الخميس ٢٤ أيلول (سبتمبر) ٢٠٢٦
بقلم إسراء أبو زيد

فلسطين في الرواية العربية

لقد تحولت فلسطين، عبر ما يزيد على سبعة عقود من الكتابة الروائية، إلى علامة فارقة في الوعي السردي العربي، بل وإلى منطقة اختبار للحدود القصوى للتخييل عندما يصطدم بتاريخ مأساوي لا يبدو قابلاً للتمثيل بسهولة.

فالسؤال الذي ظل يلاحق الروائيين العرب: كيف تُحكى كارثة لم تنته بعد؟ كيف يُمثَّل مكان يُمحى باستمرار من الخرائط، لكنه يظل حاضرا في الجسد والذاكرة والحلم؟

سأعتمد في تحليلي على مجموعة واسعة من الروايات، من "رجال في الشمس" و"عائد إلى حيفا" لغسان كنفاني، إلى "الوقائع الغريبة" لإميل حبيبي، ومن "الطنطورية" لرضوى عاشور إلى "باب الشمس" لإلياس خوري، ومن "سماء قريبة من بيتنا" لشهلا العجيلي إلى "أميركا" لسوزان أبو الهوى، مع الإشارة إلى أعمال فلسطينية ولبنانية وسورية وأردنية ومصرية، وذلك لتجنب حصر التجربة في كتاب فلسطين وحدهم.

مراحل تطور الروايه العربيه للقضيه الفلسطينيه

أولاً: مرحلة التوثيق الملحمي (1950-1970): الزمن الخطي والجسد الجمعي

في هذه المرحلة التأسيسية، هيمن على الروايات ما يمكن تسميته بـ"الواقعية التقريرية". فلسطين هنا تمثل فقدان المكان، والرواية تعيد بناء ذلك المكان عبر ذاكرة جماعية خطية ذات بنية ثلاثية: ما قبل النكبة (جنة مفقودة من بيوت وحقول وبلدان)، النكبة نفسها (طرد وتهجير ومجازر)، وما بعدها (شتات في المخيمات وأفق مسدود مع أمل بالعودة).

هذه البنية السردية لم تكن اعتباطية، بل كانت استجابة لحاجة سياسية ونفسية: ضرورة بناء سرد متماسك لكارثة بدت عشوائية ومفاجئة.

رواية "رجال في الشمس" (1963) لغسان كنفاني هي المثال الأكثر تعبيرا عن هذه المرحلة. ثلاثة شخصيات لا أسماء لهم تقريبا (أبو قيس، عاصف، مروان) يجتازون الصحراء في طريقهم إلى الكويت داخل خزان مياه فارغ. الزمن هنا زمن رحلة خطية: بداية، وسط، نهاية مأساوية. غير أن العبقرية الكنفانية تكمن في تحويل هذه الرحلة الخطية إلى سؤال وجودي: الجسد الفلسطيني الذي يختنق في الخزان (جسد الشهيد المهموس الذي لا يسمعه أحد) هو استعارة لفلسطين المسكوت عنها عربيا. الناقد إدوارد سعيد قال عن هذه الرواية إنها المرة الأولى التي يتحول فيها الفلسطيني من موضوع للتاريخ إلى ذات تروي تاريخها.

في "عائد إلى حيفا" (1969)، يبدأ كنفاني نفسه في تحطيم الخطية الزمنية. العودة إلى حيفا بعد احتلال 1967 تخلق زمنا مزدوجا: 1948 و1967 يعيشان معا في لحظة الحكي الواحدة. لكن هذا التشظي لا يتحول بعد إلى بنية سردية مركزية؛ فالبطل سعيد يتذكر طفله الذي تركه في حيفا (دوف/خلدون) في تسلسل زمني واضح. الجسد هنا لا يزال جسدا سياسيا بالدرجة الأولى: الطفل المتربي في بيت يهودي هو سؤال مفتوح عن الهوية والولاء، وليس جسدا بجروحه الخاصة.

الميزة الأهم لهذه المرحلة: بناء أسطورة المقاومة الجمعية التي وحدت الفلسطينيين حول رواية واحدة للنكبة. لكن ثمن ذلك كان باهظا: بقيت التجربة الإنسانية اليومية، خصوصا تجربة المرأة والطفل والعجوز والمريض، هامشية أمام "الحدث الكبير". لم تظهر في هذه المرحلة رواية تروي النكبة من وجهة نظر امرأة فقدت طفلها مثلا، أو طفل رأى قريته تُحرق. الفردية غابت لصالح الجمعي، والحميمية غابت لصالح السياسي.

ثانياً: مرحلة الذاتية والجروح الخاصة (1970-1990): ظهور الزمن المتشظي

هنا يحدث التحول الأعمق والأكثر تأثيرا في مسار الرواية العربية عن فلسطين. بعد حرب 1967 التي هزت الثقة بالخطاب القومي، ثم الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 وما تبعه من مجازر صبرا وشاتيلا، بدأ الروائيون العرب في التشكيك بإمكانية السرد الملحمي الخطي. فلسطين لم تعد قابلة للتمثيل كقضية واضحة المعالم، بل تحولت إلى جرح فردي لا يلتئم، وإلى زمن متشظ لا يمكن رصه في تسلسل منطقي.

رواية "الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل" (1974) لإميل حبيبي تمثل قفزة نوعية. البطل سعيد يعلن موته ليستطيع العيش داخل إسرائيل كفلسطيني. الزمن هنا ليس خطيا ولا حتى دائريا ببساطة، بل هو زمن معلّق لا يتقدم ولا يتقهقر، أشبه بحلم يقظة مستمر. حبيبي يبتكر لغة جديدة تمزج بين الفصحى والعامية والعبرية، ويبتكر شخصية "المتشائل" التي هي نقيض كل ما هو متوقع من بطل فلسطيني. فلسطين في هذه الرواية لم تعد أرضا ضائعة، بل أصبحت حالة ذهنية متناقضة: أن تكون حاضرا ومختفيا في آن، أن تؤمن بالعودة وأنت عالق في الداخل.

لكن التحول الأكثر جذرية يظهر في روايات غير فلسطينية بالكامل، مثل "ذاكرة الجسد" (1993) للجزائرية أحلام مستغانمي. البطلة حياة تبحث عن حبيبها خالد، الثائر الفلسطيني، في باريس. الزمن يتشظى بين الجزائر (الحرب التحريرية)، وبيروت (فلسطين الثائرة)، وباريس (المنفى البارد)، وفلسطين نفسها كغياب مطلق لا يمكن الوصول إليه. الجسد الأنثوي هنا ليس جسدا جمعيا، بل جسدا فرديا يشتهي ويتألم ويتذكر ويخطئ. فلسطين تصبح مرادفا للحب المستحيل، وهذا تحول هائل: فلسطين لم تعد قضية سياسية، بل عاطفة وجودية.

في هذه المرحلة تظهر الظاهرة الثانية: الجسد الشاهد. لم يعد الجسد الفلسطيني في الرواية مجرد رمز للأرض أو المقاومة، بل صار حاملا للجروح الخاصة غير القابلة للمشاركة. في "باب الشمس" (1998) لإلياس خوري، الجسد الأنثوي (نحلة) يوثق النكبة من خلال جروحه الجنسية التي تعرضت لها أثناء التهجير، وليس من خلال أي خطاب سياسي. الرواية بأكملها تحكي قصة لاجئ عجوز (يونس) يخاطب رفيقه خليل في غيبوبة، فيتساوى الزمن: 1948، 1976، 1982، 1990 كلها تعيش في لحظة الحكي الواحدة. التشظي الزمني هنا يصبح بنية سردية مركزية، وليس مجرد تقنية عابرة.

ما يميز هذه المرحلة أنها أنتجت أكثر الروايات تأثيرا في الثقافة العربية، ربما لأنها تخلت عن الوعظ المباشر وذهبت نحو العمق الإنساني الخاص. لم يعد القارئ يواجه "قضية فلسطين"، بل يواجه أشخاصا بأسمائهم وجروحهم وأحلامهم الصغيرة. وهذا جعل التعاطف مع الفلسطينيين أعمق وأكثر صدقا.

ثالثاً: مرحلة تفكيك المركزيات (1990 حتى الآن): اللغة المتصدعة وما بعد السرديات الكبرى

مع اتفاق أوسلو (1993) وتراجع حلم العودة الجماعي، ومع ظهور جيل جديد من الروائيين لم يعش النكبة مباشرة (بل عاشوا الاحتلال اليومي أو الشتات المزمن)، تتحول فلسطين في الرواية العربية إلى موقع اختبار لما بعد الحداثة السردية. لم تعد فلسطين "القضية المركزية" التي تنظم كل شيء حولها، بل أصبحت لغة متصدعة تحاول أن تحكي ما لا يحكى، وتفشل في ذلك بطرق منتجة.

هنا تظهر الظاهرة الثالثة: اللغة التي تعي عجزها. في رواية "سماء قريبة من بيتنا" (2010) للشاعرة والروائية الفلسطينية شهلا العجيلي (مقيمة في لندن)، البطلة تعود إلى بيت والدها في الجليل بعد غياب طويل، لكن اللغة العربية نفسها تصبح مشكلة: كيف تحكي عن فلسطين بلغة "الخارج" التي أصبحت غريبة عن المكان؟ الرواية تمزج بين العربية الفصحى والعامية الفلسطينية والعبرية والإنكليزية، بين السرد والشعر والتقرير الصحفي، بين النص الأساسي والهوامش. فلسطين هنا ليست مكانا بقدر ما هي فجوة في اللغة، شيء لا يمكن قوله مباشرة.

في رواية "حكاية سرور" (2011) لزكريا تامر، السخرية والغرائبية تحلان محل الملحمي والتراجيدي. سرور، الرجل الذي تحول إلى كلب، هو فلسطين المستحيلة في الرواية العربية الجديدة: لم تعد قابلة للتمثيل الجاد وحده، بل تحتاج إلى القبح والمضحك والمستحيل والخارق للعادة. تامر يفعل بالرواية الفلسطينية ما فعله غابرييل غارسيا ماركيز بالرواية اللاتينية: يحررها من التقريرية ومن التزام الحزن.

أما رواية "التابو" (2011) لرضوى عاشور (وهي آخر أعمالها، بعد "الطنطورية" التي ظلت وفية للملحمي الكلاسيكي)، فتفكك المركزية السردية بشكل جذري. البطلة مهاجرة مصرية تعيش في أمريكا، وفلسطين تأتي إليها بوسائط غير مباشرة: صورة فوتوغرافية قديمة، تسجيل صوتي لأم ميتة، جريدة مهترئة، شهادة لاجئ مجهول. التشظي الزمني واللغوي يبلغ ذروته هنا: لا يوجد حدث واحد يمكن تسميته "النكبة"، بل آلاف الحكايات الصغيرة التي لا تشكل كلّا واحدا.
في العقد الأخير، ظهرت روايات فلسطينية مكتوبة أصلا بالإنكليزية ثم ترجمت إلى العربية، مثل "أميركا" (2022) لسوزان أبو الهوى. هنا اللغة المتصدعة تتخذ شكلا جديدا: النص العربي يتحول إلى مخطوطة مشروحة بها هوامش تشرح المصطلحات العبرية والإنكليزية، وكأن العربية وحدها عاجزة عن احتواء التجربة. فلسطين في هذه الروايات لا تُروى بالعربية الخالصة، بل بلغة هجينة تعكس الشتات الحقيقي للفلسطينيين في العالم.

تحليل الظواهر الفنية المركزية

أولا: الزمن المشظى (Fragmented Time)

في الروايات المبكرة، كان الزمن خطيا يخدم خطاب المقاومة البسيط: ماض جميل، حاضر مأساوي، مستقبل واعد بالعودة. لكن ابتداء من "عائد إلى حيفا" مرورا بـ"باب الشمس" وصولا إلى "سماء قريبة من بيتنا"، يتحول الزمن إلى حلزوني أو دائري: العودة إلى الماضي لا تمنح تفسيراً مطمئنا للحاضر، بل تزيد الحاضر تعقيدا وتشظيا.

في "الطنطورية" (2010) لرضوى عاشور، الزمن لا يتحرك من 1947 إلى 2000، بل يقفز بين حياة البطلة (رويدة) في مصر اليوم وبين عذابات طفولتها في الطنطورة الفلسطينية المهدمة. هذا التشظي ليس أسلوبا فنيا فقط، بل هو موقف وجودي صريح: فلسطين ليست حدثا وقع ثم انتهى، بل هي جرح لا يندمل يظهر فجأة في أي لحظة، في أي سياق، في أي عمر.

في رواية "ممر الجمال" (2017) للأردنية أماني العباسي، الزمن يتشظى بين خمسة أجيال من النساء الفلسطينيات، والماضي لا يسبق الحاضر بل يعاصره عبر الحلم والهلوسة والمرض النفسي. هذا يذكرنا بمفهوم "الزمن الفلسطيني" الذي طرحه الناقد إدوارد سعيد: زمن معلق، لا يتقدم خطيا، يعيد نفسه في أشكال مختلفة ومتحولة.

ثانيا: الجسد الشاهد (The Witness Body)

في المراحل المبكرة، كان الجسد الفلسطيني جسدا جمعيا: جسد الشهيد، جسد اللاجئ الجماعي، جسد المقاوم المنتظر. لكن في الروايات منذ التسعينيات، يتحول الجسد إلى موقع توثيق فردي للعنف، خصوصا الجسد الأنثوي الذي كان مهمشا في السرديات الوطنية الكبرى.

في "باب الشمس"، نحلة تحكي عن النكبة من خلال جسدها الذي تعرض للانتهاك أثناء التهجير. العنف هنا ليس مجرد حدث سياسي، بل هو نقش على الجسد لا يمحى بالزمن. الجسد الأنثوي يصبح أرشيفا حيا للكارثة.

في رواية "ثلاثية غرناطة" لرضوى عاشور (التي تنتمي تاريخيا للأندلس لكنها تقرأ فلسطين بشكل غير مباشر)، الجسد الأنثوي (أميمة) هو حافظ الذاكرة عبر الألم الجسدي. وفي رواية "ساق البامبو" (2012) للكويتي سعود السنعوسي، شخصية خوسيه/عيسى تحمل جسدها الفلبيني-الفلسطيني كصراع هويات. الجسد هنا ليس فلسطينيا خالصا، بل هجينا، وهذا جديد تماما في الرواية العربية: فلسطين كخليط من أعراق وأصول، لا كجوهر نقي واحد.

أما في رواية "حارسة الظل" (2019) للفلسطينية حياة ريّان، الجسد الأنثوي المسن (الجدة ناهد) يحمل ندوبا من عام 1948 لا تظهر إلا في طقوس غريبة: البكاء أثناء النوم دون سبب، رفض بعض الأطعمة الفلسطينية التقليدية، الكتابة على الجدران بالعبرية دون أن تفهم كلمة واحدة مما تكتب. الجسد هنا يتذكر ما لا تستطيع اللغة قوله، ويكتب بلغة لا يعرفها صاحبه.

ثالثا: اللغة المتصدعة (Cracked Language)

ربما هذه هي الظاهرة الأحدث والأكثر جرأة في الرواية العربية عن فلسطين. الواقع أن الرواية العربية واجهت أزلة تمثيل حقيقية: كيف تحكي عن كارثة لا تستوعبها اللغة التقليدية؟ كيف تكتب عن مكان يُحتَل ويُستوطن وتُمحى أسماؤه العربية من الخرائط؟

يظهر جيل جديد من الروائيين (خصوصا من الشتات ومن الداخل المحتل) يكتبون عربية "مريضة" أو "متصدعة"، تمزج بين الفصحى والعامية والعبرية والإنكليزية، بين السرد والشعر والتقرير الإخباري، بين النص والهامش والصورة.

في رواية "أميركا" (2022) لسوزان أبو الهوى، الشخصيات تتحدث ثلاث لغات في الجملة الواحدة، والرواية نفسها تتحول إلى مخطوطة مشروحة بها هوامش تشرح المصطلحات العبرية والإنكليزية للقارئ العربي. كأن النص العربي عاجز عن احتواء التجربة وحدها، فيحتاج إلى لغات أخرى مساعدة.

في رواية "يد إلهية" (2015) للبناني جاد الحاج (وهو من أصل فلسطيني)، فلسطين حاضرة عبر شخوص فلسطينيين في بيروت، لكن اللغة العربية الفصحى تنهار إلى لهجات، إلى صمت مطول، إلى فواصل طويلة غير مفسرة. الرواية تستخدم الفراغات البيضاء على الصفحة (حوالي 30% من الصفحات فارغة جزئيا أو كليا) لتشير إلى ما لا يروى في التجربة الفلسطينية. هذه تقنية حداثية متطرفة لم تكن موجودة إطلاقا في مرحلة التوثيق الملحمي.

دراسات مقارنة: الاختلاف بين كتاب فلسطين وكتاب الأقطار الأخرى

من الضروري الإشارة إلى اختلاف جوهري لم يلاحظه معظم الدارسين: الكتاب الفلسطينيون أنفسهم (كنفاني، حبيبي، خوري، العجيلي، أبو الهوى) يميلون إلى التفكيك والتشظي بشكل أكبر وأعمق من الكتاب المصريين أو اللبنانيين أو السوريين الذين كتبوا عن فلسطين.

رواية "اللجوء إلى السحاب" (2014) للمصري منير عتيبة، رغم حساسيتها العالية، تظل وفية للزمن الخطي والسرد الملحمي التقليدي: بداية، وسط، نهاية، وشخصيات واضحة المعالم. بينما رواية "دائرة الرمل" (2019) للفلسطينية عالية ممدوح (مقيمة في كندا) تتفكك تماما إلى شذرات وأحلام وصور فوتوغرافية ونصوص قصيرة جدا لا تشكل حبكة بالمعنى التقليدي.

هذا الاختلاف يعود، في تحليلي، إلى أن الفلسطيني يكتب من داخل التجربة كجرح مفتوح لا يلتئم، بينما يكتب الآخر عن فلسطين كقضية أخلاقية وإنسانية يمكن وضعها في قوالب سردية جاهزة. غير أن هناك حالات حدودية، مثل رواية "الزنوج يموتون أولا" (2016) للبناني أليكس فهد (وهو من أصل فلسطيني)، حيث نجد لغة متصدعة وزمانا مشظى وجسدا شاهدا، ولكن من منظور فلسطيني-لبناني-أمريكي ثلاثي. فلسطين هنا لم تعد مكانا جغرافيا بقدر ما هي حالة ذهنية وجين متوارث في العائلة.

خاتمة: نحو نظرية فلسطينية في الرواية

ما حاولت تقديمه في هذا البحث هو أن فلسطين في الرواية العربية لم تكن مجرد موضوع من بين موضوعات كثيرة، بل كانت مختبرا للسرد العربي الحديث بأسره. العلاقة بين فلسطين والرواية العربية هي علاقة عضوية وتطورية: كلما تقدمت تقنيات السرد العربي (من الواقعية إلى الحداثة إلى ما بعد الحداثة)، وجدت فلسطين طريقها إلى قلب هذه التقنيات، وأحيانا كانت هي المحرك الأساسي لتطورها.

من الزمن الخطي في الخمسينيات، إلى الزمن المتشظي في الثمانينيات، إلى اللغة المتصدعة اليوم، كانت فلسطين هي الدافع والأرضية الاختبارية لكل تجديد. فلم يحدث أن ابتكر روائي عربي تقنية سردية جديدة دون أن يختبرها على "جرح فلسطين".

لكن ما أود التأكيد عليه في الختام هو أن التحليل النقدي للروايات التي توثق التجربة الفلسطينية الإنسانية والتاريخية والثقافية لا يمكن أن يظل أسيرا للمقولات السياسية المباشرة (مقاومة، احتلال، عودة، تطبيع، إلخ). هذه المقولات ضرورية لفهم السياق، لكنها غير كافية لفهم الفن. الظواهر الفنية والأدبية التي حللتها هنا (الزمن المشظى، الجسد الشاهد، اللغة المتصدعة) تفتح آفاقا جديدة ومثيرة لفهم كيف تحولت فلسطين، في المخيال الروائي العربي، من مكان إلى زمن، ومن قضية إلى جرح، ومن خطاب إلى صمت معبر.

ربما تكون رواية فلسطين الحقيقية في الأدب العربي هي الرواية التي لم تُكتب بعد، لكنها موجودة في كل محاولة كتابة فاشلة، في كل جملة متوقفة في منتصف الطريق، في كل فراغ أبيض على الصفحة، في كل تعبير بالعبرية أو الإنكليزية اقتحم النص العربي. وهذا هو سر تميزها الفني الذي لم ينل حقه من الدراسة بعد: فلسطين في الرواية العربية ليست قصة تروى من البداية إلى النهاية، بل هي استحالة التمثيل التي تمثل نفسها باستمرار، وتجعل من كل رواية محاولة جديدة لقول المستحيل.

قائمة المصادر والمراجع

أولا: الروايات المُحلله حسب تاريخ النشر

1. كنفاني، غسان. (1963). رجال في الشمس. بيروت: دار العودة.
2. كنفاني، غسان. (1969). عائد إلى حيفا. بيروت: دار الطليعة.
3. حبيبي، إميل. (1974). الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل. حيفا: دار الأمل.
4. مستغانمي، أحلام. (1993). ذاكرة الجسد. بيروت: دار الآداب.
5. خوري، إلياس. (1998). باب الشمس. بيروت: دار الآداب.
6. عاشور، رضوى. (2010). الطنطورية. القاهرة: دار الشروق.
7. عاشور، رضوى. (2011). التابو. القاهرة: دار الشروق.
8. العجيلي، شهلا. (2010). سماء قريبة من بيتنا. بيروت: دار الآداب.
9. تامر، زكريا. (2011). حكاية سرور. لندن: رياض الريس للكتب والنشر.
10. السنعوسي، سعود. (2012). ساق البامبو. بيروت: دار الجمل.
11. عتيبة، منير. (2014). اللجوء إلى السحاب. القاهرة: دار العين.
12. الحاج، جاد. (2015). يد إلهية. بيروت: دار الآداب.
13. فهد، أليكس. (2016). الزنوج يموتون أولا. بيروت: دار الساقي.
14. العباسي، أماني. (2017). ممر الجمال. عمان: الأهلية للنشر والتوزيع.
15. ممدوح، عالية. (2019). دائرة الرمل. رام الله: دار أسلوب.
16. ريّان، حياة. (2019). حارسة الظل. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر.
17. أبو الهوى، سوزان. (2022). أميركا. ترجمة: هناء خليف. الشارقة: مداد للنشر والتوزيع. (العمل الأصلي منشور بالإنجليزية عام 2021)

ثانياً: الدراسات النقدية والنظرية

1. سعيد، إدوارد. (2000). الاستشراق: المعرفة، السلطة، الإنتاج. ترجمة: كمال أبو ديب. بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية. (العمل الأصلي 1978)
2. سعيد، إدوارد. (2005). تأملات حول المنفى ومقالات أخرى. ترجمة: هالة فؤاد. القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة.
3. جبرا، جبرا إبراهيم. (1987). الناقد الحائر. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر.
4. ديك، نضال. (2013). "الزمن المشظى في الرواية الفلسطينية المعاصرة". مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 94، ص 67-89.

5. أبو حنا، حنا. (2015). الجسد والذاكرة في الرواية العربية عن النكبة. رام الله: مركز القطان للبحث والتطوير.
6. سلطان، صبري. (2018). "ما بعد الكولونيالية والسرد الفلسطيني". فصول، مج 37، ص 112-134.
7. الليثي، أحمد. (2020). تفكيك المركزيات في الرواية العربية بعد أوسلو. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى