فلسطين في الرواية العربية خارج طوق الاشتباك
فلسطين في الرواية العربية خارج طوق الاشتباك: من عام 2011 إلى عام 2025
مقدمة
يمكن اختزال مسيرة حضور فلسطين في الرواية العربية عبر أربع مراحل متعاقبة: تبدأ الأولى (1948-1967) بتجسيد النكبة كحدث مباغت بلغة عاطفية طاغية. تليها الثانية (1967-1982) التي مثلت ذروة روح المقاومة والنضال الثوري. ثم الثالثة (1982-2011) التي هيمن عليها شعور بالهزيمة وتراجع اليقين بحتمية العودة. وأخيراً المرحلة الرابعة، التي تلت الربيع العربي، وتتسم بانحسار القضية وتراجع دورها في المتن الروائي. ويمكن تفسير هذا التحول من القداسة الرمزية إلى الواقعية المكاشفة بعاملين حاسمين أعادا تشكيل الوعي الروائي؛ أولهما جيوسياسي يتمثل في تفجر القضايا المحلية عقب الربيع العربي، وتداعيات اللجوء في دول الجوار والعالم، واتفاقيات السلام والتطبيع. وثانيهما أدبي يتمثل في أفول صورة الفدائي المثالي وتراجع تيار الأدب الملتزم، مقابل الانفتاح على تقنيات "ما وراء الرواية" و"تعدد الأصوات"، مما دفع الكتّاب إلى إدراج وجهة نظر "الآخر" -سواء اليهودي أو الإسرائيلي- تحت ستار مراجعة الموروث والانفتاح على الثقافات المجاورة.
ستتناول دراستنا في المرحلة الرابعة منطقةً نادرة الطرح نقدياً، نُطلق عليها مصطلح "خارج طوق الاشتباك"، وهو مصطلح مستحدث يحمل دلالات جغرافية وسياسية واجتماعية وأدبية صُمم خصيصاً لهذه الدراسة.
في مفهوم "طوق الاشتباك"
نقترح في هذه الدراسة مصطلح "طوق الاشتباك" بوصفه إشارة ضرورية لـ "جغرافيا أدبية" يتجاوز الدلالة الجيوسياسية الشائعة لـ "دول الطوق، فهو يحمل أبعاداً اجتماعية وثقافية وسياسية أوسع. ونقصد به الدول التي لم تتعامل مع القضية الفلسطينية كقضية خارجية أو رمز قومي فحسب، بل عايشتها في مراحل تاريخية مختلفة كواقع ملموس أثر في سياساتها الداخلية والخارجية، وفي بنيتها الاجتماعية والثقافية. وتضم هذه الدول كلاً من: فلسطين، وسوريا، ولبنان، والأردن، ومصر، والعراق، مع التأكيد على أن هذا التفاعل تباين زمنياً وموضوعياً بين بلد وآخر. أما الدول العربية الواقعة خارج "طوق الاشتباك"، فيمكن تصنيفها ضمن ثلاثة أقاليم رئيسة: دول الخليج والجزيرة العربية، ودول المغرب العربي، والدول العربية شرقي أفريقيا. وهو تصنيف يهدف بالأساس إلى رصد التباين في المرجعية السردية والتمثلات الرمزية لفلسطين في آداب هذه الأقاليم.
يستند هذا التمييز في أحد جوانبه إلى طبيعة الحضور الفلسطيني، ففي دول الطوق ارتبط هذا الوجود بتجربة اللجوء والمخيمات، وما صاحبها من تماس يومي مع قضايا الهوية والعيش والعمل والمقاومة، مما جعلها مصدراً مهماً للإبداع الأدبي ومكوناً جوهرياً في المشهد الاجتماعي والسياسي. في حين اتسم الحضور الفلسطيني في الدول الواقعة خارج هذا الطوق بطابع مدني ومهني، نادراً ما تداخل مع السياسات الداخلية والخارجية لتلك الدول. كما يرتبط هذا التمييز بدرجات الانخراط العسكري والسياسي، إذ خاضت دول "طوق الاشتباك"، منفردة أو مجتمعة، مواجهات مباشرة مع إسرائيل، مما جعل القضية الفلسطينية جزءاً من مفهومها للأمن القومي في بعض المراحل، لا مجرد موقف تضامني.
فلسطين في رواية "طوق الاشتباك": المسار
كان حضور فلسطين في الإنتاج الأدبي لهذه البلدان واضحاً؛ إذ كتب الأديب عنها بوصفها جزءاً من تجربته الشخصية أو محيطه المباشر. وقد تجلى ذلك منذ النكبة في أعمال مبكرة، مثل "رجال في الشمس" (1963) لغسان كنفاني، و"ما تبقى لكم" (1966)، و"عائد إلى حيفا" (1969)، التي قدمت مقاربة إنسانية وفكرية للصراع بعيداً عن النزعة العاطفية. كما قدمت رواية "الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل" (1974) لإميل حبيبي معالجة ساخرة لواقع الفلسطينيين داخل الخط الأخضر. ومع اتساع أفق التجربة، انتقلت الرواية إلى مساءلة قضايا الثورة والهزيمة والشتات، كما في "الممر" (1978) لياسين رفاعية، في حين كشفت "الوجوه البيضاء" (1981) لإلياس خوري عن توظيف القضية الفلسطينية في سياقات الصراع الداخلي. أما "وليمة لأعشاب البحر" (1983) لحيدر حيدر، فقد صوّرت فلسطين تجربةً نضالية تصطدم بواقع الخيبات العربية. وفي مسار موازٍ، اتجهت بعض الأعمال إلى إعادة بناء الذاكرة، مثل "وتشرق غرباً" (1988) لليلى الأطرش، وصولاً إلى "باب الشمس" (1998) لإلياس خوري. وفي مراحل لاحقة، اتخذ الحضور الفلسطيني أبعاداً أكثر تركيباً؛ سواء عبر استعادة تجربة اللجوء، على غرار "نخلة الواشنطوني" (2009) لعواد علي، أو تمثيل الحياة اليومية في المنفى، في "الطنطورية" (2010) لرضوى عاشور، إلى جانب أعمال تستحضر أصداء القضية في فضاءات عربية أخرى، مثل "حيث لا تسقط الأمطار" (2010) لأمجد ناصر. ويتواصل هذا المسار في نصوص أحدث، منها "مصائر: كونشرتو الهولوكوست والنكبة" (2015) لربعي المدهون، و"النبيذة" (2017) لإنعام كجه جي.
فلسطين في رواية "طوق الاشتباك": السمات
قدّم الكُتّاب رواياتٍ نجحت في سرد الحكاية الحقيقية للاحتلال، وترسيخ مفهوم أدب المقاومة في المتن الروائي، لتظل قضايا المقاومة، وحلم العودة إلى فلسطين، بجانب معاناة اللجوء والهزيمة المرحلية، ثوابتَ رئيسيةً فيها، وهو ما يفسر كثرة الدراسات التي تناولت هذه الأعمال. وقد تتبع عادل الأسطة صورة الفلسطيني في هذه الروايات، مبرزاً تعدد تمثلاتها وتحولاتها، من لاجئٍ مُقتلع من أرضه، إلى فدائيٍّ منخرطٍ في الفعل النضالي، وصولاً إلى شخصية قلقة تستعيد ماضيها في سياق حاضرٍ معقّد . وفي هذا الصدد، أشار نقادٌ مثل فيصل درّاج إلى أن هذه الروايات تمثل في جانبٍ منها "ذاكرةً للمغلوبين"، حيث تتحول الكتابة إلى فعل مقاومةٍ ضد النسيان والمحو . ومع تطور التجربة الروائية، أخذت صورة الفلسطيني تتأرجح بين البطولة والانكسار، بيد أن درّاج ينتقد جنوح تلك التجربة إلى المتخيل، وانشغالها بـ"فائضٍ مكبوتٍ يلبّي الرغبة والحنين، ولا يمسّ الواقع إلا قليلاً، ويتعامل ضمناً مع عودة مستحيلة" . وفي وجهة نظر لافتة، يرى علي بدر أن الرواية العربية عن فلسطين تشكل سردية المقهور في مواجهة سردية المنتصر الإسرائيلية، التي تلعب دوراً بارزاً في "بناء أمة مفبركة على حساب أمة ملغاة" . ومع ذلك، فإن حضور فلسطين -رغم كثافته في سياقات معينة- لا يتوزع بالتساوي داخل المتن الروائي؛ إذ يشير سعد البازعي إلى أن حضورها في الرواية العربية غير الفلسطينية يظل محدوداً نسبياً قياساً إلى حجم الإنتاج الروائي العربي . وفي مسار آخر، برزت محاولاتٌ سرديةٌ لتقديم صورة أكثر تعقيداً للآخر، تقوم على التمييز بين اليهودي والإسرائيلي، والسعي إلى مقاربةٍ إنسانية للصراع، كما في رواية "موانئ الشرق" (1991) لأمين معلوف. ورغم هذا الثراء، أحدث الزلزال الذي خلّفه الربيع العربي وما تبعه من انكساراتٍ هيكلية في بعض الدول تحولاً ملحوظاً في الوعي السردي، حيث أفلت مركزية القضية الفلسطينية لصالح الهم المحلي المتفجر، وهو تحولٌ تبدو أصداؤه أكثر تجذراً وتجلياً في الأقاليم العربية الواقعة خارج دول الطوق.
فلسطين في رواية "خارج طوق الاشتباك": المسار والتحولات
تُجسد هذه السمات مجتمعة طبيعة الاشتباك المباشر الذي طبع علاقة دول طوق الاشتباك بفلسطين، مما جعلها موضوعاً حيوياً في رواياتها. ومع ذلك، فإن هذا الحضور -المتشكل ضمن شروط جغرافية وتاريخية محددة- لا يمكن تعميمه على الرواية العربية برمتها، وهو ما يطرح سؤالاً مغايراً: كيف تتجلى فلسطين في الرواية العربية خارج نطاق دول الطوق، حيث تغيب شروط الاحتكاك المباشر، ويتحول الحضور من واقع معاش إلى تمثلات رمزية أو ثقافية؟ وهل تتقاطع سماتها مع رواية دول طوق الاشتباك؟ ومن هذا المنطلق، تتناول هذه الدراسة مجالاً أقل بحثاً، وهو تمثلات فلسطين في الرواية العربية خارج دول طوق الاشتباك، لا سيما في المرحلة التي تلت الربيع العربي.
دول الخليج والجزيرة العربية:
تُعدّ الكويت تاريخياً المنصة الأبرز لتمثّلات فلسطين والفلسطينيين في الإنتاج الأدبي، ويعود ذلك لاحتضانها العديد من القيادات الفلسطينية، واستقطابها لأسماء مؤثرة في مجال الثقافة، أمثال غسان كنفاني وناجي العلي وغيرهم. وقد بلغ هذا التأثير ذروته في النتاج الثقافي الكويتي المتميز خليجياً، خاصة في فترة ما قبل عام 1990، كما تجلى في روايتي إسماعيل فهد إسماعيل: "الشياح" (1975) و"الحادثة 67" (1975).
عاشت القضية الفلسطينية حالة من السبات منذ عام 1990 وحتى سنوات قليلة مضت، حين عاد الحضور الإنساني لفلسطين في أعمال إسماعيل، في خطوة تصالحية مع الماضي ومحاولة لإعادة فلسطين إلى الصدارة بعد تغييبها وتجاهلها، لا سيما أن التوجّه العام في المنطقة خلال فترة "الربيع العربي" وما بعدها صار يميل بوضوح نحو تهميشها كقضية ذات أولوية. وقد تجسد ذلك في استعادة سيرة شخصيات فلسطينية بارزة، مثل ناجي العلي، في روايتي "في حضرة العنقاء والخل الوفي" (2015) و"على عهدة حنظلة" (2017)، حيث يبدأ السرد بصوت ناجي العلي أثناء غيبوبته بعد محاولة اغتياله، وهو يصارع الموت في رحلة تسترجع ذكريات الكويت، التي شكلت مرحلة تأسيسية ومصيرية في تاريخه وسيرة رفاقه وأفكاره.
من جهة أخرى، تحضر فلسطين والفلسطينيون بشكل ثانوي في رواية "فئران أمي حصة" (2015) لسعود السنعوسي، التي تمثل سردية عاطفية يستعيد فيها الكاتب بحسرة تجربة طفل يحمل ذاكرة وطن، راسماً الأخطار التي تهدده، مثل صعود العصبيات الشعبوية والطائفية، وانحسار الاهتمام بفلسطين كقضية العرب الأولى لدى الجيل الشاب، كما يتجلى في تساؤل: "القدس؟.. وين هذي؟!".
لقد جسّد السنعوسي المجتمع الكويتي في تنوعه الثقافي خلال أحلك فترات تاريخ الكويت وتاريخ الحضور الفلسطيني فيها، وهي مرحلة ما بعد الغزو العراقي، تلك الحقبة التي عاش فيها الفلسطينيون موقفاً ملتبساً، تجلى في صرخة "أبو سامح" بوجه من اتهمه بخيانة الكويت: "أنا كويتي أكثر منك" . وفي حضور مميز، تبرز شخصية "حصة"، العجوز التي تمثل القيم التقليدية والأصالة، وتواجه بحكمتها وفطرتها ما سمته "الفئران" من فتن وحروب وطاعون يهدد نسيج المجتمع؛ إذ تمثل حصة ماضياً يواجه سخرية الحاضر من قولها "تبرعوا لفلسطين"، لترد قائلة: "تضحك عليّ يا يهودي؟!".
أما في الرواية السعودية، فقد كان التحول في تمثل القضية الفلسطينية ملموساً بشكل تدريجي، فبينما يظهر الفلسطيني "زياد" في رواية "سيقان ملتوية" (2006) لزينب حنفي مثقلاً بانتماء يبدو كقدر لا فكاك منه، نجد لاحقاً -في سياق ما بعد الربيع العربي- تحولاً نحو ما يمكن تسميته بالحضور المعاكس، حيث بدأت الشخصيات اليهودية تتصدر المشهد الروائي، على نحو أعمال: "أحببت يهودية" (2014) لوليد أسامة خليل، و"يهودية مخلصة" (2015) لسالمه الموشي، و"مجنون ليلى اليهودية" (2016) لحمد حميد الرشيدي، و"غربة يهودية" (2020) لرجاء بندر، و"الليدي تالي – الأحساء 1912" (2020) لفوزي صادق، فضلاً عن "حلمي يهودي" (2021) للإماراتية مريم العفاد المنصوري. في هذه الأعمال التي سبقتها روايات عربية عديدة في بلدان طوق الاشتباك تحمل عنواناً أو مضموناً مشابهاً، لا يظهر الآخر كخصم سياسي مباشر، بل كشريك تاريخي له قصته وهواجسه وبصمته الخاصة.
وإذا تجاوزنا المثالين الكويتي والسعودي، يبدو حضور فلسطين في الرواية الخليجية متفاوتاً، بل نادراً وغير مستقر. ففي رواية "شهادة وفاة كلب" (2016) للعُمانيِّين سليمان المعمري وعبد العزيز الفارسي، تظهر السياسة خلفيةً رمزيةً؛ إذ تدور أحداث الرواية في قالب ساخر داخل بلد متخيل يُدعى "فرقد" خلال عام 2008، الذي وافق الذكرى الستين لنكبة فلسطين، حيث يُصوّر الكاتبان الحنين الجارف الذي يحمله الفلسطيني في منفاه، وما يعانيه من ظلم ذوي القربى والمحتل على حد سواء. ومع ذلك، لا تتجسد فلسطين كقضية أو شخصية سردية واضحة، وكأنها جزء من غياب أوسع يلفّ القضايا الكبرى. وفي ملاحظة تخص اليمن، نجد في الشعر اليمني حضوراً فلسطينياً أكثر مباشرة وتفاعلاً مقارنةً بالرواية اليمنية.
دول المغرب العربي:
على الرغم من حداثة الرواية المغاربية كشقيقتها الخليجية، فقد شهدت مرحلة ما قبل الربيع العربي نماذج بارزة تناولت فلسطين بوصفها سردية جامعة، حيث حضرت القضية كمتنفس وجداني للهمّ العربي العام أكثر من كونها تجربة معيشة مباشرة. فقد شكّلت أعمال مثل "الصدمة" (2005) لياسمينة خضرا، وعلى الخصوص "سوناتا لأشباح القدس" (2009) لواسيني الأعرج، نموذجاً مبكراً لاشتغال سردي يراوح بين مساءلة الداخل الإسرائيلي وإعادة قراءة المحطات التاريخية المؤسسة بنبرة نقدية. وفي شكل مغاير، ظل حضور فلسطين في الكتابة المغربية والتونسية أقرب إلى الالتزام الرمزي أو التمثيل العاطفي، كما تجلّى في تجارب سابقة مثل رواية "النار والاختيار" (1969) لخناثة بنونة.
ومع تحولات ما بعد الربيع العربي، بدأ هذا التمثيل يشهد واقعاً مشابهاً لما رصدناه في الخليج، ففي الرواية الجزائرية، كعمل واسيني الأعرج اللاحق "مي: ليالي إيزيس كوبيا" (2017)، أو عمل عز الدين ميهوبي "سيرة الأفعى" (2022)، يستمر الحضور الفلسطيني بصبغة عاطفية بعيداً عن الخطاب التعبوي المباشر. أما في الرواية المغربية، على غرار "الموتشو" (2023) لحسن أوريد، فتُدرج فلسطين داخل أفق فكري أشمل، يظهر فيها "الآخر" حاضراً دون مسوّغ: "لماذا كل هذا الاهتمام باليهود؟ لماذا أقحم كثيرا من الكتب والتي تتحدث جلها عن مأساة اليهود وتاريخهم وعلاقتهم بالعرب؟". تتسم هذه الرواية بمراجعة تاريخية ضمن قالب عقلاني، أو -وفق قراءات نقدية أخرى- بروحٍ انهزامية ، حيث تصفها دار النشر بأنها "مرافعة أدبية لما يعتري العالم العربي، وما يتوزعه، وعلاقته بالآخر، منذ الفترة المؤسسة، مع حلم الوحدة، وما رافقها من انكسار، إلى الربيع العربي، فالأصولية، حتى موجة التطبيع".
تُعد ليبيا وتونس حالتين خاصتين نسبياً في هذا الإقليم؛ إذ يتخذ الحضور الفلسطيني طابعاً سياسياً وعسكرياً متأثراً بتجارب تاريخية خاصة فيهما، مما ينعكس في أعمال أدبية تُبقي على البعد النضالي حياً داخل السرد. في الرواية التونسية، يظهر مسار مختلف تحافظ فيه فلسطين على حضورها بصفتها جرحاً إنسانياً غائراً، ففي أعمال حفيظة قارة بيبان، ولا سيما رواية "العراء" (2013)، تتجسد فلسطين محوراً سردياً عاطفياً ورمزياً، حيث تتداخل قصة الحب مع النضال، ويتحول المرض إلى صرخة عن الإنهاك الفلسطيني. ومع ذلك، نجد في أعمال أحدث، مثل "نساء هيبو وليال عشر" (2024)، أن هذا الحضور يتراجع من المركز إلى الهامش ليصبح جزءاً من وجع عربي مشترك لا القضية الوحيدة. عموماً لا يمكن فصل هذا التشكّل عن الأبعاد الجغرافية والثقافية، فالقرب النسبي لبلدان المغرب العربي من أوروبا، وما رافقه من تاريخ استعماري وتجارب حداثية ريادية، أسهم في إعادة توجيه البوصلة السردية نحو أسئلة الهجرة والذات بدلاً من التمركز حول القضايا القومية الكلاسيكية.
وإذا كانت الرواية المغاربية قد قدّمت حضوراً متبايناً لفلسطين، فإن أدب الرحلة يقدّم مساراً موازياً لا يقل أهمية؛ إذ يسمح هذا الجنس السردي، كما في كتاب "أشواق الرحلة المغربية" (2020) للناقد والروائي أحمد المديني، باستعادة فلسطين بوصفها تجربة معيشة ومشاهدة مباشرة لا مجرد بناء تخييلي، يردم فجوة البعد "الاشتباكي" التي تفتقدها الرواية المغاربية غالباً، ويعيد للقضية ملمسها الإنساني المباشر.
الدول العربية شرقي أفريقيا:
تتسم الرواية السودانية وتلك المكتوبة بالعربية في القرن الإفريقي بعاملين جوهريين: الانشغال بالشأن المحلي -من حروب أهلية، واستعمار، وقضايا الهوية والهجرة- والغياب النسبي للاحتكاك المباشر مقارنة بغيرها من المناطق. فتظهر فلسطين غالباً كرمز سياسي أو أخلاقي، أو كامتداد لقضايا اللجوء، أو عبر تقاطع الهويات الإفريقية والعربية واليهودية والإسلامية والمسيحية. ورغم أن الفلسطيني لم يحضر في هذه الروايات كعمالة مهنية أو في مخيمات لجوء، بل كمعلم أول في حركات التحرر -فالثورة الإريترية استلهمت الكثير من أدبيات الثورة الفلسطينية- فإن الرواية في تلك المنطقة قد لا تذكر فلسطين بالاسم دائماً، لكنها تتخذ من النموذج الفلسطيني معياراً لقياس مآسي الشعوب الأخرى، فرواية "مرسى فاطمة" (2013) للكاتب الإريتري حجي جابر لا تتناول فلسطين مباشرة، لكنها تشترك معها في ثيمة الشتات. وينعكس الوضع الحالي لفلسطين في تجليات أكثر وضوحاً لتكون مرآة للمآسي الإفريقية في روايته "رغوة سوداء" (2018)، حيث لا تعد فلسطين قضية تضامن فحسب، بل مكاناً يُعاد فيه إنتاج الظلم من منظور إفريقي. فمن خلال بطل إريتري يدعى "داويت" يسرق هوية يهودية ليهاجر إلى إسرائيل بحثاً عن النجاة، يضعنا جابر أمام مواجهة صادمة؛ إذ لا يكتفي بشتم إسرائيل بشعارات قومية، بل يُؤنسن المواطن الإسرائيلي ليكشف عنصريته الداخلية، حيث نرى الإسرائيلي "الأشكنازي" يحتقر الإسرائيلي "الفلاشا"، ويكتشف البطل الإفريقي أن أرض الميعاد ليست سوى سجن كبير محكوم بالطبقية. هنا، تنحسر الرمزية التقليدية لفلسطين كأرض مقدسة لتصبح ساحة لصراع هويات عالمي، ووجهة معاكسة بشكل دراماتيكي لللجوء؛ حيث تصبح اليهودية قيمة مضافة "هيا أخبرني كم دفعتَ لتصبح يهوديا؟!" ، وتتحول فلسطين إلى مكان "غير متخيل" بعيداً عن "أسطرة" الفلسطينيين الذين "نسجنهم فيها من دون أن ننتبه. نخنقهم ونحن نرتدي الكوفية ونزهو بإضافتها كلمسة أنيقة ليس إلاّ. نخنقهم ونحن لا نرضى منهم إلاّ بالتضحيات الكبيرة، والموت المجاني".
لا تحضر فلسطين بشكل مباشر في الأدب السوداني الكلاسيكي، رواية "موسم الهجرة إلى الشمال" علي سبيل المثال، بل يقتصر حضورها على نقد الاستعمار وأسئلة الهوية، وهي قضايا جوهرية تتقاطع مع الأدب الفلسطيني، وإن كانت نادراً ما تشكل موضوعاً روائياً مستقلاً، إذ تظهر غالباً كرمز أخلاقي بدلاً من كونها مادة سردية. ففي رواية "شوق الدرويش" (2014) للروائي حمور زيادة، يبرز تقاطع مع قضايا الإيمان والعنف في فلسطين، بينما تستعرض رواية "مسبح دارفور" (2012) للكاتب عبد العزيز بركة ساكن المأساة والاضطهاد كتشابه بنيوي مع السردية الفلسطينية.
التحولات التقنية والجمالية في رواية خارج طوق الاشتباك
لم يقتصر التحول في تمثلات فلسطين في الرواية العربية على التغير في موضوعات النص السردي بل رافقه تحول جذري في الأدوات الفنية والتقنيات السردية. فبينما كانت الرواية الكلاسيكية تعتمد غالباً على السرد المتخيل الذي يضخم صورة البطل الفدائي، نجد أن رواية ما بعد الربيع العربي في الأقاليم المدروسة قد تبنت سرداً يعكس سمات المرحلة بكل إخلاص، مثل: التشكك في قداسة القضية الفلسطينية، وفقدانها القدرة على الإقناع. يمكن قراءة هذه التحولات كما صاغها جان فرانسوا ليوتار في كتابه "الوضع ما بعد الحداثي" ، رغم أن مجتمعاتنا ما تزال تزحف نحو الوضع الحداثي، وهذا تناقض يمكن إسقاطه كنتيجة مباشرة لهيمنة العولمة بأدواتها المعرفية التي ساهمت في تراجع السردية الفلسطينية لصالح سرديات محلية تُعنى بالتعددية سواء كحريات فردية أو جندرية أو هوياتية تتحدى شعارات الماضي بل وتتبرأ منه. وبالتالي، يمكن فهم عودة إسماعيل فهد إسماعيل لاستحضار شخصيات مثل ناجي العلي كمحاولة لإعادة تفعيل ذاكرة جمعية في طور التلاشي، مقابل حضور باهت للقضية في أعمال لاحقة تتقدم فيها أسئلة الهوية المحلية على حساب الانتماء القومي الأوسع.
كارتدادات حداثوية في الأدب العربي، تُقرأ تجليات التجريب الأدبي، ومنها تقنية تعدد الأصوات، كمفتاح يشرح سعي الكتّاب لتضمين وجهة نظر "الآخر" بهدف خلق أحداث تتجاوز التقليد الروائي. وهذه التقنية نقدياً تعني تعدد الرواة، أو تعدد الأصوات، وأحيانًا يدل على تعدد الأيدولوجيات الذي يتجلى في تعدد وجهات النظر المعروضة في النص، وهو مظهر تجريبي يقوم به الكاتب بالتناوب بين الأصوات السردية، مثل تغيير صوت الراوي، أو صوت السرد في النص، كاعتماد السارد الجماعي، أو السارد الغائب، أو المونولوج الداخلي. ويتحقق ذلك مثلًا بمقطع نصي يُروى بضمير الغائب، ثم فجأة يتم الانتقال إلى ضمير المتكلم، أو بفقرة بصيغة متعددة الأصوات يليها مقطع بحوار داخلي أو مونولوج، ويهدف ذلك إلى تنويع وجهات النظر. ويهدف هذا التكنيك التجريبي إلى كسر سلطة السارد العليم والموحّد، لتمكين شخوص مختلفة من الإدلاء بأصواتها ووجهات نظرها دون أن تُهيمن رؤية واحدة على النص. ويُعرّف ميخائيل باختين تعدد الأصوات بالحوارية، حيث لا تمثل الشخصيات في العمل السردي الشخص الغائب، وإنما المخاطب الذي يتحاور معه الكاتب ويتحداه ويصغي إليه، وهو ما يحفّز تداعي أصوات أخرى ويرجحها.
يسمح تعدد الأصوات للقارئ، من خلال سرد القصة من زوايا مختلفة وعبر شخصيات متنوعة، بحرية الحكم واستيعاب جميع الاحتمالات، وإسقاط منظور كل صوت مسموع باستقلالية فريدة؛ إذ "يتجلى أساسًا تعدد الأصوات حيث تتعايش عدة أصوات متميزة في النص الواحد نفسه، ويسمح هذا النهج للكتاب بتمثيل العديد من وجهات النظر، وإنشاء أعمال غنية ومتعددة الأبعاد" . ففي رواية "رغوة سوداء" لحجي جابر، تُوظَّف تعددية الأصوات لتفكيك بنية المجتمع الآخر من الداخل كهدف معلن، فيما يشبه "حضوراً معكوساً" لفلسطين يختلف تماماً عن حضورها الجلي في روايات ما قبل الربيع العربي بشكل كبير.
كما وظّف الروائيون السخرية السوداء كأداة لنقد واقع التراجع القومي، كما يظهر في رواية "فئران أمي حصة" لسعود السنعوسي، حيث تُستدعى الشعارات القديمة في قالب ساخر يكشف تآكلها لدى الأجيال الجديدة. كما اعتمد الكتّاب تقنيات "الميتاسرد" لاستجواب الذاكرة الموروثة، مما ساهم في كسر الحواجز المتخيلة، وتقديم فلسطين في صورتها الحقيقية، بدلاً من حصرها في إطار صورتها الرومانسية بعيدة المنال.
تجريبياً أيضاً، عمد إسماعيل فهد إسماعيل إلى الاستعانة بتقنية "استعادة الشخصية" أو "إعادة تدوير الشخصيات"، في روايتيه "في حضرة العنقاء والخل الوفي" (2015) و"على عهدة حنظلة" (2017) حيث ظهر فيهما ناجي العلي. يخدم هذا التوظيف أغراضًا متعددة، كأن يوسع العالم الروائي، أو يستكشف جوانب جديدة لتلك الشخصية، أو يبني روابط بين أعمال الكاتب المختلفة. ويمكن اعتبار هذه الاستعادة شكلًا من أشكال "ما وراء السرد"، لأنها تزيد وعي القارئ بتعدد الأعمال وتمنحه خلفية عن الشخصيات وصفاتها، مما يفتح مجالًا أوسع لمقارنة تطور هذه الشخصيات ونضجها واسترجاع أجواء النصوص السابقة.
بينما كتغوّل في الواقعية المفرطة، والتماهي مع التحرر من قيود الأدب الملتزم، مارست بعض الروايات ما يمكن تسميته بإعادة رواية التاريخ المسكوت عنه، ويتجلى ذلك في اللجوء الواضح لإعادة قراءة "الآخر" كشريك وطني سابق واستحضاره بطريقة انتقائية من ثنايا التاريخ وتقديمه بصورة تكاد تُقدَّم في صورة ناصعة، ليدخل السرد في منطقة "المكان الثالث" وفق مفهوم هومي بابا . وفي هذا الفضاء الروائي المختلط، نجد في النتيجة أن الفلسطيني لم يعد البطل التلقائي ولم يعد الآخر الشيطان المطلق.
خاتمة
ربما تكون وجهة نظر الدراسة أقرب للتشاؤم، لكن جميع القراءات تشير إلى تراجع محورية القضية الفلسطينية في الرواية العربية ككل أثناء فترة الربيع العربي وما بعده، وهو ما يعكس فجوة بين الخطاب الشعبي والواقع الأدبي. هذا التراجع مهد له انكفاء على جميع الأصعدة لصالح قضايا محلية، وانسياق جارف وراء تيارات ليبرالية مهادنة لإسرائيل، ولاسيما بين المثقفين ومنهم كتّاب الرواية، أو إثنية أو مذهبية تخدم التفكيك الداخلي للمجتمعات العربية. لقد انتقلت تمثيلات فلسطين في الرواية -خارج طوق الاشتباك- رغم حداثة هذه الرواية، من مركزية الصراع إلى الهامش؛ حيث ظهر الفلسطيني كشريك في أزمة اللجوء، وباحث عن هوية في المنفى، واضمحلت صورة الكفاح أمام دعوات الواقعية السياسية، وتم إنكار الفدائي المتخيَّل أو المقاوم النبيل بالمطلق مع غياب الفدائي بكل ظهوراته عن المشهد الروائي. كما تخلت السردية الروائية عن دورها المقاوم لتتجه لعالم المكاشفة والتعرّف على "الآخر" سواء في ديارنا وتاريخنا أو كمستوطن في فلسطين المحتلة، وتبنَّت سردية المهزوم التي تبرر الخلل الاستراتيجي، مفسحةً المجال لتغلغل رؤية وسردية "الآخر" المنتصر التي تلقي بظلالها على وعي القارئ العربي.
