها بحركة فاتنة وأنيقة. فتنكشف أذنها الصغيرة الجميلة، وصفحة وجهها الرَّيَّان، وبياض بشرتها، وسواد شعرها. فيبدو وجهها امتدادا مَرْمَرِيًّا فَاتِنًا لعنقٍ يَنْضَحُ بطراوة الشباب.
تأملها بافتتان، وشعر أنه يرى في هناء ما رآه ليو تولستوي في شخصية ناتاشا روستوفا في رواية "الحرب والسلام". لم يكن تولستوي يرى في ناتاشا جسد المرأة، بل كان يرى فيها تلك الطاقة الخفية المفعمة بالحياة.
تَأمَّلَ سلوكَ هناء وردود أفعالها وانفعالاتها ونظراتها وابتساماتها، فبدت له ابتساماتها الهادئة نوعا من الآلية الدفاعية التي تسمى في علم النفس التحليلي "سْمَايْلِينْ مَاسْكَ"، أو قد تكون ابتسامات تَسَتُّرِيَّةً عن رُهَابٍ اجتماعي خفي، وخوفا دفينا من الرفض، أو تنظيمًا داخليا لطاقة سرية مكبوتة وغير مُعَبَّرٍ عنها خوفا من الانكشاف؛ حَدَسَ أن ابتسامات هناء وهدوءها ليسا سوى واجهة اجتماعية، بِيرْسُونَا، وأن تحت تلك الواجهة طاقة هادرة واندفاعا جنونيا غريبا يتخطى كل الحدود. وذلك ما تأكد له بعد ذلك في ظروف صادمة جنونية وغير متوقعة.
حَدَسَ أن انتقالها من الابتسامات الهادئة إلى الضحكات المدوية ثم العودة مرة أخرى إلى الاتزان والهدوء نوع من السلوك النمطي المميِّز عادة للشخصيات الأمبيفيرتية التي تجمع بين السلوك الانطوائي والسلوك الانبساطي الذي قد يصل أحيانا إلى حد الانفلاتات العصبية القصوى والتحرر من كل قيد أخلاقي بسبب انهيار طاقة التحكم في الأنا حين تكون مدفوعة بالظل نحو الانفلات الغرائزي الانتقامي من الألم الداخلي والشعور بالعار واحتقار الذات.
الطبيعة الإنسانية حالة توتر أنطولوجي مُزْمِنٍ؛ الكائن الإنساني نفسه طاقةُ توترٍ مُصَاغَةٍ في كينونة غرائزية تتجلى لنفسها وللآخرين كجسد متحقق حضوريا في الزمان والمكان خلف أقنعة المظاهر والبروتوكولات الاجتماعية؛ تلك الطاقة من التوتر هي المحرك اللاواعي لكل أنماط التصرف والاستجابات السلوكية والاجتماعية والنفسية والغريزية. ما يميز الطبيعة الإنسانية ليس التحقق التَّعْيِينِيِّ لدواخل الذات كما هي في حقيقتها العارية، بل التشفير التَّوَجُسِيِّ لما تريد الذات أن تبدو به في أنظمة الأدوار الاجتماعية لإحراز الاعتراف والمقبولية ووهم القوة وطمأنينة الانتماء. يحدث هذا عادة عند جميع الناس بدرجات متفاوتة، لكنه يظهر -بشكل أقوى- لدى بعض الأشخاص الذين يتعرفون على بعضهم لأول مرة، أو لدى الأشخاص الذين يَسْتَضْمِرُونَ تاريخا وجدانيا طويلا مُحمَّلا بخيبات وصدمات نفسية عميقة غير قابلة للشفاء.
لا يؤمن بوجود شخصية إنسانية سوية أو متعافية؛ تبدو له الطبيعة الإنسانية كيانا تَوَجُّسِيًّا بَالِيمْبْسِيسْتِيًّا مشدودا باستمرار إلى حالةٍ من الترقب المُضْنِيِّ المتوَلِّدِ عن شك مَرَضِيٍّ في الذات، وفي الآخرين، وفي معنى الحياة، وجدواها، وقيمة ما تمثله الذات في مرآتها الداخلية، وقيمة أو لا قيمة ما تمثله في مرآة الآخرين. مشكلة الإنسان أنه يتعامل مع طبيعته الإنسانية من خلال تصريفٍ سلوكي مزيَّف يتخذ شكل انسجامٍ ادِّعَائِيٍّ بين الداخل والخارج، بين الظل والقناع، بين المظهر والمَخْبَرِ، بين السرد والتجربة، بين الكبت والرغبة، بين الحقيقة والتزييف، بين التواري والانكشاف، بين الكينونة والسيرورة، بين الهوية والاستلاب، بين الانتماء والتيه.
لكن خلف ذلك الانسجام الادِّعَائِيِّ بين الداخل والخارج توجد متلازمةُ وَهْمِ التناغم الدفاعي الناشئ عن الشفافية النفسية غير المتحقِّقَة والخوف المَرَضِيِّ من الاستبعاد والانكشاف. الكائن الإنساني يعيش تنافرا مُقَنَّعًا في ذاته الداخلية، إنه تنافر مُسْتَبْطَنٌ في اللاوعي، ومُسْقَطٌ على العالم بخطابات تبريرية تعويضية ودفاعية. من الناحية النفسية، تبدو الطبيعة الإنسانية قائمة جوهريا على تزييف ذاتها باستمرار لكي يحصل لها الوهم بالقيمة الوجودية أو الكِفاية الأَدْوَارِيَّةِ الاجتماعية؛ تلك لعنة الكائن ومصدر معاناته، لكنها محرك كل نَوَابِضِ الأفعال الإنسانية الموجَّهة بشكل تراجيدي حزين نحو إحرازِ وَهْمِ القيمة والاعتراف.
تواترت هذه التأملات في ذهنه وهو يتأمل هناء. انتبهت إلى نظراته المتفحِّصة. بدا عليها بعض الحرج. تشاغلت بالنظر إلى هاتفها. بدت له جميلة جدا بشعرها الأسود الفاحم القصير، وخصلاته الناعمة، وبشرة وجهها العذبة البيضاء. يعشق الشعر الأسود القصير في المرأة. ويعشق تلك الحركة الأنيقة المتكررة التي تقوم بها هناء لتثبيت خصلات شعرها خلف أذنها.
على الرغم من قدرته القوية على قراءة المرأة من خلال نظراتها، وابتساماتها، وحركاتها، وطريقة جلوسها، وطريقة كلامها، ولحظات صمتها، ونوع تفاعلاتها، وردود أفعالها، وملامح وجهها، وحركات يديها وأصابعها، وطريقة لباسها، وألوان ثيابها، وخطوط كَفَّيْهَا إلا أنه لا يحب أبدا أن يرى المرأة كما هي، بل يُسْقِطُ عليها الصورة التي يريد أن يراها بها؛ إنه يرى فيها ما يريد أن تَكُونَهُ وليس ما هي عليه. يدرك أنه يرسم للمرأة صورة تمجيدية إسقاطية تنسجم مع المرأة المثالية التي يختزنها في ذهنه، ويدرك حقيقة المسافة الشاسعة بين حقيقة المرأة وبين الصورة التي يرسمها لها في خَيَالِه. لكنه يحب تلك الصورة المُتَخَيَّلَةَ، تُلْهِمُهُ، تُدَغْدِغُ روحه، تُحْدِثُ فيه حالة لذيذة من التعالي النقي عن حقيقة الطبيعة الإنسانية البشعة والشَّوْهَاء. وكلما اكتشف أن المرأة التي يتعامل معها بعيدة كل البعد عن الصورة التي يصطنعها لها في خياله، يزداد تمسكه بالصورة المثال، ويزداد ابتعاده عن الأصل. لا يتعلق الأمر بإدراكٍ مقلوب، بل بعملية استكشافٍ فضوليٍّ واعٍ ومقصود لقياس مدى المسافة الفاصلة بين الأصل والصورة، بين الحقيقة والتظاهر، بين المرأة كما هي في طبيعتها الخام وبين فائض المعنى والقيم المُضَافَةِ التي أَلْبَسَتْهَا إياها الثقافة والتمثلات والأقنعة والأدوار الاجتماعية؛ تفتنه تلك المسافة الغريبة والمُفَارِقَةُ بين الصورة والأصل، تُبْقِيهِ في حالة عميقة وممتعة من التأمل والتفكير والاندهاش.
تبدو له العلاقة مع المرأة حَيِّزَ تفكيرٍ في الكائن الإنساني، ومِضْمَارَ دهشةٍ عجيبة، وفرصةً متجددة للخروج من الوعي النمطي الناشئ عن الترتيبات الثقافية الساذجة والمزيفة التي تمارس نشاطها في خلفية اللاوعي الجمعي. ألقى نظرة أخرى باتجاه هناء. التقت نظراتهما. شعر بشيء يحدث بينهما. ابتسم. ابتسمت. بدت له ابتسامتها الأنثوية وشعرها الأسود القصير أعجوبة. حدس أن خلف ابتسامتها المسالمة طبيعة أنثوية افتراسية متوحشة متخفية وراء ابتسامات مُهادِنة ووديعة.
نظر من خلف زجاج النافذة إلى نُتَفِ الثلج وهي تتهاوى في رقصة فَالْسِيَّةٍ عجيبة ومذهلة. شعر برغبة قوية في الخروج للمشي في ركام الثلوج التي تغطي الساحة الخارجية. ارتدى معطفه وغطى رأسه بقبعة قطنية، وارتدى قفازتيه الجلديتين استعدادا للخروج. حينما فتح الباب الخارجي، شعر بلمسة البرودة الصقيعية وطراورة نُتَفِ الثلج الناعمة وهي تلامس وجهه. يعشق الثلج والمطر. يحب فصل الشتاء أكثر من كل فصول السنة.
أجال نظراته في المدى الواسع المغطى بالثلوج. بدا هيكل "فضاء مهدي" بلونه الخشبي البني الغامق وسط بياض الثلج هَامَةً عملاقة تحكي قصةً غير عادية في طبيعة أطلسية غير عادية وفي فصلِ شتاءٍ غير عادي. اِسْتَلَذَّ المشي فوق الثلج بخطوات متثاقلة. انتشى بسماع تلك الخشخشة الخافتة التي يُحدثها حذاؤه في كل خطوة له على الثلج. تَغُوصُ قدماه في ركام الثلوج إلى حدود الركبتين، فيشعر بانتشاء جميل، بسعادة طفولية. القردة تعتلي أغصان الأشجار. تبدو هادئة كأنها أجساد متحجرة. تنظر بذهول إلى المدى الغابوي المحيط بها بنظرات فيها استكانة عجيبة. تَعَجَّبَ كيف تتحمل القردة كل تلك البرودة الصقيعية التي تَكْتَنِفُ المكان. وقف في الشرفة الجبلية المطلة على القرية النائمة في الوادي تحت نتف الثلج التي تتهاوى بِمَهَلٍ ورتابة. بدا له المنظر خرافيا. جمالية تفوق الوصف. مشهد الثلوج وهي تتهاوى بِمَهَلٍ وتُسْبِلُ رداءها على "فضاء مهدي" وغابات الأرز والصنوبر والقرية اللاَّبِدَةِ في أسفل الوادي يلقي في دواخله افتتانا يعجز عن وصفه.
سمع صوت نباح ريكس. التفت باتجاهه فرأى شيماء وهناء تتقاذفان كُرَيَاتِ الثلج وهما تضحكان بطفولة ومرح، وريكس يتقافز حولهما محركا ذيله بسعادة. اِسْتَلَذَّ النظر إلى المشهد. يعشق مَرَحَ النساء. تَأَمَّلَ مشهد شيماء وهناء وهما تَتَنَطَّطَانِ وتتقافزان تحت نُتَفِ الثلج، وتضحكان ضحكات طفولية، وريكس يرافق ضحكاتهما بالنباح والجري خلفهما، فبدا له المشهد فاتنا، نَاضِحًا بحركية وألفة رومانسية لذيذة. لَوَّحَتْ له هناء بيدها تطلب منه تصويرهم بكاميرا الهاتف. التقط لهم صورا ثابتة وثلاث فيديوهات. قذفته هناء بِكُرَةِ ثلج على حين غِرَّة. تبادل معها التقاذف بكريات الثلج. وفجأة وجد نفسه في لعبة لم يكن مهيأ لها. لكنها أحدثت بينه وبين هناء وشيماء وريكس ألفة جميلة.
في المساء، هيأت كاريسطا ومهدي طاولة العشاء قرب المدفئة؛ الأضواء الصفراء التي تنبعث من المصابيح تلقي أجواء جميلة وسكينة مريحة على الفضاء الداخلي للشالي الخشبي، وتتسرب بعض أطيافها إلى الساحة الخارجية من خلال زجاج النوافذ الجانبية، فتبدو نُتَفُ الثلج وهي تتساقط ليلا بهدوءٍ مَيَّالَةً إلى الصفرة، مزدانة بجمالية آسرة. انتسجت أُلْفَةٌ احتفالية جميلة بين الجميع. بدت كاريسطا لطيفة رغم صوتها الخشن. أشرفت على تصفيف صحون العشاء على الطاولة بمساعدة امرأة بدوية جلبتها من الدّْوَّار. بدت المرأة القروية خجولة جدا، تأتمر بأوامر كاريسطا ومهدي، وتُبقي نظراتها مُطَأْطَأَةً نحو الأرض. رأى شيماء تنظر إليها بسخرية، أَيْقَنَ أنها تستعد لتقول لها كلاما ساخرا. اقترب منها، وهمس في أذنها: من فضلك، لا تُحْرِجِيها بكلام قد يجرحها...إنها امرأة خجولة وفقيرة...
أثناء العشاء بدت كاليسطا مهتمة بالجميع. تتدلى من شفتيها ابتسامة جِدِّيَّةٌ. دعت المرأةَ القروية للجلوس إلى الطاولة لتناول العشاء. أبدت المرأة رغبتها في الأكل لوحدها في المطبخ. نهرتها كاليسطا: ستجلسين معنا على الطاولة، وتتناولين العشاء معنا...لن تأكلي وحدك في المطبخ...أنتِ لستِ ريكس...
علق مهدي بقهقهة صاخبة: هذا قانون كاليسطا...كل من يدخل "فضاء مهدي" يصبح فردا من الأسرة...حتى ريكس...
أعجبته طيبة كاليسطا ومهدي، ومرح شيماء، وأناقة حركات هناء وهي تتناول العشاء. بدت المرأة القروية خجولة جدا، تأكل بِمَهَلٍ وحرج، وتتجنب النظر في عيون الآخرين. شيماء طاقة متوقِّدة، تتحدث بدون انقطاع، تأكل بشراهة، وتُصدر ضحكات يتفاعل معها الجميع. تُحْدِثُ فوضى جميلة. تكسر الصمت. تبعث الدفء في النفوس والمكان؛ تمارس دورا متخفيا في فضاءٍ اجتماعي تخشى من انكشاف حقيقتها فيه: تمارس دور الشخصية السعيدة التي تُسعد الناس من خلال أداءٍ اجتماعي انتمائي وحيوية تعويضية من طبيعة استعراضية ومفتعَلة؛ بدت له شيماء حالة إنسانية مزرية تثير الشفقة والقرف في الوقت نفسه. حدَّث نفسه: عجيب كيف أن بعض الأشخاص يعانون شرخا داخليا مخزيا وإحساسا عميقا بالذنب والعار، ويحاولون بكل الطرق الظهور بشخصية اجتماعية متكيفة وقناع انفعالي بهيج ومُبْهِجٍ ليتستروا عن الفراغ المؤلم الذي يُبْقِي دواخلهم في حالة انكسار مُزْمِنٍ وكُرْهٍ وحشي للذات.
بدت له شيماء مجرد قناعٍ انفعالي، حيوية استعراضية من طبيعة دفاعية، هيأة مشهدية تؤدي دورا لا يمثل حقيقتها؛ دور الهندسة السلوكية والوجدانية للسردية الأدائية الاجتماعية التي تخفي الانقسام الداخلي بين الحقيقة والدور، بين الذات العميقة التي أنهكها الشعور بالذنب والعار وبين الذات التي تتجلى للآخرين ككيان اجتماعي من طبيعة أدائية مُرْضِيَّةٍ وجذابة وآمنة.
بعد العشاء انشغلت المرأة القروية بتنظيف الطاولة وأَخْذِ الصحون إلى المطبخ. انضمت كاليسطا إلى شيماء وهناء، وانْخَرَطْنَ في حديثٍ يَصْدَحُ بالضحكات. واختلى هو مع مهدي لتبادل الحديث وتدخين بعض السجائر. مَدَّ له مهدي علبة سجائره ليأخذ منها سيجارة. لكنه أعادها إليه شاكرا. وذهب إلى غرفته لجلب علبة سجائره الخاصة. اندهش مهدي، وبدت عليه علامات التساؤل. شعر أن عليه توضيح الأمر لمهدي، فقال له: لا أحب أن أدخن سجائر الآخرين أو سجائر من ماركات مختلفة...أفضل تدخين نوع السجائر التي تعودت عليها...شكرا لك...
لا يحب تدخين سجائر الآخرين، ولا يحب أن يعرض عليه أحد سيجارة، ولا يحب أبدا إشعال سيجارته بِوَلاَّعَةِ الآخرين. له طقوس خاصة في التدخين وفي جميع تفاصيل حياته الخاصة والشخصية. التدخين بالنسبة إليه ليس عادة، بل لحظة انتشاء تافه وتَأَمُّلِيٍّ في الوقت نفسه. يدخن في لحظات نادرة. وأحيانا يُشعل سيجارة ولا يأخذ منها أي نَفَس. يتركها تستهلك نفسها، ويشاهد دخان التبغ وهو ينبعث منها، لِيَوَفِّرَ لعقله لحظة تأمل واستكشاف وجودي عميق. علاقته بالتدخين تمنحه دائما إحساسا بأنه المتحكم؛ يعرف أن السجائر لا يمكنها أن تتمكن منه أبدا، يدخنها بإرادته واختياره متى شاء ويتجاهلها متى شاء، يُدْمِنُهَا متى شاء وكيفما شاء، ويتخلى عنها نهائيا متى شاء؛ لا قدرة لها على أن تتحول لديه إلى إدمان طويل الأمد؛ قد يدخن بشراهة واندفاع لبعض الوقت ثم فجأة يتخلى عن التدخين كأنه لم يدخن أبدا. التدخين بالنسبة إليه ليس رغبة وليس تَعَوُّدًا وليس إدمانا، بل اختبارا لقدرته على تفعيل طاقة الزمنية الثالثة.
نظر إلى مهدي، وحدَّث نفسه: ما الذي ستتحدث عنه يا مهدي؟ ما الذي يوجد في دواخلك لتحكيه؟ ما الذي ستقوله لي وأقوله لك على إيقاع نُتَفِ الثلج التي تتهاوى في هذه الليلة الشتوية العجيبة؟...
تحدث مهدي: كنتُ قد وعدتك بأن أحكي لك قصتي وقصة "فضاء مهدي" إن عدتَ إلى هذا المكان...كان ذلك في أول مرة جئتَ إلى هنا منذ سنتين تقريبا...هل تتذكر ذلك؟...
أجاب: نعم...أتذكر...مرت سنتان منذ أول مجيئي إلى هنا...مرت بسرعة!...
قال مهدي: نعم سنتان تقريبا...الوقت يمر بسرعة...لكن في هذا المكان المعزول، يمر الوقت بطيئا...بطيئا جدا...يبدو اليوم طويلا، وتبدو السنة أطول...في المدن تمضي وتيرة الوقت بسرعة، يغرق الناس في كثرة الانشغالات والجري اللاهث خلف الإنجازات والتسليات والتفاهات والأمور الجدية والجانبية والوظيفية...فتتسارع حياتهم ويتسارع زمنهم، وتبدو لهم الأيام والشهور والسنوات قصيرة...لكن في هذا المكان أشعر أن الزمن ثابت...يكاد لا يتحرك...أحب وطأة الزمن، أراقبه يمضي بتثاقل، وأراقب حياتي وهي تمضي بوتيرة متباطئة، فيشعرني ذلك أنني أحيا عمري كاملا...غير منقوص...كل شيء في هذا المكان يبدو على طبيعته...العمر والحياة والزمن والناس والأشجار والثلج وفضاء مهدي وأنا وكاليسطا وريكس وسرب القردة...أَتَعْلَمُ لماذا يأتي الناس إلى هذا المكان؟...
قال: تأتي بهم الطريق...هذا ما قلته لي حينما سألتك ما الذي يأتي بهم إلى هذا المكان المعزول...لم أنس هذا الجواب الذي قلته لي لأنه بدا لي جوابا روحانيا...
ابتسم مهدي وقال: لا أدري ما الذي تعنيه بجواب روحاني...أنا لا أؤمن بالروحانيات...لكن دعني أقول لك لماذا يأتي الناس إلى هذا المكان؟ يأتي بهم التعب من الحياة...كل من يأتي إلى "فضاء مهدي" يحمل في دواخله تعبا وجوديا...ربما قد تسميه أنت تعبا روحيا...لكن ما أقصده بالتعب الوجودي هو ثقل الوجود نفسه...أن توجد في العالم وتُمْنَحَ القدرة الوهمية على الاختيار...ثم تجد أن كل اختياراتك ليست اختياراتك...وكل أفكارك ليست أفكارك...وكل المعاني التي تمنحها لوجودك ولنفسك ولأشياء العالم لكي تضفي القيمة على حياتك ليست سوى مُفْتَعَلاَتٍ تبريرية بدون دلالة حقيقية...
توقف مهدي قليلا. أغمض عينيه للحظات. ثم استطرد قائلا: التعب الوجودي ليس تعبَ أجسادٍ تَنُوءُ بالجهد اليومي المسترسِل والمستمر، بل تعب الوعي بأن وجودك في الوجود عابر، وأنك جئت لهذا الوجود لتشهد على محنة هذا العبور الذي يصير مصيرَك...التعب الوجودي في عمقه هو تعب الوعي بأن كل ما تظن أنه حياتك زائل...منذور للاندثار كأنه أبدا لم يكن...لعنة الإنسان ومحنته أن يظل مُسْرِفًا في الجري اللاهث خلف الحياة...لا يتوقف ولا يريد التوقف...لأن التوقف يعني أن يرى الفراغ...فراغ إنسانيته من المعنى...وفراغ وجوده نفسه من القيمة والجدوى...
توقف مهدي عن الكلام مرة أخرى. بدت على وجهه مسحة تفكير عميق. بدا كأنه يخاطب نفسه ليقول لها ما يبدو له كلاما حكيما حول الحياة والوجود والزمن والإنسان.
تَأَمَّلَ مهدي وحدَّث نفسه قائلا: عجيب كيف يتحول الناس دائما إلى حكماء وفلاسفة حينما يتحدثون عن الحياة...يتحولون إلى كائنات تراجيدية تَنْعِي نفسها ووجودها وقيمتها...التعب الوجودي يا مهدي هو المحنة الاختيارية والإرادية الحمقاء التي يصطنعها الإنسان في ذهنه، ويجعل منها وَعْيًا، ويَهْتَدِي بها في حياته، ويتخذها فلسفة أو استبصارا معرفيا يستضيء به مثل قنديل دْيُوجِينْ...أنا لا أومن بوجودِ تعبٍ وجودي يا مهدي، ما يتعبني أنا في هذه الحياة ليس الوجود، وليس مصير الزوال، ولا هذا الشيء الذي تسميه الإحساس بالفراغ، ولا مشاكل الحياة اليومية وتحدياتها التي لا تنتهي، ولا حتى الافتقاد للبوصلة أو الحنين إلى زمن بَدْئِيٍّ أو نعيمٍ فائِت...ما يتعبني حقا هو ضجيج العالم والناس...حينما أجيء إلى فضائك يا مهدي تكون غايتي هي التنعم ببعض اللحظات التي أرتاح فيها من ضجيج العالم...أشحن طاقتي ثم أرتمي بحماس وشغف في هذا الوجود...أجد دائما موقعي فيه...لا أنتظر منه أن يمنحني معناه، لأنني أصنع معناه بنفسي...أحدد قيمته بمقاييسي...أتموقع فيه وفق طريقتي وتبعا لاختياراتي...أنا لا ألغي أبدا القيمة السيادية للإنسان...أَتَعْلَمُ ما أعنيه بالقيمة السيادية للإنسان يا مهدي؟ أعني بها البطولة الوجودية...أعني بها الحضور المُجْدِي في الحياة حتى حين تفقد الحياة جدواها في عيون كل الخلق...في أذهان كل البشر...صحيح أن الوجود موغل في الغموض، مفرط في القسوة، لكنه غاية في الروعة والجمال...إنه الدرجة القصوى من الاكتمال...ولذلك يُشْعِرُ الإنسانَ بنقصه، يُذَكِّرُهُ بأنه كائن أحمق وقاصر...لكن رغم كل هذه التشخيصات التي ليست في نهاية المطاف سوى تفاصيل، هناك دائما فرصة متاحة للإنسان ليختار أن يكون المعنى، بدل أن يكون مجرد أثر...وهذا ما أسميه البطولة الوجودية...
خرج من تأملاته. لم يُرِدْ تَقَاسُمَهَا مع مهدي. اكتفى بالنظر إليه. ظل مهدي صامتا يغالب كلاما يتهيأ لقوله. أما هو فقد نظر إلى كاليسطا وشيماء وهناء وهن يتبادلن الحديث قريبا من المدفئة. ثم وَجَّهَ نظراته من خلف زجاج النوافذ إلى نتف الثلج التي ما زالت تتهاوى. وبدا له الأمر في غاية الغرابة والجمال. حدَّث نفسه قائلا: الحياة تَحْدُثُ كأنها تَدَفُّقٌ...لا تطلب إِذْنًا...لا تنتظر إطراء أو ذَمًّا من أحد...لا تشغل نفسها بالتعب الوجودي الذي يتحدث عنه مهدي، ولا يهمها من يحيا أو من يموت...من يرى فيها المعنى أو من يكتشف فيها العبث...هناك من يرتمي في خضم الحياة ليصير هو الحياة، وهناك من يقف على ضفافها...يراقبها وهي تنفلت منه، تمضي بعيدا عنه...ويظل مشدودا إلى رغبة خاسرة في تثبيتها، والاحتفاظ بها، والإبقاء عليها خوفا من أن تهرب منه...يحاول الإمساك بما لا سبيل للإمساك به...يسبح ضد التيار...يعاند باستماتة أو بشرف أو بدون أمل...لا يدرك المعنى الحقيقي للحياة...فيرهق نفسه، ويسمي ذلك لعنة أو ألما أو عذابا أو عبثا أو تعبا وجوديا...
شعر برغبة في سؤال مهدي: ماذا تعني تحديدا بالتعب الوجودي؟!...
استطرد مهدي قائلا: التعب الوجودي يتفاقم في دواخل الإنسان حين يحاول هذا الإنسان أن يكون شيئا، أن يصير قيمة في ذاته، أن يرتقي إلى أفضل نسخة من نفسه، أن يجد معنى لِما ليس له معنى، أن يجد تبريرا لِمَا لا يمكن أبدا تبريره، أن يضفي الجدوى على حياته لكي لا يشعر بعبثية وجوده...التعب الوجودي هو شكل الوجود الذي يصير الإنسانُ إليه، ويقيم فيه، ويستسلم إليه، ويُسَمِّي ذلك الاستسلام حكمة أو لعنة أو تسليما...ذلك ما أٌقصده بالتعب الوجودي...لم أسمع منك تعليقا...حَدَسْتُ أنك تجيب بكلام تُحَادِثُ به نفسك...أريد أن أعرف رأيك...أن أسمع صوتك....يهمني ذلك...
أَدْرَكَ أن عليه أن يتفاعل مع كلام وأفكار مهدي. أطفأ سيجارته وقال: كل ما يقوله الناس من كلام وأفكار حول الوجود يصير في عقولهم جزءا من الوجود نفسه...فيظنون أن الوجود هو أفكارهم عنه...هو أحكامهم أو محاكماتهم له...الوجود ليس موضوع مرافعة تراجيدية يا مهدي...إنه موضوع اكتشاف وتذوق ومعايشة...الوجود ليس منفصلا عنا، إنه وجودنا ذاته...إنه ما نكونه وما نصير إليه...إنه تجربتنا فيه، إنه تحققنا به...أنا لا أرى الوجود تَعَبًا بل أراه فرصة...ولا أرى الحياة أَلَمًا بل أراها اختبارا لقدرتنا على أن نكون جديرين بها...ممتلئين بها إلى حد التخمة، إلى حد الافتتان...أنا لا آتي إلى هذا المكان يا مهدي لِأَبْكِيَ تعبي الوجودي أو لأشكو ظلم الحياة أو قسوة القدر...بل آتي لأتذوق لذة الافتتان بهذه الطبيعة التي تُحْدِثُ في قلبي وعقلي وروحي اندهاشا أعجز عن التعبير عنه...متى يصبح الوجود لعنة وقبحا ومأساة وألما وظلما وبشاعة وشكوى وتذمرا وتعبا وجوديا؟ حينما تفقد لذة الافتتان به، فتراه مُجَرَّدَ فَخٍّ نُصِبَ للإنسان لكي يقع فيه...مُجَرَّدَ لعبةٍ ماكِرة ضد البشر...
قاطعه مهدي: كلامك يفاجئني...كيف يكون الوجود فرصة؟ وما معنى أن نكون ممتلئين بالحياة إلى حد الافتتان؟...
– الوجود فرصة وجودك ذاته...إنه فرصة حضورك فيه...امتلاؤك به وامتلاؤه بك...حضورك في الوجود هو ذاتك وقد وَعَتْ جودَها حتى صارت إياه...وانفصاله عنك وانفصالك عنه هو مأزقك الذي حشرتَ نفسك فيه حتى صرتَ تَتَوَهَّمُ أنه أنت...الوجود هو فرصة حضورك في الحياة...هو الإمكانية الوحيدة التي تَحُولُ بينك وبين ما يصادر قيمتك في وعيك...إنه الطريقة الوحيدة للإقامة في العالم قبل أن يطويك الغياب...أما الافتتان فهو تَذَوُّقُ الحياة...اِسْتِطْعَامُهَا بعقلك وقلبك وحواسك وروحك ووجدانك...الافتتان بالحياة حالةٌ وجودية خاصة لا تكتَسبها بالتعلم، ولا تكتشفها بالتجربة، ولا تَعِيهَا بالمعرفة، بل تجدها في طبيعتك أو لا تجدها...تلمسها في نفسك أو لا تلامسها روحك أبدا...الافتتان بالحياة عَطِيَّةٌ إلهية...إنها حالة من المُكَاشَفَةِ التي لا تحصل بالمعرفة أو التَّعَرُّفِ بل تحصل بالتذوق...وعلامتها أن يحصل لك ذهول لذيذ وصادم لا يوصف وأنت تتأمل الحياة والناس والظواهر والأشياء والوجود والموجودات...تلك الحالة من الدهشة والذهول يا مهدي هي ما أسميه الافتتان بالحياة...إنها حالةٌ تُلاَزِمُنِي في كل لحظة من لحظات حياتي، لا أستطيع التعبير عنها بالكلمات، لذلك أسميها حالة روحية...
ظل مهدي صامتا. تبدو في نظراته أسئلة بدون جواب. بدا غير مقتنع بما سمعه. نفث دخان السيجارة من أنفه نفثة طويلة. طال صمته كأنه ينتظر أن يسمع المزيد. وحينما تأكد أنه لن يحصل على تعليق، قال:
ما أسمعه منك لا يجعل عمليةَ تصنيفِك سهلة...طريقة تفكيرك مختلفة...أنا لا أشعر بالذهول والدهشة حينما أتأمل الحياة...ولا أشعر بهذه الحالة التي تسميها افتتانا بالحياة...تبدو لي الحياة عادية، والناس مجرد كائنات بدون عمق، والزمن مجرد سيرورةِ لحظاتٍ تمضي وأيامٍ تَمُرّ...هذه الطبيعة التي تذهلك ليست في نظري سوى تضاريس جبلية وغابوية تفقد جمالها في أعين من تَعَوَّدَ على رؤيتها صباح مساء...لا شيء في الحياة يثير دهشتي وذهولي...وحينما أتأمل الأشخاص الذين يأتون إلى هذا المكان أرى فيهم تعبا وجوديا ومهزلة إنسانية وكائنات إشكالية تتخبط بحثا عن مخرج...تبتكر صيغة هروب من ذاتها...تتألم في دواخلها بينما ترسم على الشفاه ابتسامات شاحبة...تتظاهر بالقوة وفي أحشائها خوف لا يُرَى وُرُعْبٌ دَفِين...
نظر إلى مهدي، وشعر بالشفقة عليه قبل أن يعلق: أنت ترى فيهم نفسك يا مهدي...ترى فيهم نفسك...الناس طاقةُ تَوَتُّرٍ مُزْمِنٍ يعبر عن نفسه بما يتاح له من سبل التفريغ لكي يصبح توترا متوازنا...توترا تطيقه قدرتهم على التحمل...الناس يرتادون الأمكنة التي على شاكلتهم، ويتبنون السلوك الذي تحسنه ذواتهم وتطمئن إليه أنفسهم وتستطيعه قدرتهم وتتجلى من خلاله حقيقتهم...اللص يتقن سلوك اللصوصية لأنها حقيقته ومنتهى ما يمكن أن يعبر به عن نفسه...والكذاب يتقن الكذب ويحوِّلُهُ إلى فن ليشعر بوجوده ويستمد منه وَهْمَ القوة التي يتمنى إحرازها في شخصيته...والمنافق يخالطه النفاق في كل حركاته وسكناته لأنه جوهره...والسياسي يمارس سلوك التلاعب لأن التلاعب هو الشيء الوحيد الذي يقيس به حقيقة ما هو عليه في تمثلاته عن نفسه...والحكيم يجابه حقيقته وحقيقة العالم والناس فتصير تلك المجابهة نفسها ذاتَه الدَّالَّةَ حصرا عليه...وقِسْ على ذلك كل الأشخاص الآخرين...لكن خلف هذه الاعتبارات لا يوجد وعي الكائن ولا عقلانيته ولا حكمته ولا ذكاؤه، بل يوجد تدفق الحياة، غَرِيزِيَّتُهَا العمياء، تيارها السَّيَّالُ، مَدُّهَا الجارِف، ووَهْمُهَا العجيب الذي يأخذ من الإنسان حياته ويمنحه في المقابل وَهْمَ القوة والاقتدار...صحيح أن الناس يهربون، لكنهم لا يهربون من ذواتهم...ولا يهربون إليها...إنهم في حالة هروب من شيء يجهلونه، ولا يدركون لماذا يهربون...هروبهم ليس مأساة بل سينوغرافيا كوميدية...وليس مهزلة بل شكل التحقق الوحيد الذي يمنحهم إحساسا بالحياة...يزودهم بالشعور بأنهم في حالة تَجَلٍّ وحضور...لكن بصرف النظر عن هذه الاعتبارات، الناس ليسوا ضحايا تَعَبٍ وجودِيٍّ يا مهدي، ولا يهمهم البحث عن المعنى، ولا يشغلهم حتى البحث عن هذا الشيء الذي تسميه القيمة والعمق...الناس كائنات هائمة...الناس سطحيون لأن السطحية طبيعة الكائن، السطحية ليست تهمة وليست تنقيصا من الإنسان، بل هي صيغة توافقه مع ما يتجاوز مُنْتَهَى نَبَاهَتِهِ واستبصاره...الناس الذين يأتون إلى هذا المكان لا يأتي بهم التعب الوجودي، ولا يأتون للبحث عن القيمة والعمق والمعنى...إنهم يأتون فقط...بلا تفسيرات عميقة...بلا مبررات مُقْنِعَةٍ...مجرد مجيء غريزي أعمى...مجرد حادث عادي من أحداث يوميات الكائن...
قاطعه مهدي: كيف تعرف ذلك؟ وأنت، ما الذي يأتي بك إلى هذا المكان؟
نظر إلى ساعته قبل أن يجيب: سألتُ شيماء: لماذا تأتين إلى هذا المكان؟ فاكتفت بالقول: "إنه يعجبني". وحينما سألتها: ما الذي يعجبك فيه؟ اكتفت بالقول: "كل شيء". وحينما سألت هناء، قالت: "أشعر فيه بالراحة". لم أجد أي عمق في هذه الأجوبة، إنهما لا تعرفان حقا ما الذي يأتي بهما إلى هذا المكان...إنهما تأتيان فقط...هذا الشيء الذي تسميه تعبا وجوديا ليس جزءا من وعيهما بالعالم والحياة، إنه جزء من تشخيصك للناس الذين يأتون إلى فضائك يا مهدي...صدقني، الناس لا يبحثون عن المعنى ولا عن القيمة والعمق...إنهم لا يبحثون عن أي شيء من هذه الأشياء حتى حينما يبدون في حالةِ بحثٍ جَهِيدٍ عنها، إنهم يتدفقون فقط...يتدفقون مع تدفق الحياة...يَرْتَدُونَ سطحيتها لأن السطحية هي كل ما بإمكانهم أن يكونوا عليه ويعيشوا به ويميلوا إليه...المعنى والقيمة والعمق ليست جوهريا انشغالات إنسانية، إنها متعاليات، مثاليات أفلاطونية، ميثولوجيات ذهنية...إنها قِيَمٌ دونكيشوتية لا تحضر إلا في الغياب...إنها يوتوبيا...
ألقى نظرة على ساعته مرة أخرى. العاشرة والنصف ليلا. توقف عن الكلام. تمنى لمهدي ليلة سعيدة ثم انسحب إلى غرفته لينام. لا يحب السهر. يهتم كثيرا بنظام نومه. تهيأ للنوم. أشعل شمعة عطرية كعادته، خصص خمس دقائق لجلسة التنفس الإبطائي الاسترخائي العميق كعادته قبل النوم، ثم أخذ الكتاب الشهري الذي يضعه على طاولة السرير، كتاب "مقالات" لميشيل مونتيني. فتح صفحة عشوائية من الكتاب، قرأ أول جملة وقعت عليها نظراته: " كل إنسان يحمل داخله الصورة الكاملة للشرط الإنساني". أطفأ المصباح. تمدد في السرير، وشغل نفسه بتأمل هذه الجملة كعادته مع كل جملة عشوائية يقرأها في نهاية كل يوم أو بداية كل صباح.
استيقظ مبكرا. نزل إلى الطابق السفلي. مهدي وكاليسطا يتبادلان الحديث قرب المدفئة. تناول الفطور. كتب بعض الانطباعات الصباحية في مذكراته كعادته كل صباح. ثم شرع في قراءة بعض الصفحات من الجزء العاشر من كتاب "أصول فرنسا المعاصرة" لمؤلفه إيبوليت طين. اكتشف هذا الجزء من الكتاب صدفة في مكتبة قديمة في الرباط. كان قد تعرف على هذا الكاتب من خلال كتابه "فلسفة الفن"، لكن التحليل التاريخي والثقافي الذي قدمه هذا الفيلسوف بخصوص الثورة الفرنسية بدا له مثيرا جدا، ومخالفا لكل التحليلات التي تتصادى في المشهد الثقافي العربي بوجه عام، والتي تُمَجِّدُ عقلانية الثورة الفرنسية. ينظر إيبوليت طين إلى الثورة الفرنسية بوصفها حدثا تاريخيا عنيفا لا علاقة له بالتحرر العقلاني من الظلم والاستبداد، بل كانت ثورة مترتبة عن انفلات دموي مترتب عن الضغوط السياسية والاجتماعية والنفسية التي تراكمت في نفوس الفرنسيين. إن ما حدث لم يكن ثورة بل انفجارا نفسيا واجتماعيا وسياسيا حتميا؛ الثورة الفرنسية لم تكن في نظر إيبوليت طين عقلانية سياسية ونضالية بل كانت متنفسا تراجيديا لضغوط نفسية غريزية وبدائية عبرت عن نفسها من خلال أحداث دموية غيرت شكل النظام السياسي في فرنسا، وجعلته مستبدا ومتمركزا أكثر مما كان عليه من قبل.
لكن خلف هذا التحليل التاريخي الذي قدمه إيبوليت طين، كانت هناك مرافعة نقدية قوية ضد فلاسفة التنوير الذين آمنوا بأن المجتمع قابل للتطور والارتقاء من خلال المبادئ العقلانية الخالصة. الثورة الفرنسية في نظر إيبوليت طين كشفت أن حقيقة المجتمع ليست حقيقة عقلانية بل حقيقية غريزية لا تحتكم إلى العقل، بل تنقاد للانفلاتات النفسية البدائية والضغوط الاجتماعية والسياسية وحقيقة الطبيعة الإنسانية الهمجية. وهكذا يستنتج إيبوليت طين أن الثورة الفرنسية التي بدأت بشعارات تطالب بالحرية، تحولت إلى عنف دموي ورُعْبٍ غير مسبوقين.
أعاد صياغة هذه الأفكار في نص مُطَوَّلٍ، ونَشَرَهُ كعادته على صفحة فيسبوك خاصة كان قد أنشأها باسم مستعار منذ عامِ كورونا، وتعوَّد على نشر أفكاره وخواطره ومواقفه فيها ثلاث مرات في كل أسبوع. يحب الأنونيما. اكتشف منذ ذلك الحين أن الأشخاص الذين يتابعونه ويتفاعلون مع منشوراته وهم لا يعرفونه ولا يعرفهم لا يناقشون شخصه، بل يناقشون أفكاره حتى حين تستفز عقولهم؛ يسألون ويناقشون، يتعجبون أو يُعجبون، يقتنعون أو لا يقتنعون، لكنهم يعبرون له دوما عن احترامهم. يعشق الاحترام. أول ما يختبره في الناس الذين يتفاعل معهم هو الاحترام، قيمة القيم، أناقة السلوك الإنساني الراقي الفخم والرفيع.
اقترب منه مهدي، وقال: بعد ذهابك للنوم بالأمس، اتفقتُ مع كاليسطا وشيماء وهناء على الذهاب اليوم لاستكشاف كهف قريب من هنا، ثم الذهاب بعد ذلك إلى الدّْوَّارْ (القرية) لتناول وجبة الغذاء...سيكون ذلك أفضل من البقاء طول اليوم داخل المقهى...الأشخاص غير المتعودين على البقاء في مكان مغلق أثناء سقوط الثلج قد يصابون بتراجع المحفِّزات الحسية...وهي حالة خفيفة من الكآبة...ولا أريد أن يحصل ذلك لأي منكم...خاصة شيماء وهناء...
الطريق إلى الكهف عبارة عن مسلك ضيق ومتعرج عبر غابة الأرز. ثلج خفيف يتهاوى. برودة شديدة. قردة تتابعهم بنظرات متوجسة. اشترى من مهدي كيسا من الفول السوداني وأخذه لإطعام القردة أثناء الرحلة باتجاه الكهف. في كل مرة يرمي بعض حبات الفول السوداني باتجاه القردة، يتسارعون لالتقاطها ثم يهربون. شيماء تقلد القردة بسخرية مضحكة. هناء تلتقط الصور. وكاليسطا ومهدي يتابعان المشهد بابتسامات هادئة. انتزعت منه شيماء كيس الفول السوداني بِمَرَحٍ وبعض العدوانية، وأفرغت كل ما فيه دفعة واحدة، فتسارعت القردة إلى التقاطه وهي تُحدث زعيقا صاخبا. ظلت شيماء تصيح بغرابة بصوت حادٍّ وتكاد تستلقي من الضحك: كُلِي الفول السوداني أيتها القردة العَفِنَةُ الحمقاء...أيتها الحيوانات المُبَرْغَثَة...كُلِي أيتها الكائنات الممسوخة الوَسِخَة والمضحكة...
طلب منها مهدي أن تهدأ لأن سلوكها قد يؤدي إلى صدور ردود فعل عنيفة غير متوقَّعة من القردة، لكنها ظلت تصيح باتجاه القردة بانفعال غريب، وتضحك بغرابة هستيرية شديدة. تقدمت هناء باتجاهها، واحتضنتها بحنان. هدأت شيماء. ظلتا متعانقتين لبعض الوقت، تبكيان. ساد الصمت. بدا المشهد غريبا. سبق له أن صادف هذه الحالة أثناء قراءاته الكثيرة في علم النفس التحليلي، لكن لم يسبق له أن رأى هذه الحالة مُشَخَّصَةً أمامه في الواقع. تسمى هذه الحالة نوبة الخلل التنظيمي الانفعالي الحاد نتيجة درجة عالية من الاستثارة على مستوى الجهاز الانفعالي الموجود في الدماغ، وخاصة الجهاز الحَوْفِيِّ. أدرك أن هذا النوع من التفريغ الهستيري الانفعالي الذي صدر عن شيماء مَرَدُّهُ إلى الاستثارة العصبية المفرطة غير المُتَحَكَّمِ فيها. وغالبا ما تترافق هذه الحالة مع اختلال قصير في أنظمة الأداء التعبيري وانفلات الكلمات بعدائية غير مقصودة لكنها استعراضية. وغالبا ما تتوقف هذه الحالة حينما يتدخل فاعل خارجي لتهدئة الشخص الذي يعاني من هذه النوبة العصبية المفرطة، وذلك من خلال توفير طاقة الحضن الآمن، واستعادة التوازن العاطفي والعصبي عبر شخصيةٍ متعاطفة وأمومية.
اقترح مهدي العودة إلى الشالي، لكن هناء أَلْمَحَتْ له بإشارة خفية أن يستمروا في طريقهم باتجاه الكهف. بدت على شيماء حالة من الاستكانة الغريبة. وضعت يدها في يد هناء، وتابعتا المسير بصمت.
لما وصل الجميع إلى مدخل الكهف، قال مهدي: الكهف الذي سندخل إليه طوله مئة وخمسون مترا، وعلوه أربعة أمتار ويصل أحيانا إلى ستة أمتار أو أكثر...سكان الدّْوَّارْ لا يأتون إلى هذا الكهف، والقردة لا تدخل إليه أبدا. في داخله صوتُ أزيزٍ غريب لا أحد يعرف مصدره، لكنه كهف آمن. أتيت إليه مرارا مع بعض ضيوف "فضاء مهدي"...
ثم التفت إلى هناء وقال لها: يمكنك البقاء مع شيماء خارج الكهف وانتظار عودتنا...سنعود بعد نصف ساعة تقريبا...لن نتأخر...
أصرت شيماء وهناء على الدخول إلى الكهف. أرضية الكهف طينية ملساء، وجدرانه صخرية بلون بني غامق، يتسرب من بعض فجواتها ضوء النهار. تنبعث من الكهف رائحةُ غُمُولَةٍ قوية، وتتسرب من بعض جدرانه الصخرية قطرات من الماء. صوتُ أزيزٍ خافت يَتَسَامَعُ في أرجاء الكهف. يبدو أنه آتٍ من أعماق الكهف، لكن كلما تقدموا كان الصوت يبدو متباعدا. رهبة غريبة تسكن المكان. وصلوا إلى عمق الكهف، أخذوا بعض الصور ثم خرجوا. إحساس غريب شعروا به. تَحَوَّلَ ذلك الإحساس إلى صمت ثقيل؛ صمتُ ذهولٍ لا يُعْرَفُ مصدره؛ شيء ما في ذلك الكهف يُحْدِثُ أثرا غامضا في النفوس، لم يكن ذلك الأثر خوفا ولا إعجابا ولا راحة ولا قلقا ولا سكينة، بل كان حقا شيئا غامضا لا يمكن وصفه.
تابعوا طريقهم باتجاه الدوار. المشي لمسافة طويلة فوق الثلج في طريقٍ مُنْحَدِرٍ مُتْعِبٌ، لكنه جميل، يشعرك بمتعة آسرة. مشهد الطبيعة وهي ترتدي بياض الثلج المترامي في كل الاتجاهات يُحْدِثُ في النفس حالةَ افتتان لا مثيل لها. النزول باتجاه الدّْوَّارِ القروي القابع في أسفل الوادي تجربة جميلة ومحاطة باحتمالات الانزلاق. رغم العمر السبعيني لمهدي إلا أنه بدا قويا بما يكفي للنزول إلى الدوار بثقة. علق قائلا: أنا متعود على النزول كل يوم إلى الدوار ثم الصعود، النزول أسهل من الصعود.
يبدو الدوار القروي بمنازله الطينية التي يغطيها الثلج أعجوبة مغرقة في الواقعية والخيال في الوقت نفسه. في بساطته جمالية آسرة وسكينة ترد الروح. توجهوا نحو منزلٍ ترابي يَعْتَلِي هضبة صغيرة محاطة بسياج خشبي متهالك. قال مهدي: هذا هو المنزل الذي ولدت ونشأت فيه...إنه المكان الذي أعشقه أكثر من أي مكان على وجه الأرض...
من الداخل بدا المنزل نظيفا، مُرَتَّبًا ودافئا. أفرشة بدوية، وزرابي تقليدية مزدانة بألوان فاقعة، وجدران ترابية مغطاة بالجير الأبيض، وسقف مدعوم بأعمدة خشبية. وفي فِنَاءِ البيت شجرة زيتون، وامتداد من النباتات التي غطتها الثلوج، وبئر مغطى بقطعة خشب كبيرة مستديرة. ألفة عجيبة تنبعث من المكان. جاء بعض الرجال من الدوار، ألقوا السلام على مهدي، ورحبوا بالضيوف ثم انسحبوا بلطف. في غرفة المطبخ، ثلاث نساء من الدوار، من بينهم المرأة التي ساعدت كاليسطا في تحضير وجبة العشاء وتهيئة المائدة في الشالي ليلة أمس. التحقت بهن كاليسطا وأشرفت على تحضير وجبة الغذاء. هناء وشيماء تلتقطان الصور. سألتهما كاليسطا إن كانتا تريدان ارتداء ملابس أمازيغية لأخذ الصور بعد وجبة الغذاء. تحمستا للفكرة. استعادت شيماء مرحها، وظلت هناء تحتضنها بحنان أمومي بين الفينة والأخرى. نادتهما كاليسطا للالتحاق بها في المطبخ.
قال مهدي: سأريكَ غرف البيت، وسأحكي لك قصتي التي وعدتك بها.
بعد التجول في أرجاء البيت، جلسا في إحدى الغرف. في الزاوية الشرقية من الغرفة صندوقان خشبيان كبيران وقديمان، وملابس معلقة على مِشْجَبٍ نحاسي مُسَمَّرٍ في الحائط، وفي الجهة المقابلة المحاذية للباب توجد صور فوتوغرافية مختلفة الأحجام بالأبيض والأسود. قال مهدي: ذلك الصندوق يضم ملابس أبي، والصندوق الذي بجانبه يضم ملابس أمي. أما الْبَلْغَةُ البنية التي تراها هناك بجانب الباب فهي بَلْغَةُ أبي، وبجانبها بَلْغَةُ أمي. كل شيء في هذه الغرفة يحمل ذكراهما، حتى السجادتان اللتان تراهما هناك أمام الصندوقين تحملان رائحة جَبِينَيْ أمي وأبي، شيئا من روحهما اللتين عَلِقَتَا بالسجادتين أثناء أدائهما الصلاة. والمسبحة والمصحف الموجودان فوق السجادة الخضراء لأبي، أما المسبحة الموجودة فوق السجادة الحمراء فَلِأُمِّي...
صمت مهدي قليلا. طأطأ رأسه للحظة. وبدا شاردا كأنه يستعيد ذكرى أحداث هاربة.
نطر إلى مهدي وحدَّث نفسه كعادته: ذكرى الأموات دائما مؤلمة يا مهدي. أعرف شدة ألمها في القلب والذاكرة. أنا أيضا فقدتُ العديد من أحبتي يا مهدي، ولذلك أحترم أَلَمَكَ، أحترم صمتك وطَأْطَأَةَ رأسك، وأحترم حتى تلك الدموع التي تحبسها في مقلتيك.
تابع مهدي مستطردا: تلك الصور هناك على الجدار صور أبي في زيه العسكري، وصور أمي، وصور أختي وأخي. كلهم ماتوا...كلهم رحلوا...هذا البيت يحتفظ برائحة أنفاسهم حينما كانوا أحياء، ويحتفظ بشيء من أرواحهم بعدما رحلوا...آتِي إلى هذا البيت كل يوم تقريبا...المرأة التي تساعد كاليسطا تقوم بتنظيفه والاعتناء به مقابل أجرٍ شهري أمنحه لها...أُلِحُّ عليها أن تُبْقِيَ كل شيء في مكانه...كما كان في حياتهم...
صمت مهدي قليلا ثم تابع: أنا أنتمي إلى هذا الدّْوَّارْ. نشأتُ هنا ثم انتقلت للدراسة في فاس في المرحلة الإعدادية والثانوية. خلال مرحلتي الجامعية كنت ناشطا بارزا في أوطيم. كنت أصنف نفسي بأنني يساري ثوري على الطريقة الماركسية اللينينية، وكنت أومن أن الدول العربية بما فيها المغرب تحتاج إلى حزب طليعي يشبه الحزب الطليعي الذي أراده لِينِينْ لروسيا. وكنت أومن أن أوطيم تملك الوعي الثوري والتنظيمي الكافي لتكون النواة الثورية لهذا الحزب الطليعي الذي سَتُسْنَدُ إليه مهمة قيادة الثورة. انتقلتُ بعد ذلك إلى ليبيا. حصلتُ على منحة للدراسة في جامعة طرابلس بتدخل من أحد أصدقائي الليبيين. كانت تسمى في تلك الفترة جامعة الفاتح. خضعتُ مع بعض الطلبة المصريين والجزائريين لدورة تكوينية حول الكتاب الأخضر في عهد القذافي. أمضيتُ أربع سنوات في ليبيا ثم هاجرتُ إلى إيطاليا. كان عمري حينها ثلاثين سنة. استقررتُ في شمال إيطاليا، في مدينة تسمى بولسونا في منطقة جبلية قريبة من سويسرا والنمسا تدعى دولوميتس؛ منطقة جميلة جدا وطبيعة ساحرة. تُعْرَفُ هذه المنطقة بمنازلها الخشبية وهندستها المعمارية التي تشتهر بها جبال الألب. اشتغلتُ في بناء المنازل الخشبية. كان أسلوبي في الحياة بُوهِيمِيًّا، وكان تفكيري ماركسيا متطرفا. كنتُ مفرطا في شرب الخمر والنساء والسهر والحقد على العالم والتمرد على كل المعايير الدينية والاجتماعية البورجوازية. أمضيتُ ست سنوات متتالية في إيطاليا دون أي تفكير في العودة إلى الوطن. اتصلتْ بي بنت خالتي من المغرب، وأخبرتني أن أمي مريضة جدا. رجعتُ مسرعا إلى المغرب للاطمئنان عليها. لما رأيتها بدت لي هزيلة جدا، حزينة جدا، مريضة جدا. لم تكن أمي التي أعرفها، كانت هَامَةً منكسرة، وظَهْرًا مقوَّسا، وساقين مرتجفتين، ويدين ترتعشان، وعينين بدون بريق. قالت لي كلاما ما زال يتصادى في رأسي مثل صدى طَرَقَاتٍ مؤلمة: فقدتُك كما فَقَدْتُ أباك...أبوك أخذته مني حرب أكتوبر، وأنت أخذتك مني بلاد النصارى...انظر ما بقي من أمك...لم يبق منها شيء...لم تبق لها حتى القدرة على معانقتك وشم رائحتك والاحتفال بعودتك...مات أخوك دون أن تحضر جنازته، وقبله ماتت أختك...وها أنا أموت...هل ستظل بجانبي لترافقني في الأيام الأخيرة من عمري أم أنك ستمضي كما أتيتَ كأنك ظل لشخص كنت أعتبره ابني؟...
صمتَ مهدي من جديد. وَجْهُهُ السبعيني المغطى بالتجاعيد يُخفي قصصا وحكايات لم تُقَلْ، كأنها مَحْكِيَّاتٌ مختزَنَةٌ في ذاكرةٍ منسية، غير قابلة للبوح، منفلتة من الاستعادة، مثقلة بأَحْمَالِ السنين.
تَأَمَّلَ مهدي مرة أخرى، وحدَّث نفسه قائلا: لماذا تبدو كل مَحْكِيَّاتِ الناس حول الماضي حزينة ومُحْزِنَةً كأنها لعنةٌ أو جراحٌ غائرة لا تتوقف أبدا عن النزيف؟ لماذا يبدو الماضي في مَحْكِيَّاتِ الناس إما لحظة مضيئة تستنير بها الحياة أو أَلَمًا يرافق القلب والذاكرة في مسارهما المضني عبر مسالك الأيام وسنوات العمر ونوسطالجيا الحنين؟ من أين ينبع صوت الكائن وهو يتغنى بماضيه غنائيةً شَجِيَّةً تُدْمِي الروح؟ ما الذي تريد أن تقوله لي وربما لنفسك يا مهدي وأنت تتحدث عن موت أبيك وأمك وأخيك وأختك، وموت مهدي الماركسي، وموت مهدي الثوري البوهيمي، وموت مهدي المتمرد الأبدي على القيم البورجوازية، والقابع في محراب الماضي يَتَعَبَّدُ فيه تَعَبُّدَ استرجاعٍ لِمَا لا يمكن استرجاعه أبدا؟ لماذا لا تكون مَحْكِيَّاتُ الناس حول ماضيهم وآبائهم وأمهاتهم وكل من مات من أحبتهم احتفاليات تَذَكُّرِيَّةً مرحة، مهرجانات امتنان لكل أولئك الأحبة الذين كانوا في يوم من الأيام هناك، جزءا من حياتهم، علامة فارقة في أعمارهم السائرة بهم بدورهم نحو الزوال والفناء؟ إن الناس لا يموتون حقا حين يموتون يا مهدي، بل يموتون حين لا يبقى لهم مكان في كلامك الجميل عنهم، ويموتون حين لا يصيرون ابتسامةً جميلة من ابتساماتك وأنت تستعيد ذكراهم، ويموتون حين تكف عن الدعاء لهم بتلك الأدعية التي كنتَ تدعو لهم بها في حياتهم وهم لا يعلمون وتدعو لهم بها وهم ميتون؛ الموت الحقيقي يا مهدي ليس مواراة الأحبة في التراب، بل عدم الترحم عليهم كل جمعة، وعدم الدعاء لهم في كل صلاة. ما دمت تدعو لأحبتك الذين ماتوا، فهم ما زالوا في القلوب أحياء...
عاد مهدي لمتابعة كلامه: الموت شَكَّلَ جزءا كبيرا من أفكاري ووجداني ونظرتي للحياة...أفكاري الماركسية والتحررية والثورية ماتت بدورها كما مات أبي وأمي وأخي وأختي...جزء من انتمائي لنفسي مات...الشيء الوحيد الذي ما زلتُ مشدودا إليه هو قبور أمي وأخي وأختي وهذا البيت الذي نشأت فيه...أما أبي فقد ذهب إلى الجولان لخوض حرب أكتوبر مع التجريدة المغربية سنة 1973، ولم يعد...قُتِلَ هناك...لم نعرف أين دُفَنَ...بعض الجنود الذي رجعوا من الحرب قالوا لنا إنه مدفون في هضبة الجولان أو ربما في مدينة القنيطرة السورية، وبعضهم قالوا إنه مدفون في جبل الشيخ في الجنوب السوري...أمي لم تصدق أنه مات...كانت تؤمن أنه أقوى من الموت...لم تستطع تَحَمُّلَ فكرة أنه قُتِلَ وَدُفِنَ في أرضٍ غير أرضه...وحربٍ غَيْرِ حَرْبِهْ...ظلت دائما تردد أنه أقسم لها على المصحف أنه سيعود حَيًّا من الحرب...وظلت تقول لنا: إن أباكم لا يمكن أن يُخْلِفَ أبدًا عهدا قطعه على نفسه ويده اليمنى موضوعة فوق كتاب الله...كانت دائما تقول لنا بيقين: أبوكم سيعود...لقد قَبَّلَ رأسي ومسح دموعي وأقسم لي أنه سيعود...أبوكم لا يقسم على شيء لا يستطيع الوفاء به...سيعود...أقسم لكم أنه سيعود...لن تعيشوا أبدا يتامي وأنتم أبناؤه...ولن أعيش أبدا أرملة وأنا زوجته...سجادته ومسبحته هناك...إنهما تنتظرانه... بَلْغَتُهُ البنية ما زالت بجانب الباب حيث كان يضعها...إنها تنتظر ملامسة قدميه كما تنتظرون رؤيته بعيونكم الصغيرة...أقسم أنه سيعود...سيعود إليكم...سيعود إلي...سيعود إلى سجادته الخضراء ومسبحته ومصحفه...وسيقوم الليل كما كان يفعل حينما كان هنا...مَعَنَا...وسَأُقَبِّلُ رأسه ويديه لأنه عاد إليكم...عاد إليّ...وَفَى بوعده...ليمسح دموعي ودموعكم...وسأتوسل إليه ألا يُقَبِّلَ رأسي مرة أخرى تَقْبِيلَةَ الوداع...
توقف مهدي عن الكلام. لم تَبْدُ عليه علامات الحزن أو التأثر، لكن نظرات عينيه كانت تقول ما لا تبوح به الكلمات. صَمَتَ مهدي صمتا ثقيلا؛ بدا فجأة محطَّما كأن ذكرى كلام أمه أخذ منه كل كلام، أَفْرَغَهُ من كلِّ نَبْضِ حياة، أَغْرَقَهُ في حالةٍ تراجيدية من الانهيار واللاجدوى والخراب.
استمر في النظر إلى مهدي، فرأى رجلا سبعينيا قويا لكن ألمه أقوى، أوجاع ماضيه ما زالت حية كأنها أوجاع البارحة. لم يُعَلِّقْ على ما سمعه من مهدي، اكتفى بتذكر عبد الستار صاحب القارب الشراعي التقليدي في مدينة الأقصر المصرية خلال رحلة منظمة إلى مصر. بمجرد أن عرف عبد الستار أنهم سياح من المغرب، هَلَلَ بصوت عالٍ: الله أكبر...الله أكبر...أهلا بالتجريدة المغربية. وأَقْسَمَ أن ينقلهم من الضفة الشرقية لنهر النيل إلى الضفة الغربية باتجاه معبد حتشبسوت ووادي الملوك مجانا. وأثناء تجديفه باتجاه ضفة النيل الغربية حكى لهم قصةَ مشاركةِ أبيه في حرب أكتوبر وتقديره لبطولة جنود التجريدة المغربية.
حدَّث نفسه قائلا: الحرب واحدة، لكن القصة ليست نفس القصة، والزمان ليس نفس الزمان، والمكان ليس نفس المكان. قصة مهدي لا تشبه قصة عبد الستار. أَبُ مهدي قُتِلَ في الجولان، وأَبُ عبد الستار عاد حيا ليحكي مشاركته في حرب أكتوبر وبطولة التجريدة المغربية. لم يكن حديث عبد الستار المصري مجرد حكاية عن حرب خاضتها مصر وسوريا ضد إسرائيل بل كان حديثا عن التاريخ بلغة شعبية لكنها مشبعة بقدر كبير من بقايا القومية الناصرية، أما حديث مهدي عن أبيه فهو حديث الوجدان المشروخ، حديث الموت الذي أخذ منه كل شيء، أَبْقَاهُ وحيدا في عالم خَالٍ من أبيه وأمه وأخته وأخيه ونفسه وماضيه، أَعْزَلَ تماما أمام مكر الزمان ولوعة الذكرى ولسعة الألم.
حدث نفسه قائلا: غريب كيف يظل الإنسان متعلقا بالماضي كأنه يرى فيه نعيمه وجَنَّتَهُ، يستمد منه معنى حياته أو ما يشبه المعنى؛ غريب كيف يحمل الإنسان ماضيه وهو يظن أنه يحمل جزءا لا يتجزأ من نفسه، صفحة من كتاب لم يَعُدْ صالحا للقراءة إلا في شكل تَبَتُّلاَتٍ شجية وابتسامات حزينة وذاكرة مثقلة بالليفت أوفر فايلز. يستغرب كيف أن كل الأحاديث التي يسمعها من الأشخاص الذين يقابلهم ويحدثونه عن ماضيهم تكون دائما أحاديثَ حِدَادِيَّةً تنبعث منها رائحة الموت الحقيقي أو الرمزي، التباكي عما كان أو البقاء في حالة ذهول أمام السنوات والأيام التي مرت دون أن يشعروا حقا أنها كانت سِنِينَهُمْ وأيامهم وحياتهم العابرة؛ تدهشه علاقة الناس بالماضي، تبدو دائما علاقة غريبة، سردية حزينة أو تمجيدية لكن بدون حبكة متماسكة، بدون استرسال منتظم، مجرد شذرات متفرقة مليئة بفجوات غير مصرَّح بها، ومحكيات لا صدى فيها سوى صدى الذات وهي تَنْعِي نفسها، تلاحق أزمنتها البائدة وهي تظن أنها تحكي قصتها، تَتَعَبَّدُ بخشوعٍ في محراب الأزمنة التي لم تعد أزمنتها...
جاءت كاليسطا، وقالت بصوتها الخشن: الغذاء جاهز.
توقف مهدي عن حَكْيِ قصته. كان الغذاء لذيذا فيه شيء من روح الناس والمكان. بعد الغذاء جاءت بعض النساء لمساعدة كاليسطا في إلباس شيماء وهناء أزياء أمازيغية. بدت عليهما سعادة طفولية. اقترح عليه مهدي أن يزورا المقبرة ثم الساقية. تحت غطاء الثلج تبدو الأشياء دائما مختلفة عما هي عليه، ويبدو الناس غامضين، في عيونهم كلمات وإيماءات وصمت وحكايات. بدا مهدي وهو يمشي بين المنازل الطينية في القرية كأنه جزء منها، كأنه الثلج الذي يغطيها، كأنه البرد القارس الذي يحتويها، كأنه السر الإنساني الذي يبعث فيها الروح والحياة. في المقبرة، وقف مهدي بإجلال أمام قبور أمه وأخيه وأخته. أشار بيده إلى قبر أمه، ثم قبر أخيه، ثم قبر أخته، ثم قال: وذلك القبر الرابع هو قبر أبي.
تعجب عند سماع هذا الكلام من مهدي. قال له: ألم تقل لي إن أباك دفن في الجولان؟!!...
أجاب مهدي: نعم...لكنني بنيتُ له قبرا هنا بمحاذاة قبر أمي...أشعر أنه هنا بجانبها، بقايا عظامه مدفونة في الجولان، وروحه تسكن هذا القبر...الروح تسكن حيثما تجد عائلتها الروحية...أبي قَبَّلَ رأس أمي وأَقْسَمَ لها وهو يضع يده اليمنى على كتاب الله أنه سيعود إليها وإلينا...أمي ظلت تصدق قَسَمَ أبي إلى آخر نَفَسٍ في حياتها، وأنا أصدق أن أبي عاد إليها بروحه التي تسكن هذا القبر الذي يحاذي قبرها...أنت لا تعرف أبي...إنه من الجيل القديم...جيل الرجال الذين لا يُقسمون على شيء إلا فعلوه...
بدت شيماء وهناء بلباسهما الأمازيغي غاية في الجمال والروعة والسعادة. السعادة الحقيقية النابعة من القلب تضيء الوجه دائما، تمنحه جمالا لا تصنعه المساحيق؛ يكفي الإنسان أن يكون سعيدا سعادة صادقة نابعة من قلبه الطيب ليكون أجمل خلق الله، أَبْدَعَ شيء في الكون. سعادة شيماء وهناء وهما محاطتان ببعض نساء القرية أضفت على الاحتفالية التي أقامتها كاليسطا لهما هَالَةً خاصة. بدت كاليسطا بدورها في قمة السعادة كأنها أُمٌّ تَزُفُّ بِنْتَيْهَا في ليلة عرسهما. بدا الدفء الإنساني أثناء تلك الاحتفالية أقوى من برد الشتاء القارس، أَبْهَى من كل سرديات الحزن والموت التي حكاها مهدي عن أمه وأبيه والقبر الرابع والروح العائدة.
بعد الاحتفالية استعدوا للعودة إلى فضاء مهدي. كان الثلج قد توقف. بدت الطريق الجبلية المتعرجة الصاعدة باتجاه فضاء مهدي طويلة جدا. اقترح مهدي أن يركبوا البغال. قال: بغال الدّْوَّارِ متعودة على تسلق هذا الطريق الجبلي رغم الثلوج...
مَرَحُ شيماء وهناء وهما تمتطيان بَغْلَيْهِمَا كان شيئا فاتنا، أعجوبةً من أعاجيب المرح الأنثوي العفوي والآسر الذي يختص به ذلك النوع الطفولي النادر من النساء. على طول الطريق كان مرحهما يزداد ومعه تزداد ابتساماته وابتسامات مهدي وكاليسطا. حدَّث نفسه قائلا: حقا، المرح في النساء حياة!...
لما التحق بغرفته، غَيَّرَ ملابسه، واستلقى قليلا في السرير. ضحكات صاخبة تصدر عن شيماء وهناء في الغرفة المجاورة، وتصل إلى مسامعه فيشعر ببعض الانزعاج. أَشْعَلَ شمعة عطرية يفوح منها عطر خشب الأبنوس والياسمين والباتشولي. يحب هذا النوع من التركيبة العطرية، يمنحه هدوءا عجيبا، يُشعِره بنوع من الهدهدة المريحة التي تلامس الروح. غفا قليلا. أيقظته من جديد ضحكات شيماء وهناء وخصامهما الذي لا يتوقف. نزل إلى الطابق الأرضي. شَمَّ رائحة طعام لذيذة. سأل مهدي: هل هذه رائحة طبق العشاء؟
قال مهدي: نعم...هذه مفاجأةُ كاليسطا لكم...ستتذوقون اليوم طبق ريزوتو ألا ميلانيزي...إنه طبق إيطالي لذيذ جدا...كنا نتناوله مرة كل أسبوع أثناء إقامتنا في إيطاليا...
بعد ذلك ذهب مهدي باتجاه المطبخ، ثم التفت قائلا: سأذهب لمساعدة كاليسطا في المطبخ...نتحدث بعد العشاء كما فعلنا البارحة...لن أدعك تنسحب عند الساعة العاشرة كما فعلتَ البارحة...سنسهر قليلا...أريد أن أسمع منك...وصلني خبر سعيد...لقد نجحتْ جرافات الثلج في إزاحة الثلوج عن الطريق الثانوية...بقي مقطع صغير قد يصبح سَالِكًا غدا عند الصباح أو في منتصف النهار على أكبر تقدير...
جلس قرب النافذة الزجاجية التي تَشْغَلُ جزءا كبيرا من مساحة الواجهة الخلفية للشالي الخشبي. اقترب منه ريكس، احتك بساقه الأيسر ثم تَمَدَّدَ بهدوء قريبا منه. فَرَكَ ظَهْرَ ريكس بيده كعادته حين يقترب منه كلب أو قط؛ الكلاب والقطط تحب تلك الملامسة، تَسْتَلِذُّهَا، تعتبرها حنانا ورأفة، تُشعرها بالأمان والطمأنينة. الثلج تَوَقَّفَ لكن تراكماته ما زالت تغطي الأرض والأشجار. صمتٌ ثقيل يَجْثُمُ على فضاء مهدي وعلى أشجار غابة الأرز التي تمتد على مدى البصر. نزلت شيماء وهناء. لا تتوقفان عن الكلام بصخب، فلا يعرف إن كانتا تتحدثان أم تتخاصمان. أخبرهما أن الطريق الثانوية أصبحت سالكة. بدا عليهما الفرح. تعانقتا وهما تتقافزان وتصيحان من السعادة. شعر بانزعاج تخالطه الدهشة، وقال في نفسه: "ما زالتا طفلتين". انشغل بكتابة بعض مذكراته ثم أعاد قراءتها وأشعل سيجارة وهو يتأمل بذهول جمالية أشجار الأرز التي تغطيها الثلوج. لاحظ باستغراب أن الصمت يصبح قويا وعميقا جدا حينما تتساقط الثلوج؛ كل صوت خافت يصبح مسموعا جدا حينما يتساقط الثلج، فيصبح الإدراك المتضخم للصمت جزءا من تجربة العيش في فضاءٍ شتوي مُثْلِج.
شعر ببعض الملل وبعض الانزعاج من الصخب الطفولي الذي تُحْدِثُهُ شيماء وهناء. أراد أن يَشْغَلَ نفسه بأي شيء. أرسل بعض الرسائل القصيرة من هاتفه، ثم تناول قيثارة كانت موضوعة فوق طاولة صغيرة قرب المدفئة. تأملها بفضول، ومرر يديه على سطحها الصقيل. افترض أنها مصنوعة من خشب الأرز، قيثارة كلاسيكية بأوتار من النايلون. لم يعزف على القيثارة منذ أكثر من سنتين. قيثارته الشخصية معلقة بإهمال على الجدار في مدخل شقته. قَلَّ عزفه على القيثارة منذ مدة طويلة. تغيرت هواياته وانشغالاته وحياته كثيرا منذ تلك الفترة.
استمر في ملامسة أوتار القيثارة، وغَمَرَتْهُ ذكريات بعيدة، أَعادَتْهُ إلى فترة من فترات حياته في حي يعقوب المنصور بالرباط. كان حينها لا يستطيع أن يُمْضِيَ يومه بدون العزفِ على القيثارة. استلذ حلاوة تلك الذكريات. احتضن القيثارة، وبدأ في عزف موسيقى أغنية The boxer التي كان يحب أن يغنيها في تلك الفترة من حياته؛ أغنية تثير فيه موجة صاعقة من الحنين، وذكرى وجهٍ حجبته الأيام، لكن حكايته باقية هناك، في مجاهل الذاكرة، في ثنايا الفؤاد، في تلك الفترة الجنونية من الزمن الذي لا يعود. صاحت شيماء صيحةً طفولية صاخبة، واقتربت منه قائلة: أعشق هذه الأغنية...سنغنيها أنا وهناء...أنت تعزف ونحن نغني...
حماسهما عجيب. حتى هناء التي كانت تبدو هادئة أصبحت متحمسة منذ احتفالية اللباس الأمازيغي التي أقامتها كاريسطا لهما. فيهما نوع من الدلال الطفولي الذي يغفر لهما صخبهما المزعج. حاول إقناعهما بأن أغنية "ذبوكسر" استعمل فيها سيمون وغارفانكل قيثارة الفولك ذات الأوتار المعدنية التي تختلف عن الأوتار النايلونية في هذه القيثارة الكلاسيكية، ولذلك لن يكون إيقاع وأكوستيك الفولك واضحين خاصة مع استعمال الفينغر بيكين بدل الريشة.
لكنهما لم تُصْغِيَا إليه، وَأَلحَّتَا عليه ليعزف. بَدَتَا حقا مثل طفلتين مشاكستين. موجة الحنين التي غمرت قلبه وذاكرته عند تذكر أيام يعقوب المنصور وملامح المرأة التي أَرْعَشَتِ القلب في تلك الفترة من حياته أَفْقَدَتْهُ الرغبة في الانصياع لطلبهما، حَرَّكَتْ في قلبه أوجاع الذكرى. جاء مهدي. أسرعت إليه شيماء: مهدي...نريد أن نغني أنا وهناء...لكنه يرفض العزف...
محاولتها الطفولية الغاضبة للاستعانة بمهدي جعلته ينفجر من الضحك إلى أن دمعت عيناه. قال مهدي: هذه قيثارة طه...ابني...لقد بقي في إيطاليا لكنه يأتي كل صيف...هذه القيثارة جزء منه...يمكنك أن تعزف عليها لإرضاء هاتين الطفلتين...طبعا إن رغبتَ في ذلك...
عزف على القيثارة تلك الليلة وفي مخيلته صورة امرأة بوجهٍ خفيفِ السمرة وشعرٍ أسود قصير مثل شعر هناء. عجيب كيف تعود بعض الوجوه إلى الذاكرة، تَنِطُّ فجأة من الماضي البعيد، وتستوطن الفؤاد مرة أخرى كأنها ما زالت تسكنه وتقيم فيه، كأنها ماثلة أبدا هناك. غنت شيماء وهناء تلك الليلة بِرِقَّةٍ وبهاء. رافقهما بالعزف على القيثارة. عَزْفُ موسيقى أغنية ذْبُوكْسْرْ بأوتارٍ نايلونية يجعل إيقاعها أكثر هدوءا، شجيا ومختلفا قليلا عن رنين الإيقاع الميطاليك الذي تُحْدِثُهُ الأوتار المعدنية. صوت شيماء ينتمي للطبقة الصوتية الكونترالطو أما هناء فطبقة صوتها سوبرانو. بدا له دفء وعمق صوت شيماء وعاطفيته العميقة منسجمة تماما مع طبقة صوتها الكونترالطو لكنها غير منسجمة مع صوتها حينما تسخر من الآخرين أثناء التفاعل معهم. أداؤها الصوتي يشبه الكونترالطو السْمُوكِي الذي يكشف حساسية رومانسية حميمية وحنينية، أما هناء فصوتها السوبرانو يعلو على صوت الموسيقى قليلا، ينتمي لِبْرَايْتْ سوبرانو، ويتعارض مع صوتها الهادىء أثناء تواصلاتها العادية. انتقال شيماء وهناء أثناء الغناء من البريدج إلى الهومينغ ثم إلى الكورَس وتكرارهما للمقطع الصوتي "لا لايْ لا لايْ"، بدا له أعجوبة؛ صوتان أحدهما عميق، دافئ، ومثقل بالحنين؛ والآخر صافٍ، نقي، شفاف وسماوي، خليط متجانس من الأداء الشجي الذي لا يقلد الأغنية كما هي بل يبني إيقاعها من جديد بحساسية أنثوية عاطفية فيها أُنْسٌ عجيب.
بعد الانتهاء من العزف والغناء صفَّق مهدي وكاليسطا، وتعانقت شيماء وهناء. ظلتا متعانقتين بصمت. أعاد القيثارة لمكانها. ذهب إلى مقعده المفضل قرب الفيراندا، أشعل سيجارة، وحَدَّث نفسه قائلا: بعض الأغاني تواريخ، إيقاعاتُ القلب والروح، مسالك استرجاعية للوجوه التي رَسَمَتْ ملامحها إلى الأبد في دفاتر الذاكرة. نُتَفُ الثلج تتهاوى، ونبضات القلب تتسارع تحت تأثيرِ ذكرَى وجهٍ لم يغادر الروح، حاضِر رغم الغياب، قريب متقارب رغم التنائي واستحالة اللقاء. ما زالت ذكرياتُ صوتكِ تدغدغ القلب وأنت تغنين أغنية ذْبُوكْسْرْ بصوتك الناعم، ما زال صدى صوتكِ وحضوركِ يُحْدِثُ فوضى المشاعر في الفؤاد، يُسْكِتُ كل الأغنيات، يملأ كل فجوات التنكر والنسيان...القلب يتذكركِ هذا المساء، والروح تَحِنُّ إليكِ حَنِينَ افتقاد...
كان العشاء فخما. بدت كاليسطا فخورة بنفسها وهي تقدم طبق ريزوتو ألا ميلانيزي، ثم طبق صَدْرِ الدجاج البلدي بصلصة البرقوق، ثم قدمت بعده حلوى البَانَا كُوطَا المُنَسَّمَة بماء الزهر، ومشروبات المُوكْطَايْلْ بنكهة الحامض. ومع كل مشروب أو حلوى أو طبق، تسترسل في وصف المكونات وطريقة التحضير. بدت السعادة على الوجوه، وحتى المرأة القروية التي تساعد كاليسطا بدا عليها الشعور بالانتماء. انضمت إلى الطاولة وانفرجت أسارير وجهها بابتساماتٍ عفوية وهي تستمع لِنُكَتِ شيماء وصخبها الطفولي أثناء تناول العشاء.
بعد العشاء اِلْتَأَمَ الجميع حول المدفئة، انشغلت شيماء وكاليسطا وهناء باستعراض الصور التي الْتَقَطْنَهَا بهواتِفِهِنَّ أثناء احتفالية الأزياء الأمازيغية. قالت كاليسطا: أنتما تبدوان عروستين باللباس الأمازيغي...
صدرت عن شيماء قهقهة صاخبة، وعَلَّقت بحركاتٍ مسرحية وضحكات ساخرة: نعم يا كاليسطا...نحن عروستان بدون عريس...عروستان بائرتان...إحداهما مشرفة على الأربعين من العمر والأخرى في الرابعة والثلاثين من العمر...امرأتان بدون قيمة سُوقِيَّةٌ...اقتراحاتُ الزواج تأتي من رجال مسنين أو فقراء أو معطوبين أو متلاعبين...وتحرشات من رجال لا يرون فينا امرأتين صالحتين للزواج...بل يتعاملون معنا كمجرد نزوة عابرة...مجرد أجساد للاستهلاك بمقابل أو بدون مقابل...نساء رخيصات...
ارتمت عليها هناء، تحاول إغلاق فمها بيديها، لكن شيماء ظلت تضحك ضحكتها الساخرة الهستيرية وتردد بصوت متشنج وحاد: "نعم نحن عروستان بائرتان...بدون قيمة سوقية...مجرد أجساد رخيصة للاستهلاك"، وكاليسطا تحاول إِسْكاتَها، ومهدي يكتفي بتأمل الموقف بنظرات مندهشة، والمرأة القروية ذاهلة لا تدري ما يحصل ولا كيف تتعامل مع الموقف.
استمرت شيماء في هذيانها الساخر. تَملَكَّتَهْاَ تلك النوبة العصبية الهستيرية التي أصابتها أثناء الطريق لزيارة الكهف. ساد الحرج والذهول. صعدت هناء غاضبة إلى غرفتها، وظلت كاليسطا تحاول تهدئة شيماء بدون جدوى. نزلت هناء من جديد، احتضنت شيماء كأم تحتضن صغيرتها. عَمَّ الصمت، لكنه صمت ثقيل، ثقيل جدا، وحَرَجٌ شديد، وشفقة على شيماء وهناء...وربما شفقة على الموقف نفسه...شفقة على ضآلة الإنسان...
انسحبت شيماء وهناء إلى غرفتهما. ذهبت كالسيطا ومُسَاعِدَتُها إلى المطبخ، وبقي مع مهدي صامتين كأنهما تحت تخديرٍ مؤلمٍ وثقيل. بعد مرور بعض الوقت قال مهدي: شيماء وهناء متعودتان على المجيء إلى هنا مرة أو مرتين كل شهر أو شهرين...تعرفنا عليهما منذ ثلاث سنوات...أنا وكاليسطا لا نعرف عنهما الكثير...لكنهما تأتيان دائما مَعًا...لا تفترقان...سبق أن رأينا شيماء في مثل هذه الحالة من قبل، لكنها لم تكن بنفس الحِدَّة...ولم تكن أبدا حول هذا الشيء الذي سَمَّتْهُ القيمة السوقية والأجساد الرخيصة...
صمت مهدي قليلا ثم قال: ما رأيك؟!...
لم يكن يريد التصريح برأيه في ما حصل. بدا له ما قالته وفعلته شيماء مجرد حالةِ وعيٍ عنيفٍ مُشَوَّهٍ وعبثي نابع من إحساس قاسٍ بالذنب والعار والرخص وانعدام القيمة. ما قالته شيماء هو صوت الأنا الأعلى العقابي وقد صاغ محتواه المكبوت في حالةٍ تراجيدية من الأفيكتيف فلودينغ. تساءل في صمته: ماذا لو كانت تلك الحالة التي بدت مجرد مشهد من يوميات الكائن بدايةَ مرحلةَ النيغريدو في حياة شيماء؟!!!...
ظل صامتا يتأمل نُتَفَ الثلج وهي تتهاوى خلف الزجاج. شَغَّلَ مهدي مقطوعة أداجيو لريمو جيازوتّو. وعلق قائلا: هذه أفضل مقطوعة إيطالية مناسبة لهذه الأجواء المحرجة التي افْتَعَلَتْها شيماء.
حدَّث نفسه قائلا: لا أصدق أنك كنت مجرد مهاجر في إيطاليا يا مهدي...أفكارك وتحليلاتك وحتى لغتك واختياراتك الموسيقية تدل على أنك شخص بمرجعية ثقافية قوية...ربما قد لا أتفق معك في كل ما تقول...لكنني أحترم أفكارك...أحترم ما تتضمنه من مغزى إنساني...ما تدل عليه فيك...بصرف النظر عَمَّنْ تَكُونُهُ أنت...
في أجواء الصمت المسائي ومَرْأَى الثلج وهو يتساقط خلف الواجهة الزجاجية للشالي، بدت إيقاعات أداجيو الهادئة وهي تتدفق ببطء كأنها الصوت البديل لكل أصوات العالم، كأنها رقصة الزمن وهو يأخذ نفسه بعيدا كَوَهْمٍ زائل؛ بدت إيقاعات أداجيو الحالمة كأنها الكثافة الإيقاعية التراجيدية التي تحكي قصةَ حالاتٍ إنسانية مضحكة مبكية اختزلتها شيماء في اعترافٍ درامي لا يضيف إلى عالمها وحياتها شيئا، لا ينقذها مما هي فيه، لا يجعل مسرحيتها جديرة بالتصفيق والهتاف.
حدث نفسه قائلا: الحياة لا تمضي فقط يا شيماء، إنها تتراكم في الأعماق، تحتفظ بصداها في مُسْوَدَّةِ التاريخ الذي يُوَثِّقُ كل شيء، التاريخ الذي لا يَنْسى، تاريخِ الاختيارات الخاطئة التي يؤدي الناسُ ثمَنَها غاليا حين يفتحون أعينهم ليبصروا ما لم تَرَهُ أعينهم التي كانت مغمضة طول أعمارهم وهم يظنون أنهم مبصرون...ميتون وهم يظنون أنفسهم أحياء...
في تلك الليلة، لم يكن في فضاء مهدي سوى موسيقى أداجيو والأثر الذي خلفته النوبة الانفعالية الهستيرية التي صدرت عن شيماء. لم تَبْدُ مقطوعة أداجيو مجرد موسيقى تملأ فضاء مهدي، بل كانت صدىَ صوتِ شيماء وهي تتحول إلى سرديةٍ تكشف المسافة التي تفصلها عن نفسها وعن العالم، مسافةَ الاعتراف المخزي بما لا يقال.
قال له مهدي: لقد حكيتُ لك قصتي...وحَكَتْ شيماء لنا قصتها على طريقتها...لكنك لم تَحْكِ لي قصتك...
بدا له هذا الكلام الذي قاله مهدي كأنه محاولة منه لتبديد أجواء الحرج الذي تسببت فيه شيماء. لا يشعر أبدا برغبة حقيقية في سرد قصة حياته. إنه يحكي دائما قصص الآخرين، ويسميها قصص المسارات.
استحثه مهدي للاستجابة لطلبه: سيسعدني الاستماع لقصتك...
قال له: أنا لا أحكي قصتي أبدا يا مهدي...لا أحكيها حتى لنفسي...لا أعرف كيف أحكيها...إنها قصة متشعبة وغريبة بشكل يجعل من الصعب سَلْكُهَا في سردية منظَّمة...أنا أحكي قصص المسارات...
علق مهدي: ما الذي تعنيه بقصص المسارات؟!...
– ما أقصده بقصص المسارات هو التجارب...تجارب من ألتقي بهم...تجارب الأمكنة التي أذهب إليها والحالات الإنسانية التي أصادفها...إنني أحكي ما يبدو لي مدهشا...أحكي انعكاس هذه الأشياء المدهشة في نفسي...أحكي دهشتي...أَقُصَّ تلك الأشياء التي تبدو للناس عادية، لكنها تبدو لي محملة بشيء من تلك الحالات الإنسانية التي تكون غالبا مُعَبِّرَةً عن واقع مُتَحَيِّزٍ ضد الحياة نفسها أو ضد الذات والزمن والإنسان...إنه أمر معقد جدا، ولا أريد أن أتحدث عنه بتفصيل...
قال مهدي: لماذا تسمي التجارب مسارات؟!...
حدث نفسه قائلا: (لا أحب الكثير من الأسئلة يا مهدي، لكن سأجيبك لأنك شخص مميز): لَدَيَّ معجمي الخاص بصدد العديد من الكلمات: ما يسميه الناس تجارب أسميه مسارات...وما يسمونه حقيقة أسميه انكشافا...وما يسمونه وَعْيًا أسميه ظَنًّا إدراكيًّا...وما يسمونه إدراكا أسميه استبصارا...وما يسمونه حياة أسميه طريقا...وما يسمونه لغة أسميه ترميزا...وما يسمونه حرية أسميه انفلاتا...وما يسمونه مجتمعا أسميه تَكَتُّلاً دَهْمَائِيًّا...
شعر فجأة بأن الأجواء التي نشأت داخل الشالي بسبب النوبة الانفعالية الغريبة لشيماء تُطْبِقُ على المكان، تجعل الحديث مع مهدي ثقيلا. ارتدى معطفه وقفازتيه وقباعته وخرج ليتمشى قليلا تحت الثلج. ظلام الليل الأسود وبياض الثلج الذي يغطي المكان يتداخلان بتنافر كأنه اللعبة الأبدية التي تكررها الحياة والطبيعة والإنسان: الجزء الليلي المظلم من الحياة، والجزء الأبيض الذي يوحي بأن البياض ليس سوى الفصل العابر والمزيف في دورة الزمن.
خرجت هناء وشيماء بدورهما ومعهما كاليسطا، وتبعهن ريكس. تَمَشَّيْنَ قليلا تحت الثلج. نظر إليهن كمن ينظر إلى جماعة من الأشباح. تحت ظلام الليل الذي تخترقه أضواء المصابيح من خلال الواجهات الزجاجية للشالي، بدت له شيماء هادئة تبتسم. لم تَبْدُ ابتساماتها مفتعلة، ولم يَبْدُ عليها أنها واعية تماما بتلك التحولات الانفعالية والاندفاعية التي تنقلها من حالة الاستثارة الانفعالية القصوى إلى حالة الخمود الانفعالي والتحكم الوجداني المتزامن؛ حالتها النفسية تقبع دائما في حالةٍ مستمرة من التقافز الانفعالي الارتدادي من وضعية الضبط الانفعالي إلى وضعية الانفجار الانفعالي التهكمي الموجَّه بشكل غير واع نحو تفريغ التوترات الداخلية المصاغة في سخرية تَلَذُّذِيَّةٍ من الآخرين أو تنقيصٍ عقابي من القيمة الذاتية. تبدو الطاقة الداخلية لشيماء حبيسةَ بحثٍ درامي عن طريقةٍ لتفريغ التوترات الداخلية الناشئة عن الإحساس بعدم الرضا عن الذات. أما هناء فتبدو الطاقةَ الأدائيةَ والدوائية التي تَمُدُّ شيماء بالسند العاطفي المُزَوَّدِ بالخبرة الأمومية الانفعالية التعويضية.
الساعة العاشرة والنصف ليلا. التحق بغرفته. أشعل شمعة عطرية برائحة اللافندر. أخرج مذكرته وشرع في الكتابة: الحياة أداءٌ مَشْهَدِيٌّ درامي، وتصرفاتُ الناس أدوارٌ استعراضية حتى حين لا تبدو كذلك...كل السلوكات الإنسانية سينوغرافيات من طبيعة فُرْجَوِيَّةٍ كوميدية أو تراجيدية بحسب ما تدل عليه أو تَسْتَدِلُّ به...بصرف النظر عن طبيعتهما الإنسانية، شيماء وهناء سينوغرافيا...مشهد فُرْجَوِيٌّ...أداءٌ مسرحي درامي بدون جمهورٍ متوافِق...مَسْرَحَةٌ ساخرة للذات théâtralisation satirique du moi لكي تجد متنفسا يحقق لها الدرجة القصوى من الكاتارسيس والتطهير...بالضحك أو البكاء...بالسخرية من الذات أو التهكم من الآخرين...بالتفاعل أو الانفعال...بالمشاحنة أو العناق...لكن في خضم هذا الأداء الفرجوي توجد سيكولوجيا تعويضية ومحاكمة للذات وملاحقة المعنى الخفي الكامن في الموقف، في السلوك، في القيمة، في مغزى الحياة...المغزى الخفي الذي أَلْمَحَتْ إليه شيماء بدون أن تَعِيَهُ أو تقوله صراحة هو القيمة... والرُّخْصُ هو تسليم الجسد بمقابل أو بدون مقابل...والطريقة الفرجوية للتعبير عن غياب هذه القيمة هي السخرية الانتقامية من الذات...لكن بصرف النظر عن طبيعة هذا المغزى الخفي الكامن في المَسْرَحَةِ الدرامية للأزمة الذاتية، استطاعت شيماء أن تنتبه إلى شيء لم ينتبه إليه عُتَاةُ المفكرين العرب...وهو القيمة السوقية...لا تبدو شيماء مزودة بخلفية ثقافية وحصيلة فكرية تحليلية كبيرة، لكن حديثها عن القيمة السوقية يوحي بأن لديها وعيا استبصاريا عفويا وأَوَّلِيًّا بشيء أكبر من حدود وعيها وهو الحقيقة التسليعية للذات، التفسير المُرَسْمَلُ للواقع حتى حينما يتعلق الأمر بواقعةٍ فردية، بحياة شخصية بدون أفق أو معنى، بدون دلالة إنسانية تمثيلية شمولية؛ حالة شيماء شيء عادي ومقرف من وقائع الحياة...إنها واجهة من واجهاتِ يومياتِ الكائن وهو يتدفق بإرادته ورغما عنه في سيولة وسيرورة التجربة الوجودية العمياء...لكن ما يدهشني هو تفسير شيماء لوضعها الخاص بنموذج تحليلي كَوْنِيٍّ...تفسيرها لمفهوم الرُّخْصِ بمفهوم رأسمالي صادم ومتوحش هو "القيمة السوقية"...هذا النوع من التحليل هو الغائب الأكبر في الكثير من التحليلات التي قدمها من يسمون أنفسهم أو يسميهم الناس "المفكرين الحداثيين العرب"...تبدو تحليلاتهم من طبيعة ثقافية خالصة حتى حين تسمي نفسها تحليلا تاريخانيا أو حداثيا أو طليعيا أو إبستيمولوجيا...الإيغريغور الفكري الحداثي العربي هو الشكل الأدائي الذهني الاسترضائي للإيديولوجيا الرأسمالية اللاواعية...ولتصنيفاتِها المُرَسْمَلَةِ: المركز/الهامش، التطور/التخلف، الاستبداد/الديمقراطية، الغرب/الشرق، الحداثة/التراث...ما يراه هؤلاء المفكرون العرب في الغرب هو ما رآه مفكرو النهضة العربية في أوربا حين كانت أوربا في وعيهم هي الغرب خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر...رأوا فيها التقدم، ولم يفهموا آلية التقدم الغربي...لم يفهموا أنها آلية الرأسمالية المتوحشة المزودة بإيديولوجيا إمبريالية وشراهةٍ استعمارية وتَحَكُّمٍ مؤسساتي يسمونه النظام الدولي والقيم الكونية...مفكرو النهضة فسروا تخلف الشرق تفسيرا دينيا (الأفغاني ومحمد عبده) أو نسويا (قاسم أمين) أو استبداديا ( عبد الرحمن الكواكبي)...ثم سار على نهجهم من جاء بعدهم من المفكرين...فكانوا إما مفكرين أفغانيين على طريقة جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، أو مفكرين كواكبيين على طريقة عبد الرحمن الكواكبي أو مفكرين نسويين على طريقة قاسم أمين...وما زال السؤال النهضوي الساذج الذي طرحه مفكرو النهضة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر يتصادى بصيغ تحليلية تبدو حداثية وتاريخانية وإبستيمولوجية طليعية لكنها تحليلات مثقلة بإرث إشكالي ساذج غير متوافق مع حقيقة الصراع الحضاري...إنها تحليلات من طبيعة ثقافية منشغلة بقضايا نقد التراث والدين والهوية، والتبشير بالحداثة، وتحويل جميع هذه القضايا إلى موضوعات تحليلية إيديولوجية أو مُؤَدْلَجَةٍ. لم ينتبه هؤلاء المفكرون أن حقيقة الغرب أنه حضارة رَسْمَلَتْ نفسها لتصير ما هي عليه الآن، واتخذت من مفاهيم الديمقراطية والحرية والعقلانية والحداثة أدوات وظيفية مُرَسْمَلَةً وإمبريالية...وحداتٍ اصطلاحية وتنظيمية وإيديولوجية من طبيعة أداتية وأدائية تصنيفية قابلة للتصدير بوصفها التبرير الإنساني والحضاري للهيمنة الغربية...للسطو على مصير العالم ورسم نهاية التاريخ بوصفها انتصار الغرب الحاسم والحتمي بالطريقة الهيغيلية والفوكويامية...تحليلات المفكرين أنفسهم سلعة رأسمالية موجهة للاستهلاك القرائي الذي يدعي النباهة والعقلانية والحداثة والحس النقدي والعمق...يعزز أنظمة الإيديولوجيا الرأسمالية في الأذهان والعقول...يحول القيم نفسها إلى سلعة...يحول كل شيء إلى سلعة تقاس بقيمتها السوقية...في النظام الرأسمالي كل شيء سلعة، الرجل قيمة سوقية تقاس بما يملكه من النفوذ والوجاهة والمال...والرجل كذلك يبدو بدون أي قيمة سوقية إذا كان فقيرا بدون استقرار مادي واجتماعي...والمرأة قيمة سوقية تقاس بشبابها وجمالها وأنوثتها ووضعها الاجتماعي وانتمائها الأسري...وتفقد هذه القيمة كلما تقدم بها العمر أو جافاها الحسن والجمال...وأخبار النار والدماء والقتل والتقتيل قيمة إعلامية من طبيعة سوقية رأسمالية...والتراندات السخيفة التي ينضوي تحت لوائها صغار العقول ودهماء البشر قيمة سوقية رأسمالية...رِيعٌ رِبْحِيٌّ للمتلاعبين بالسلوكات والعقول...وكرة القدم قيمة سوقية رأسمالية تمنح المشجعين إحساسا بالقيمة المتوهَّمَة الناشئة عن انتصارٍ كُرَوِيٍّ بدون عائد مادي يغير واقعهم الآسِن...النظام الكروي المُرَسْمَلُ يُوهِمُ الجماهير البروليتارية بأن انتصاراتهم على الفقر وقلة الشأن والقيمة انتصارات كروية...وَهْمُ الانتصارات التي حقيقتها انتصارات الآخرين المستفيدين من الرِّيعِ الكروي...والموضة قيمة سوقية تفتح الباب أمام النظام الرأسمالي لِيُلْبِسَ الناس بطريقته المتوافقة مع إيديولوجيا العُرْيِ والخَلاَعة...حتى الخطاب الدَّعَوِي الديني أصبح بدروه مُرَسْمَلًا في عالم تَوَلَّى فيه الدعاة الجدد الخوضَ في الشأن الديني على طريقة النيو بريتشرز للتَّرَبُّحِ من الدين. أما المفكر الاقتصادي المصري سمير أمين مثلا فهو بدوره قيمة سوقية رأسمالية لكنه قيمة سوقية مضادة ومستبعدة لأنه يفضح النظام الرأسمالي، يرى فيه حقيقته النيوليبرالية المتوحشة، يقرأ في ضوئه الواقع العربي قراءة واقعية...يرى فيه ما لم يَرَهُ المفكرون العرب الحداثيون المنشغلون بطواحين الهواء على الطريقة الدونكيشوتية، طواحين التراث والعقل العربي والهوية والحداثة والتحليل التاريخاني والإبستيمولوجي وذلك المصطلح الغريب الذي سماه أحدهم بدون خجل "الأورثدوكسية الإسلامية"...
توقف عن الكتابة، أَجَّلَ إعادة قراءة ما كتب إلى الصباح. أخذ كتاب "مقالات" لميشيل مونتيني الموضوع على طاولة السرير. فتحه على صفحة عشوائية، قرأ أول جملة وقعت عليها عيناه: "الوقت والعلم والخبرة أمور تنمو مع الحياة؛ لكن الحيوية والسرعة والحزم وغيرها من الأمور الأكثر أهمية وجوهرية، تتلاشى وتذبل".
أطفأ نور المصباح. شُعْلَةُ الشمعة العطرية تلقي نورا انعكاسيا خافتا في الغرفة، ويتصاعد منها دخانٌ لَوْلَبِيٌّ خفيف مصحوب بعطر اللافندر. وقف خلف الواجهة الزجاجية يتأمل القرية الصغيرة التي يلفها ظلام الوادي، تنبعث من منازلها الطينية البعيدة بعض الأضواء الشاحبة وطمأنينة دافئة في عِزِّ برد فصل الشتاء. تَسَاءَلَ في دواخله: هل الحياة تعني حقا نفس الشيء لكل الناس؟ هل الناس الذي يعيشون في المنازل الطينية يختبرون الحياة كما يختبرها الناس الذين يسكنون كهوف مدينة البهاليل أو قصبة آيت بن حدو أو قصبات تاوريرت أو تيفولتوت أو أمريديل أو تامنوغالت؟ قد لا تعني الحياة نفس الشيء لكل هؤلاء الناس، لكن هناك شيء اكتشفه في نظرات هذا النوع من الناس الذين رآهم في هذه الأمكنة: عفوية وبساطة وبراءة. يعشق النظر في عيون هؤلاء الناس الذين ما زالوا مشدودين إلى المستوى الطبيعي من الجوهر الإنساني الذي لم تفسده برتوكلات الأقنعة الاجتماعية. في العيون تسكن الكلمات، تتحدث المرايا الصامتة، تتعرى حقيقة الكائن، وتنكشف المضمرات الخفية.
استلقى في سريره. ما زال مرح شيماء وهناء يُحدث الفوضى في هَدْأَةِ الليل. شعر باسترخاءٍ لذيذ وسكينة عميقة.
ضحكات شيماء وهناء وكاليسطا في الخارج تصل إلى مسامعه كأنها صدى مَرَحٍ نسائي بعيد. انشغل بالتفكير في الجملة التي وقعت عليها عيناه في كتاب مونتيني. الانشغال بالتفكير في جملة عشوائية من كتابه الشهري هي طريقته لتحقيق حالة الاستغراق الذهني المحفِّز لنشاط الدماغ أثناء النوم.
نوم هنيء وصباح جديد واستيقاظ نَشِطٌ. يبدو الصباح دائما فرصة جديدة للبدء، للانطلاق، لإعادة ترتيب الأشياء في الذهن، لمراودة احتمالات الحياة المغرية بالعيش والاكتشاف. الاستيقاظ على مرأى امتدادٍ ثلجي شاسع من البياض يشبه الاستيقاظ على ما يبدو غير متوقع؛ جبال الأطلس المتوسط بطبيعتها ومنازلها وطرقاتها وغاباتها وأجوائها وثلوجها وشلالاتها ودواويرها تبدو جغرافيا استثنائية، الوجه الجغرافي والتضاريسي الذي لا تجده في باقي جهات المغرب ومناطقه. لكنه قد يتحول إلى جغرافيا مملة ورتيبة إذا لم تكتشف خباياها في الطرق الثانوية والهامشية؛ هناك يقبع السحر الحقيقي لجبال الأطلس، الهامش غير المرئي من الطبيعة الأطلسية، الجمال الهادئ لامتدادٍ جبلي غابوي كثيف وغامض.
سأل مهدي: هل الطريق أصبح سالكا هذا الصباح؟
قال مهدي: نعم...هل تفكر في الرحيل اليوم؟
نعم...
تناول فطوره بصمت. أعاد قراءة ما كتبه في مذكرته بالأمس. أدخل بعض التعديلات. أرسل بعض الرسائل النصية القصيرة. خرج من الشالي، تبعه ريكس وهو يحرك ذيله بسعادة. أزاح الثلج عن سيارته، شَغَّلَ المحرك وتركه يسخن استعدادا للمغادرة. أطل على القرية الصغيرة القابعة في أسفل الوادي؛ بدت له عالما أليفا وغريبا في الوقت نفسه. جمالية فارهة تنبعث من هذا الامتداد الطبيعي المنظور. يستمتع بملاحقة هَمْسِ الحياة في كل شيء يراه. يؤمن أن الحياة لا تتوقف عن التعري لكل من يريد أن يبصر ويرى. إنها تتكلم بطريقتها، بما يمكن أن يكون لغة هَامِسَةً أو صَخَبًا أو مجرد نُتَفٍ ثلجية وهي تتهاوى كأنها ترقص رقصتها الأخيرة قبل أن تَتَوَسَّدَ الأرض وتغطي المدى. رمى الفول السوداني للقردة؛ استمتع بمشاهدتها وهي تتسارع لتلتقطه من فوق الثلج ثم تهرب لتأكله ثم تعود لتلتقط المزيد. أضحكته طريقتها في استراق الفول السوداني وتقشيره بأسنانها الصغيرة وهي تنظر إليه من بعيد. حينما تُطْعِمُ القطط أو الحمام أو القردة أنت لا تقدم لها أكلا، أنت تبني معها علاقة، تُنشئ معها طريقة من التفاعل والتقارب والكلام، تسمح لها أن تكون جزءا من عالمك لبعض اللحظات، تستضيفها في حَيِّزِ حياتك وتشعر بأنك منحتها شيئا منك، بعضا من حضورك، لحظات ثمينة من عمرك، ثم تختزن صورها في ذاكرة هاتفك أو ذاكرتك، ثم لاحقا تنسيك فيها الحياة، وقد تتساءل بعد سنوات قليلة: هل حقا أطعمتُ القردة في فضاء مهدي؟ هل حقا مات الزعيم؟ هل حقا تحدثتُ مع امرأتين تسميان شيماء وهناء؟ هل حقا تواصلت مع مهدي حول الإنسان والحياة والعبث الوجودي؟ هل حقا كنتُ هناك أم أن انشغالات الحياة والنسيان تكشف فينا دوما ذلك الْهَوَسَ الأبدي بالتقدم نحو الأمام لاكتشاف المزيد، لارتياد ما نبحث عنه حقا: أنفسنا؟
قال له مهدي: لم نتحدث كثيرا البارحة...أتحدث كثيرا مع كاليسطا حين يكون فضاء مهدي خاليا من الزوار...لكن أحب أن أتحدث مع الأشخاص الذين يأتون إلى هذا المكان...بعضهم لا يحب التحدث، وآخرون يتواصلون بسهولة، وآخرون لا يعرفون ما يقولون...البارحة قلتَ إن ما يسميه الناس حرية أنت تسميه انفلاتا...ماذا تقصد بالانفلات...هذه الكلمة تحمل معنى أخلاقيا أو سياسيا...هل تستعملها بهذين المعنيين؟!...
حدث نفسه قائلا: مهدي يحب طرح الأسئلة، ويجيب أحيانا عن أسئلة يتوقعها مني...أسئلة لا أطرحها عليه لكنه يحدسها...أسئلة مهدي تقدم لي أجوبة عنه...أحيانا يبدو نوع الأسئلة التي يطرحها الشخص مؤشرات أجوبة عن طريقة تفكيره...يَحْدُثُ هذا كثيرا في مقدمات الكتب والمقالات التحليلية ، وتجدها بدرجة أقل في التواصلات الإنسانية العادية...
تناول كأس الشاي الذي قدمه له مهدي وقال: شكرا يا رجل...أنت لا تنسى شيئا...أنا لا أصدق أنك كنت مجرد مهاجر في إيطاليا...لكن ما أقصده بالانفلات هو التحيز ضد الطبيعة القطيعية للإنسان...هو اقتلاع الذات مما لا إمكانية لها بالوجود دونه...أنا لا أومن بشيء اسمه الحرية...على الأقل بالطريقة التي ألاحظها في خطابات السياسيين والإعلاميين وأدعياء ما يسمى المشروع الحداثي الديمقراطي...الإنسان كائن مقيد...مثقل بقيوده...وقيوده من طبيعة قطيعية...الإنسان كائن قطيعي...ما أقصده بالقطيع ليس المعنى الغَنَمِيِّ الحيواني...القطيع تَكَتُّلٌ اجتماعي وظيفي...إنه شكل التنظيم الاجتماعي الإنساني...إنه شكلٌ اجتماعيٌّ له جدواه...لا يمكن لأي مجتمع بشري أن يتحقق ويصبح ممكنا تاريخيا إلا في شكل قطيع...وما أقصده بالقطيع أيضا ليس ذلك المعنى التحقيري الذي تحيل عليه كلمات الدهماء والقولية والغوغاء في اللغة العربية أو تحيل عليه الكلمات التنقيصية الفرنسية la plèbe, la populace, les masses, la foule, le bas peuple, les prolos ، أو الكلمات التنقيصية الإنجليزية the mob, the rabble, the herd...بل أقصد بالقطيع التكتل الاجتماعي الوظيفي...الحتمية الانتمائية الاجتماعية ذات الأثقال الانضباطية والقيود التي صاغتها التوافقات الثقافية والاجتماعية في شكل كِنَايَاتِ تَلْطِيفٍ تسمى قوانين وإكراهات وحقوق وواجبات وأعراف وتقاليد وملاطفات...الإنسان مُثْقَلٌ بقطيعيته إلى حد الامِّحَاء، لكنه مُثْقَلٌ أيضا بِتَمَثُّلٍ ذهني غائر في نفسه ولاوعيه ووجدانه، وهذا التمثل الذهني هو تصديق أنه حر، تصديق وَهْمِ أن الحرية ممكنة بمعناها الإنساني الاستحقاقي...إن طبيعة النظام الاجتماعي تلغي كل حرية حقيقية، وتمنحك حرية ضيقة على مقاسك، حرية الكائن القطيعي الذي عليه أن يفاوض انتماءه للجماعة من خلال التخلي الإرادي عن حريته...هذه هي حقيقة ما سماه جان جاك روسو "العقد الاجتماعي"...وهذه هي حقيقة الوجود الإنساني نفسه...من خلال قراءاتي لاحظت في العديد من المقالات والكتب التي تتحدث عن القضايا الفكرية والسياسية والاجتماعية غيابا لتعريف معنى الحرية...ولاحظت أن الناس العاديين لا يَعْرِفُونَ معنى الحرية، وكتابات الكثير من المفكرين والمثقفين تتحدث عن الحرية كمفهوم محسوم دلاليا واصطلاحيا، ولا حاجة لتعريفه أو تحديد معناه...إن المشكلة تتمثل في أن العقل الإنساني يقتات أحيانا كثيرة على الأفكار والمعاني أكثر مما يحتكم إلى حقيقة وجود تلك الأفكار والمعاني حقا في الواقع المحسوس، في التجربة الاجتماعية المُعَاشَةِ...جزء كبير من وعي الإنسان بالعالم وعي لغوي...تقول مثلا: "في هذا العالم الذي نعيش فيه" وأنت لا قدرة لك على إدراك هذا العالم بكل أبعاده واختلافاته وتناقضاته وثرائه وغموضه وشساعته...تحتضن في وعيك كلمة "العالم" وليس العالم الحقيقي...إنها قضية تداولية وإدراكية...وحتى مفهوم الحرية نفسه محاط بالتباسٍ كثيف لكن الناس يتظاهرون بأنهم أحرار أو يتظاهرون بأنهم يستحقون الحرية أو يتظاهرون بأنهم يناضلون من أجلها أو حتى يموتون في سبيلها...سرديات كثيرة جدا أنشأها الإنسان حول مفهوم الحرية...تاريخ طويل من التطلعات...وما زال الناس إلى حد اليوم مقيدين...محاطين بكل أنواع المنع...مثقلين بالقيود وهم يتوهمون أنهمُ الطُّلَقَاءْ...
علق مهدي قائلا: أنت تلغي مفهوم الحرية تماما...أنت تدافع عن فكرة قَدَرِيَّةٍ ونظام اجتماعي تَحَكُّمِيٍّ يصادر الفعل الإنساني الحر...
حَدَّثَ نفسه قائلا: هذا الكلام الذي تقوله يا مهدي من بقايا وعيك اليساري القديم، لكن هل حقا ما زال الخطاب اليساري نموذجا غرامشيا وماركسيا صالحا للتحليل أم أنه أضحى وعيا ثوريا مُتَمَيْمِنًا، إيديولوجيَا اقتناص المناصب والامتيازات واقتسام الكعكة والاستئثار بالغنيمة؟
ثم رد على مهدي قائلا: أنا لا أدافع يا مهدي...أنا أُشَخِّصُ ما أراه خلف كل الادعاءات الشعاراتية التي تنمو وتزدهر بسبب حاجة الناس للتصديق...أنا أحتاط كثيرا من الكلمات والأفكار التي لا تملك معادلا محسوسا في الواقع...
قاطعه مهدي: أليس مجيئك إلى هذا المكان حرية؟ ألم تأت إليه بإرادتك؟
قال: هذا الذي تتحدث عنه اختيار وليس حرية...إذا ربطنا الحرية بالاختيار سنحصل على حرية مقيدة بالقدرة على الاختيار...لأن الاختيار نفسه ليس سوى الارتباط التَّقَيُّدِيِّ بما اخترتَه وحسبتَ أنه منتهى الحرية المتاحة لك...دعني أسألك: ما معنى الحرية؟
ظل مهدي صامتا كأنه يفكر في الجواب قبل أن يقول: الحرية هي سيادة الإنسان على نفسه...
تأمل مهدي، واستغرب منه هذا التعريف، وقال: أنت تقدم تعريفا بلاغيا للحرية...وتُدْخِلُنَا في إِشْكَالٍ تعريفِيٍّ آخر هو السيادة...ماذا تعني بالسيادة؟
رد مهدي: السيادة هي الحق في أن تكون حرا...
رد عليه: وما معنى الحق؟ إنك تربط الحرية بأمور تقع خارجها هي السيادة والحق...هذا الكلام الذي نتبادله عن الحرية بدوره مُقَيَّدٌ بقيودك وقيودي الفكرية...بما يبدو لنا حرية في التفكير لكنه شرطيات اشتغالِ طريقة التفكير نفسه...عموما دعنا من هذا الحديث...الحديث عن الحرية دائما حديث اختلافي، حتى بين كبار الفلاسفة والمفكرين...ولا أريد أن يتحول إلى جدال خلافي بيننا...لا أحب الجدال...
خرج باتجاه الشرفة الجبلية المطلة على الوادي لإلقاء نظرة أخيرة على القرية الصغيرة؛ المنازل الطينية المغطاة بالثلوج تبدو خالية من الحياة والبشر، لكن داخلها توجد أرواحٌ وحكايات وكائنات تلعب لعبة الحياة، تتقن فن العيش الهادئ والبطيء الذي لا تجده في المدن التي يتسارع ويتصارع فيها الناس ضد أنفسهم وأعمارهم وإنسانيتهم بحثا عن الأداء والتباهي والإنجاز. يستغرب كيف أنه كان ينفر طول حياته من البوادي والدواوير والطرق الثانوية؛ يشعر في هذه السنوات الأخيرة أنه يكتشفها لأول مرة، ويكتشف فيها نوعا آخر من فن الحياة: الحياة الهادئة، السكينة التي تنبع من بَوَاطِنِ الأشياء كأنها هَمَسَاتُ الحياة وهي تخاطب فيك ما نَسِيتَهُ عن نفسك، ما أَضْمَرْتَهُ طول حياتك وأنت غافل عنه، ذَاهِلٌ عن صوته في أعماقك: دفء الحياة وبساطتها وجمالها الأخاذ، ذلك الجمال الذي لا يَكْمُنُ حصرا في ما تراه بل في ما يُرِيكَ نفسَك على الوجه الذي يَدُلُّكَ على ما لم تنتبه إليهِ في حينه: الجمال الخفي لروعة الحياة.
تذكر ما قاله له مهدي حين سأله: لماذا أنشأتَ هذا الشالي الخشبي الفخم في مكان منعزل وطريق ثانوية شبه مهجورة؟
فأجابه مهدي: سنوات طويلة وأنا أعمل في بناء المنازل الخشبية الفخمة في إيطاليا...كنت أعمل في بنائها للآخرين...حينما وصلت إلى عمر التقاعد وقررت العودة إلى المغرب، أردت أن أبني لنفسي ولزوجتي منزلا خشبيا فخما نسكن فيه...أبني منزلا خشبيا لنا وليس للآخرين...لا يهمني أن يأتي الناس إلى فضاء مهدي أو لا يأتون...لدي راتبُ تقاعدٍ مريح...لكن فضاء مهدي هو الحلم الذي رافقني سنوات طويلة قبل أن يصير أنا...فضائي الخاص...فضاء كاليسطا...وفضاء من يأتون إليه...ليقيموا فيه بعض الوقت أو يشربوا فيه قهوة ثم يغادرونه وهم يتساءلون بغرابة: ما الذي جعل مهدي يبني منزلا خشبيا فخما في مكان مهجور بعيد عن الناس وقيرب من دوار صغير في عمق الوادي؟ أراهن أنك بدورك تطرح على نفسك هذا السؤال وتعيد طرحه...لكنني لن أجيبك عنه...أريدك أن تعود إلى هذا المكان مرة أخرى للحصول على جواب...
ضحك قائلا: تتحايل علي لأعود مرة أخرى يا مهدي...
قال مهدي: الناس يحركهم الفضول...جزء كبير من طاقة الناس وجهدهم يُصْرَفُ في الفضول...أرسطو عَرَّفَ الإنسان أنه حيوان ناطق، وأنا أُعَرِّفُ الإنسان بأنه حيوان فضولي...الفضول يجعل الناس أحيانا يقومون بأكثر السلوكات حماقة وغرابة...ولذلك يعود الكثير منهم إلى فضاء مهدي...يعودون ليفهموا...يعود بهم الفضول...
حَدّثَ نفسه قائلا: أنا لا أعود لأَفْهَمْ...ولا يهمني حقا لماذا بنيتَ هذا الشالي الخشبي في هذا المكان يا مهدي...أنا أعود -إِنْ عدتُ- لِأُحْدِثَ في مسارِ حياتي لحظةَ "دِيكْلِيكْ" قبل أن أواصل المسار...تلك اللحظة هي فضولي الخاص، هي ما أكتشفه في نفسي حتى حين أبدو منشغلا بقصص المسارات ويوميات الكائن وأحداث الطريق وكتابة المذكرات...ما يغريني حقا ليس ما يقوله الناس عن أنفسهم بل ما تقوله الحياة عنهم...وما يستهويني ليس السفر نفسه بل ما يبدو فسحةَ استراحةٍ في حضرة الحياةِ حين تصير مرآةً يَتَخَايَلُ فيها تَدَفُّقُ الحياة كما تَتَخَايَلُ النجوم ليلا في أديم السماء...ذلك الشيء الذي تسميه المعنى يا مهدي أسميه همسَ الحياة...ألاحقه في كل شيء...إنه الهمس الصاخب الذي يثير فضولي حقا...إنه حصيلة ثباتي في نفس المكان أو أسفاري باتجاه الأمكنة التي أشعر أن فيها شيئا من ذلك السر الذي أبحث عنه في كل شيء، وهو تدفق الحياة...هَمْسُهَا الدفين، هَسِيسُهَا الذي لا يكاد يُسْمَعْ، تيارها الذي لا يكاد يُرَى، طَيْفُهَا الذي لا يكاد يَبِينْ...تَدَفُّقُ الحياة هو فضولي الحقيقي...هو محتوى مذكراتي...وفي بداية كل فصل من هذه المذكرات، أشتري قلما جديدا...أكتب به ما أصادفه أو يصادفني...وحينما يَجِفُّ القلم أدرك أن عَلَيَّ بداية فصل جديد...بقلم جديد وبسفر جديد نحو حكاية لم تُكْتَبْ بعد...نحو تَدَفُّقٍ يستحق ذهولي ودهشتي...نحو طريق لم تطأه قدماي من قبل...طريق المعنى وليس طريق الأثر...
أَوْقَفَ حَبْلَ تأملاته، واستعاد آنِيَّةَ اللحظة: لحظة تَأَمُّلِ مشهد القرية الصغيرة التي يغشاها الهدوء والصمت، ويكتنفها ذلك الشيء العجيب الذي يسمى السكينة. نُتَفُ الثلج تتهاوى ببطء، ترقص رقصَتها الهائمة، فيبدو المدى لوحةً فنيةً رومانسية وغامضة، احتفاليةَ بياضٍ تتمادى إلى أبعد ما يصل إليه البصر، إلى أقصى ما تلاحقه النظرات الذَّاهِلة. الثلج حقا أعجوبة، مشهدٌ يعلو على كل ترتيبات الفصول العادية، يخالف كل التوقعات، يثير في ذاكرته مروياتِ فصولٍ مُثْلِجةٍ في مدن بعيدة قضى فيها جزءا من شبابه. نَظَرَ نظرة أخيرة إلى القرية الصغيرة استعدادا للرحيل، لَوَّحَ لها بيده وهو يقول: هل حقا علينا دائما أن نغادر؟ هل حقا نَمُرُّ بالأمكنة أم أن الأمكنة هي التي تمر بنا؟...شيءٌ منا يبقى مشدودا أَبَدِيًّا إلى الطرق التي احتضنت خطواتنا، إلى الأرصفة التي جلسنا متعبين نرتاح عليها قبل استئناف المسار نحو وجهات غامضة، إلى المدن التي تركنا فيها شيئا من ذواتنا وفلذات كبدنا...مضينا بعيدا وظل شيء منا هناك إلى الأبد...يحتفظ بأثرٍ منا أو نحتفظ بأثر منه... ضد النسيان... للذكرى...عجيبٌ كيف تتحول الأعمار إلى مساراتٍ ترتدي شكلَ مدينةٍ أو قريةٍ أو مجرد مكانٍ بلا اسمٍ أو طريقٍ بدون علاماتِ تشويرٍ أو هوية...عجيبٌ كيف تجبرنا أقدارنا على توديع الطرق كأننا نودع أنفسنا فيها...ثم نواصل السير...نمضي...كأن الْمُضِيَّ هو الجزء الأهم من الحكاية...كأنه الخريطة الغامضة التي تقودنا إلى أنفسنا بطريقة ما...كأنه مَمْشَى الروحِ الذي تتعرف فيه على الطريق الذي يعود بها إلى نفسها...بالقدر الكافي من النور الذي ينير لها الوجهة ويضيء لها من تكون...
