السبت ١٧ كانون الثاني (يناير) ٢٠٠٩

في تفسير سورة الغضب!

بقلم: طلال حمّاد

إنّ ما يحدث في غزّة منذ نحو أسبوعين من الزمان يثير الغضب بلا جدال!

وما الذي يحدث قي غزّة... في حقيقة الأمر؟

إنّه العدوان الإسرائيليّ الوحشيّ الجديد عليها.. وما تبثّه الفضائيّات، رغم الحجر الإعلاميّ الكبير الذي تفرضه دولة الاحتلال والعدوان " إسرائيل"، التي تقوم غصباً، وقسراً، فوق فلسطين، كافٍ لإثارة الغضب في النفوس، ليس فقط في الوطن الصغير فلسطين( ولا يسألنّني أحد في غباء، أو استبلاه، أين أراها هذه الفلسطين، وهي واضحة، وبائنة، هنا وليس في أيّ مكان آخر، وبدون حدود مصطنعة أو طارئة، أو دخيلة؟)، أو في مدن وعواصم من وطننا الكبير الذي اسمه العربيّ، أو في كلّ مدينة، وعاصمة من العالم المحيط، ما يزال الضمير فيها، يرفض هذه الصورة الوحشيّة من القتل، والتدمير، واستباحة ما تعارف عليه الكون من حقوق للإنسان، ومن قوانين، ومعاهدات، تحرّم في مجملها استهداف المدنيين، والمؤسّسات المدنيّة، وملاجئ إيوائهم، لا بل وتدعو إلى حمايتهم، والحفاظ على حياتهم، بمثل ما تدعو إلى عدم التعرّض للمسعفين والأطبّاء، والمستشفيات، والهيئات الإنسانيّة!

وبالطبع فإنّها صورة ليست جديدة على هذه الدولة العدوانيّة، في قيامها وفي وجودها، والتي اسمها "إسرائيل"، والتي تقوم بقوّة الاغتصاب، والاستعمار الاستيطانيّ، والاحتلال بقوّة السلاح، وسياسة الإبادة، والتطهير العرقيّ..

وهي بالطبع أيضاً، ليست غريبة، من دولة، خارجة على القوانين جميعها، طبيعيّة، ووضعيّة، وتنتهك كلّ الشرائع، والمواثيق، السماويّة، والإنسانيّة على السواء.

ولذلك كلّه، فإنّ ما يحدث في غزّة، وعليها، من عدوان دمويّ، وحشيّ، يثير الغضب، من فداحته، ومن دوافعه، وأيضاً من الذرائع التي يقوم عليها.

إنّ ذريعة "حماس"، وإطلاقها للصواريخ على المدن والمستوطنات الإسرائيليّة المحيطة بقطاع غزّة، هي الذريعة الظاهرة التي يدعمها مؤيّدو "إسرائيل"، إلى أن تتحقّق لهم (مجتمعين)، أهداف غير معلنة، لكنّها واضحة، ولا يمكن استغفال عقل واحد، حرّ، لإقناعه بعدم وجودها، وعلى رأسها، القضاء بإرهاب القوّة، ورعب القتل، على التوق الفلسطيني إلى فلسطين، واستعادتها. لذا يتّفق الجميع على ضرورة التخلّص من كلّ رغبة، أو إمكانيّة، للمقاومة: مقاومة الفلسطينيّين للمشروع الصهيونيّ التهويديّ، والإلغائيّ.. ومقاومة العرب للمشروع الإمبرياليّ، لتحويل المنطقة العربية إلى مزرعة خلفيّة له، تأكل وتشرب وتبيض.. لكن له!

إنّ ما يكمن إذن، وراء هذا الاعتداء، وخلف هذه الذريعة، لعظيم، ولا يقف في نواياه عند حدّ، فلا القضاء على "حماس"، أو سلطتها، في غزّة، أو على قدراتها العسكريّة والتنظيميّة، ولا حتّى إخضاعها إلى القبول بالاتفاقات الهزيلة لمنظمّة التحرير( م ت ف المفرغة اليوم من جوهر قيامها)، وإنّما أبعد من ذلك، إلى تحقيق قيام شرق أوسط تابع وخاضع، شرق أوسط بلا مقاومة، أو اعتراض، على هيمنة أو نفوذ أو سطو، شرق أوسط جديد، يساهم في حماية " إسرائيل"، وفي ديمومتها، وفي إشراكها في مصير، وفي مقدّرات، وفي مستقبل هذه المنطقة.. شرق أوسط مجدّد، يخضع لإملاءات الإمبرياليّة الأمريكيّة، العظمى، ولرغبات "إسرائيل"، المستعظمة، والمتضخّمة، في تقاسم الفوائد والعوائد.

و عليه، فقد جاء الغضب على هذا العدوان، بكلّ ما يمكن أن يوصف به، ليؤكّد من جديد، على حقيقة لا لبس فيها، أنّه لا يمكن، تحت أيّ ظرف، أو أيّ شرط من الشروط، التعايش بسلام، مع أطماع الاحتلال الصهيونيّ الاستعماريّة في فلسطين(كلّها وليس في أجزاء منها)، ومن ورائها، أطماع الامبرياليّة الغربيّة، وعلى رأسها الولايات المعتدية الأمريكيّة، في مجمل المنطقة العربية، كون مثل هكذا سلام، سيعني فيما سيعني، استمرار الاستلاب، والتبعيّة في أسوأ صورها، في ظلّ نظام عربيّ رسميّ، يعجز حتّى عن حفظ ماء الوجه، ولا يرعو عن المشاركة بصفاقة، واسترخاص، في تبرير العدوان، وحماية المعتدين، وتسهيل إنجاز مهمّاتهم القذرة، نظام لا يليق بشعوبه، ولا تستحقّ شعوبه كلّ هذا الابتذال والاعتداء.

لذا، فإنّه لا يمكن القبول، بأن ينتهي هذا الغضب الشعبيّ، الدّفين وقد انفجر، والمشروع وقد ثار، وهو غضب الضحيّة، والرهينة، والسبيّ والسبيّة، والأسير والأسيرة، إلى مجرّد ذكرى مؤسفة، ودون أن يحقّق حدّاً أدنى، من ردّ الاعتبار، للكرامة العربيّة المهيضة!!


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى