فلسطين في الرواية العربية بين النكبة والنكسة
المقدمة
بسم الله فاتحة كل خير والحمد لله تمام كل نعمة
منذ أن غرست النكبةُ فلسطينَ في قلب التاريخ جرحًا نازفًا في خاصرة الوجع العربي، تحوّلت إلى مأساةٍ باكية في عمق الوجدان العربي، وخيطٍ دمويٍ في النسيج المعرفي للأجيال، والذائقة الأدبية للأمة، وإلى رمزٍ حي يتجاوز حدود الجغرافيا، وحدود التاريخ؛ ليغدو معادلًا موضوعيًا للحرية والكرامة، وللوجود ذاته، وامتحانًا صعبًا للصمود الإنساني والرباط من أجل الحقيقة.
ولم تكن فلسطين في الأدب العربي مجرد مضمون عن نكبة الضياع ونكسة الانكسار، أو موضوع عن الأرض المسلوبة، أو مرثية حزينة باكية عن الدماء المسفوكة، أو أغنية كئيبة عن الديار المهجورة، والذكريات المدفونة تحت بساتين المشمش والرمان، أو تأريخًا منظومًا أم منثورًا لذاكرة الأسى، وفجائع التهجير واللجوء، بل كانت - ولا تزال - فضاءً تتقاطع فيه الذاكرة مع الأسطورة، والواقع مع الحلم، والجرح مع الأمل، والأسى مع الصمود.
وعبرت الرواية العربية بعمق وتنوع، ورصدت منذ النكبة عبء هذا الوطن الممزق، فصاغت من مآسيه صورًا سردية تنبض بالدمع والدم، وتستحيل إلى شهادات حيّة على اقتلاع الإنسان من أرضه، وتشريده في المنافي والمخيمات.
إن حضور فلسطين في الأدب العربي ليس حضورًا عابرًا موقوتًأ أو زخرفًا بلاغيًا، بل هو حضور مصيري جوهري، ينهض على وعيٍ تاريخيٍّ عميق، ويستمد قوته من كون القضية الفلسطينية قد غدت معيارًا أخلاقيًا وامتحانًا للضمير الجمعي للبشرية، فكل نصٍّ روائي أو شعري يتناول فلسطين إنما يكتب في جوهره عن معنى الإنسان، عن الحق المسلوب، وعن مقاومة النسيان، ومن هنا فإن الرواية الفلسطينية والعربية بين النكبة والنكسة لم تكن مجرد تسجيلٍ للهزائم والمذابح، بل كانت فعلًا إبداعيًا يقاوم المحو، ويعيد تشكيل الهوية، ويؤكد أن الكلمة قادرة على أن تكون بندقيةً أخرى في معركة الوجود.
لقد تجلّت فلسطين في الرواية العربية كأرضٍ مسلوبة، وذاكرةٍ مثقلة، وجرحٍ مفتوح، لكنها أيضًا تجلّت كحلمٍ بالعودة، وكوعدٍ بالحرية، وكأفقٍ يتجاوز حدود الهزيمة وعتمة الواقع، والأدب العربي في تلك المرحلة لم يكن مجرد انعكاسٍ للنكبة والنكسة، بل كان مرآةً للروح العربية وهي تواجه امتحانها الوجودي الأصعب، وتبحث عن خلاصها في الكلمة كما في الفعل.
والقضية الفلسطينية من أبرز القضايا التي شكّلت وجدان الأدب العربي الحديث، حيث ارتبطت الرواية العربية منذ منتصف القرن العشرين بالتحولات السياسية والاجتماعية التي فرضتها النكبة عام 1948م، والنكسة عام 1967م، ولم تكن الرواية مجرد انعكاس للأحداث، أو تسجيل للمأساة وتوثيقها أدبيًا، بل كانت أداة مقاومة، ووسيلة لتشكيل الوعي الجمعي، ومساءلة الذات العربية.
ونسعى في هذا البحث إلى دراسة صورة فلسطين في الرواية العربية بين النكبة والنكسة، من خلال تحليل نماذج روائية بارزة، واستكشاف البنيةالفنية والرمزية التي وظّفها الروائيون العرب والفلسطينيون لتجسيد مأساة الاقتلاع والشتات، ثم صدمة الهزيمة وإعادة تعريف الهوية، وتجب الإشارة هنا أن بعض الروايات كتبت بعد فترة الدراسة بسنة أو بسنتين أ وأكثر، ولكنها تنتمي إلى تلك الفترة منهجيًا وإبداعيًا، أشرنا إليها ونبهنا إلى تاريخ إصدارها.
الإطاران الزماني والمكاني للبحث:
زمنيًا يغطي بحثنا الفترة الزمنية بين الحدثين الأكثر سوداوية ورمزية في تاريخ العرب الحديث: النكبة الكبرى في مايو 1948م، نكبة إعلان قيام دولة الاحتلال الصهيوني بعد انسحاب قوات الانتداب القوات البريطانية، ثم هزيمة الجيوش العربية، والنكسة في يونيو 1967م، نكسة احتلال القدس والضفة والجولان وسيناء، بعد الهزيمة المذلة للجيوش العربية، تسع عشرة سنة من الوجع والتشظي والتخبط، عكستها الرواية العربية في سردها الهامس المنحني، امتد زمنٌ مثقل بالدموع والرجاء، زمنٌ كان فيه العرب كمن يسير على جسرٍ من نار، يحملون في القلب جرحاً مفتوحاً، وفي الروح حلماً لا ينطفئ، وكانت المخيمات الفلسطينية شاهداً على اقتلاعٍ لم يعرف التاريخ مثله، حيث تحولت البيوت إلى خيام، والذاكرة إلى وطنٍ بديل، والحنين إلى سلاحٍ يواجه الغربة والخذلان.
ارتفع صوت القومية العربية بعد ثورة يوليو 1952م في مصر كأغنيةٍ واعدة، تبشّر بالوحدة والتحرير، وتغرس في النفوس يقيناً بأن الغد سيكون أجمل، كان عبد الناصر رمزاً لهذا الحلم، وكانت الجماهير تهتف باسمه وكأنها تهتف باسم مستقبلها، لكن بين الأمل والواقع، ظلّت المؤامرات تتكاثر، والحدود تتشقق، والعدوان يتربص.
في تلك الحقبة مثَّل الفن والأدب معًا مرآةً للروح الجريحة، قصائدٌ تنزف، ورواياتٌ تبحث عن معنى، وأغنياتٌ تمزج بين الحزن والعزيمة، وكان المثقف العربي يكتب وكأنه يفتش عن طريقٍ وسط الركام، وكان اللاجئ يحلم وكأنه يزرع شجرةً في صحراء.
ثم جاءت النكسة لتسقط القناع عن الوهم العربي، وتكشف أن الحلم القومي الناصري لم يكتمل، وأن الطريق إلى الحرية أطول مما ظنّ الناس، وأقسى وأصعب مما توقعوا، ومع ذلك لم يكن هذا الانكسار نهاية، بل بدايةً لولادة جديدة، حيث خرجت من رحم الهزيمة حركات المقاومة الفلسطينية الحديثة، لتعلن أن الشعب الذي هُجّر لن يموت، وأن الأرض التي سُلبت ستظل تنادي أبناءها.
إنها فترة بين جرحين، لكنها أيضاً فترة بين ولادتين: ولادة الوعي بأن فلسطين ليست قضية شعبٍ وحده، بل قضية أمة بأكملها، وولادة المقاومة التي ستعيد للذاكرة قوتها وللأمل جذوته.
أما المكان فهو الشتات، هو الفلسطيني والعربي في أي أرضٍ كان، وفي أي ركن جلس، هو الذكريات التي حملت معها رائحة الليلك والياسمين، ولم يكن الشتات الفلسطيني وحده هو الذي تفرّق في المنافي، بل كان هناك شتات آخر أكثر خفاءً، وأشد إيلاماً: شتات الكلمة، واغتراب الروائيين والشعراء والمفكرين الذين وجدوا أنفسهم موزّعين بين العواصم، يحملون في حقائبهم أوراقاً مثقلة بالحنين والخذلان.
كان الكاتب الفلسطيني يكتب من بيروت أو دمشق أو القاهرة، وكأن كل مدينةٍ في المنفى صارت بديلاً مؤقتاً عن القدس ويافا وحيفا، بعضهم حمل جراح المخيمات إلى نصوصه، فجعل من الخيمة رمزاً للذاكرة، ومن المنفى مسرحاً للبطولة المكسورة، آخرون انغمسوا في الحلم القومي، فكتبوا عن الوحدة والحرية، وعن الغد الذي سيعيد الأرض إلى أصحابها.
هذا الشتات لم يكن مجرد تباعد جغرافي، بل كان أيضاً تباعداً في الرؤى والأساليب، فبين من كتب بلغةٍ ملحمية تستنهض همم الجماهير، ومن كتب بلغةٍ مأساوية تستبطن الألم، تفتحت مدرسة أدبية جديدة، جعلت من القضية الفلسطينية محوراً للهوية الثقافية العربية، وصار الأدب في تلك الفترة بمثابة وطنٍ بديل، يلمّ شتات الروح حين تعجز السياسة عن لملمة شتات الأرض.
كان الروائيون والشعراء أشبه بطيورٍ مهاجرة لا تستقر في مكان، لكنهم يحملون معهم بذور فلسطين أينما حلّوا، يزرعونها في النصوص في الأغنيات، وفي الذاكرة الجمعية، لتظل القضية حيّة في وجدان الأمة، حتى وإن تاهت الأجساد في المنافي.
الفصل الأول: فلسطين في الرواية العربية ما بين النكبة والنكسة:
نسجت الرواية الفلسطينية والعربية تفاصيل جراح النكبة، وصاغتها في صور المنفى، المخيم، والبحث عن الوطن المفقود، ويمثل غسان كنفاني الصوت الأكثر حضورًا وتأثيرًا في تلك الفترة، ورسم انتاجه الروائي خارطة الوجع الفلسطيني في تلك المرحلة الفارقة في تاريخ العرب الحديث، وكان فعل مقاومة حي بالمعنى الكامل للكلمة.
ففي روايته عائد إلى حيفا (1969) - وإن كانت بعد النكسة إلا أنها أرخت أدبيًا للفترة ما بعد النكبة - صرخة أدبية تختزل مأساة النكبة الفلسطينية في صورة إنسانية مؤلمة، تحكي عن سعيد وصفية اللذين اضطرّا عام 1948 إلى الفرار من بيتهم في حيفا تحت وابل الرصاص والفوضى، تاركين خلفهما طفلهما الرضيع خلدون، وبعد عشرين عامًا يعودان إلى البيت ليجدا أن الابن قد تربّى في كنف أسرة يهودية، وأصبح جنديًا في جيش الاحتلال، يحمل هوية مناقضة لجذوره، والرواية لا تكتفي بسرد الحكاية، بل تفتح جرح النكبة على اتساعه: ضياع الأرض والبيت، تبدّل الهوية، وانكسار الروابط الأسرية تحت وطأة التهجير القسري، وكنفاني يجعل من اللقاء بين الأبوين وابنهما المغترب رمزًا لانشطار الوطن والذاكرة، حيث يتحول البيت المسلوب إلى شاهد على اقتلاع شعب بأكمله، إنها رواية تختصر مأساة الفلسطيني في سؤال وجودي: ماذا يعني أن يُسلب منك بيتك وطفلك وتاريخك في لحظة واحدة؟
بهذا الأسلوب المكثّف المثقل بالذكرى، يقدّم كنفاني نصًا يفيض بالمرارة والوعي، ويجعل من النكبة الفلسطينية ليس مجرد حدث تاريخي، بل جرحًا حيًا يواصل النزف في الذاكرة والوجدان.
وفي روايته رجال في الشمس (بيروت - 1963م)، يقدّم غساني كنفاني مأساة ثلاثة فلسطينيين يحاولون الهجرة سرًا إلى الكويت بحثًا عن حياة أفضل، لكنهم يموتون مختنقين في صهريج شاحنة، وهنا تتحول النكبة إلى رمز للخذلان الجماعي، ويطرح كنفاني سؤالًا وجوديًا أيقونيًا: "لماذا لم يدقوا جدران الخزان؟".
وانتقد كثيرون هذه النهاية بشدة، متهمين غساني كنفاني بأنه رمى الفلسطينيين العزل في غياهب النسيان، إلا أن قراءة أخرى أكثر إقناعًا تأخذ في الحسبان موقف القومية العربية في وقت كتابة الرواية ونشرها، ففي أوائل الستينيات، هيمنت القومية العربية -الاعتقاد السياسي والفلسفي بأن جميع العرب سيتحدون لتشكيل أمة واحدة- على خطاب السياسيين والناشطين، ولكن إذا كانت القومية العربية أكثر من مجرد أيديولوجية، فلماذا كان على الفلسطينيين المخاطرة بحياتهم لدخول دولة عربية شقيقة؟ وإذا كان العرب شعبًا واحدًا، فلماذا كان الفلسطينيون لا يزالون يعيشون في مخيمات اللاجئين؟ من هذا المنظور تُظهر نهاية رواية رجال في الشمس أن قادة القومية العربية -وليس كنفاني- هم من كانوا يرمون الفلسطينيين في غياهب النسيان.
وأما في روايته (ما تبقى لكم) سنة 1966م فيقدَّم غسان كنفاني صورة الفلسطيني الممزق بين المنفى والمقاومة، حيث تتحول الصحراء إلى فضاء رمزي للتيه، بينما يظل الوطن حاضرًا كهاجس لا يغيب.
وتتميّزُ روايةُ ما تبقّى لكم عن بقيّة روايات غسّان كنفانيّ بثلاثة قضايا، أوّلها عنوان الرواية الذي يتوجّه خطابًا إلى عموم الشعب الفلسطينيّ سواءً كصيغة إثباتٍ أو استفهام، في حين ارتبطت عناوينُ كلّ رواياته بشخصيّاتها، وثانيها بالتركيز على العلاقة بين الشخصيّتين الفلسطينيّة والإسرائيليّة بشكلٍ إضافيٍّ بوصفِها علاقةَ صراعٍ مصيريّ، وبشكلٍ يختلفُ عن المشهد الحواريّ في رواية عائد إلى حيفا، أما ثالثها فهو اعتماد أسلوب تيّار الوعي في سرد أحداث الرواية.
وجبرا إبراهيم جبرا فى روايته في السفينة (دار الآداب - لبنان 1969)، وإن كانت بعد النكسة، إلا أنها تحمل تداعيات النكبة، حيث تتحول السفينة إلى رمز للمنفى، وللبحث عن هوية، وتتناول الرواية قصص مجموعة من الشخصيات التي تلتقي على متن (سفينة سياحية) تعبر البحر الأبيض المتوسط، ويُسرد العمل بأسلوب يعتمد على تعدد الأصوات، مما يتيح للشخصيات التعبير عن وجهات نظرها ورؤاها المختلفة حول القضايا التي تواجهها.
وتتمحور هذه الرواية حول عدة شخصيات تجتمع على متن السفينة، هم وديع عساف، وهو فنان عراقي مغترب، وأمير البحري، رجل الأعمال الفلسطيني اللاجئ، وهيلين وبثينة، تلك الشخصيات تعكس تنوع الطبقات الاجتماعية والسياسية والثقافية في العالم العربي، ومن خلال الحوارات والاسترجاعات يكشف العمل عن معاناة كل شخصية سواء على المستوى الشخصي أو القومي، ويتطرق الكاتب إلى مواضيع التشريد واللجوء الذي يعاني منه الشعب الفلسطيني منذ نكبة 1948م، مع تسليط الضوء على مشاعر الفقد والحنين إلى الوطن، كما تعكس الرواية الأوضاع الاجتماعية والسياسية السائدة في العالم العربي في ذلك الوقت، وخاصة المتعلقة منها بالحرية والقهر والتغيير.
وتعد السفينة رمزًا للبحث عن الخلاص والهروب من الواقع، حيث تجمع الشخصيات بين ماضٍ مثقل بالألم وطموحات غير مؤكدة للمستقبل، فيما تحكي كل شخصية عن تجربتها، يكشف العمل عن تصادم بيِّن بين القيم التقليدية والتحديات الحديثة التي تواجهها المجتمعات العربية، وتنتهي الرواية بنهاية مفتوحة تاركة للقارئ مساحة للتفكير في مصائر الشخصيات وما تمثله من قضايا إنسانية.
لقد عاش العالم العربي في تلك الفترة مرحلة من المد القومي بقيادة جمال عبد الناصر، حيث ارتبطت فلسطين بخطاب الوحدة والتحرر، والرواية العربية عكست هذا الخطاب، لكنها أيضًا كشفت تناقضاته.
فإميل حبيبي في روايته ’’الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل‘‘ (1974)، وإن كانت بعد النكسة، إلا أنها تحمل نقدًا لاذعًا للواقع الفلسطيني داخل إسرائيل، وتكشف مأساة التعايش القسري مع الاحتلال، وهي عمل أدبي ساخر عميق، ينسج خيوط الحكاية بين عبثية الفرد الفلسطيني وضياعه في واقع الاحتلال وبين مأساة جماعية تتكرر بلا نهاية، سعيد بطل الرواية شخصية متناقضة تجمع بين التفاؤل المفرط والتشاؤم المزمن، فيغدو مرآة لواقع الفلسطيني الذي يعيش تحت القهر، يحاول أن يتشبث بالحياة بينما تتكالب عليه الهزائم.
والرواية تكشف بذكاء عن مأساة القضية الفلسطينية: الأرض المسلوبة، الهوية الممزقة، والوجود المعلّق بين الأمل واليأس عبر السخرية السوداء، يفضح إميل حبيبي تناقضات الاحتلال، ويُظهر كيف يتحول الفلسطيني إلى "غريب" في وطنه، وكيف يُحاصر بين الانتماء والاغتراب. إنها شهادة أدبية على أن القضية ليست مجرد صراع سياسي، بل مأساة إنسانية وجودية، حيث يصبح اختفاء سعيد رمزًا لاختفاء العدالة نفسها، وبقاء الفلسطيني في مواجهة قدره المعلّق.
وأما سحر خليفة في رواياتها مثل ’’لم نعد جواري لكم‘‘ تطرح قضية المرأة الفلسطينية، وتربط بين التحرر الوطني والتحرر الاجتماعي، وهي تقدم رؤية ثورية جريئة، حيث تتخذ المرأة الفلسطينية موقعها كصوت مقاوم، رافضةً أن تُختزل في دور التابع أو المستسلم، والرواية تكشف عن وعي جديد يتشكل في ظل الاحتلال، وعي يربط بين التحرر الوطني والتحرر الاجتماعي، ويؤكد أن القضية الفلسطينية ليست فقط قضية أرض مسلوبة، بل أيضًا قضية إنسان يرفض أن يُستعبد أو يُقصى، ومن خلال شخصياتها، تبرز الرواية أن الفلسطينيين لم يعودوا يقبلون أن يكونوا "جواري" في بيت الاحتلال أو في خطاب الهيمنة، بل أصحاب حق وكرامة، يواجهون القهر بالوعي والتمرد. إنها نص أدبي يختزل جوهر القضية الفلسطينية: التحرر من الاستلاب بكل أشكاله، والتشبث بالحرية والعدالة كقدر لا رجعة عنه.
إن الرواية الفلسطينية بين النكبة والنكسة انتقلت من تصوير المأساة إلى مساءلة الذات، ومن خطاب الضحية إلى خطاب المقاومة، كنفاني مثّل صوت المقاومة المبكر، بينما حبيبي مثّل صوت السخرية والنقد، وسحر خليفة مثّلت صوت المرأة والبعد الاجتماعي.
لقد كانت نكسة 1967م لحظة انهيار للخطاب القومي، وانعكست في الرواية كصدمة وجودية، الروائيون العرب والفلسطينيون قدّموا نصوصًا تكشف العجز، وتعيد مساءلة الأنظمة والمجتمعات، ونقد الذات العربية.
فصنع الله إبراهيم في رواية ’’اللجنة‘‘ يقدّم نقدًا للبيروقراطية والسلطة، ويكشف عن مأزق الإنسان العربي بعد الهزيمة، صحيح أن الرواية كتبت بعد النكسة لكنها مرآة لزمن الهزيمة، حيث يتجسد فيها الفرد المقهور أمام سلطة غامضة متشعبة، لجنة تحاكمه بلا سبب واضح وتستنزف روحه بأسئلة عبثية لا تنتهي.
والرواية تكشف عن مأساة الإنسان العربي بعد النكسة، حين تحولت السلطة إلى جهاز بيروقراطي متوحش يلتهم الأفراد ويجردهم من المعنى، كما تكشف عن أثر النكبة الممتد في الوعي الجمعي، إذ يصبح الماضي المثقل بالهزائم عبئًا يضاعف حاضر الانكسار. في نص مكثف، يعرّي صنع الله إبراهيم آليات القمع والاغتراب، ويجعل من اللجنة رمزًا للسلطة التي لا تُرى ولكنها تتحكم، ومن الفرد رمزًا لأمة تبحث عن خلاص فلا تجده إلا في مواجهة عبثية مع فراغ التاريخ.
أما عبد الرحمن منيف في رواية ’’الأشجار واغتيال مرزوق - 1973‘‘ فيطرح قضية الحرية والقمع، في سياق الهزيمة، وهيىإن لم تكن مباشرة عن فلسطين، إلا أنها تعكس أثر النكسة على الوعي العربي، وتربط بين القمع السياسي والخيبة الجماعية التي ولّدتها الهزائم.
ورواية ’’الزمن المتوحش‘‘ لحيدر حيدر تلتقط أجواء ما بعد النكسة، حيث تتقاطع القضية الفلسطينية مع أزمة المثقف العربي في مواجهة القمع والخذلان، تدور الرواية عما حدث بعد هزيمة 1967م ما الذى حدث بالضبط فى الناس، كيف وجد المثقفون أنفسهم أمام كارثة حقيقية أصابتهم بأزمة دائمة، وقد قيل عن الرواية أنها مثل سراب خادع يلمع فوق سهوب بعيدة، سراب يمتد ويمتد، هكذا يبدو الآن ركام حكايات "الزمن الموحش" شفافاً لامعاً، عصياً على اللمس، عصياً ربما على الإدراج، حكايات حيدر حيدر التى أفلتت فى غروب يوم كئيب مع شمس دمشقية، تهوى بلا استئذان خلف قمة قاسييون الأجرد لتحكى زمن الفشل العربي... قصص تمتزج بالأسى... باللوعة... بالحزن... فكيف السبيل إلى إيقاظ العربى الغائب فى زمن حكم على إسرائيل بالانتصار وعلى العرب بالهزيمة!!
ها هم هناك ضائعون بلا ذاكرة، غارقون فى مستنقع التاريخ، ولدوا فى عوالم مختلفة، متناقضة، عوالم فردية، جاؤوا من بلاد بعيدة قصية مطرودين، ملهوفين، مسكونين بالأحلام والمجد والظمأ، وهنا عاشوا بحنين لا حدود له لماضيهم وللرحم الذى انسلوا منه يوما، بعد أن نسوا بناء مدن نفوسهم فى صحارى مقفرة، يحدها الانقراض من الجنوب، والاغتصاب من الشمال، ومن الغرب البحر، ومن الشرق الرمل، وتحت جلودهم وشل التاريخ كله، أحسهم تاريخا عابرا، حفر على جدران ذاكرتى لكن ذلك التاريخ عصى على اللمس، متمرد على التكوين السوى، بينما تتقدم "منى" بهية، موردة كالشفق، وهم يمضون بأعمارهم وتواريخهم الملوثة والمدماة كأنما أخذتهم غيبوبة.
الفصل الثاني: البنية الفنية والرمزية للرواية العربية ما بين النكبة والنكسة:
في يخص تحليل البنية السردية فإن الروايات العربية بعد النكبة اتسمت بالواقعية النقدية، حيث وظّف الروائيون شخصيات مأزومة وأحداثًا مأساوية، لتجسيد حالة الاقتلاع والضياع، المكان (المخيم، الصحراء، السفينة) أصبح رمزًا للمنفى، بينما الوطن ظل غائبًا حاضرًا في الذاكرة، وفي هذا وظفت الرواي والعربية والفلسطينية تقنيات متعددة منها:
• تيار الوعي: كما في أعمال جبرا إبراهيم جبرا، حيث يعكس التيه النفسي للشخصيات.
• الرمزية: كما في أعمال غسان كنفاني، حيث يتحول الخزان أو الصحراء إلى رموز للخذلان والتيه.
• الواقعية النقدية: كما في عند صنع الله إبراهيم، حيث يكشف الواقع السياسي والاجتماعي.
• صورة المكان: فالمكان في الرواية الفلسطينية ليس مجرد فضاء جغرافي، بل هو رمز للهوية. المخيم، المنفى، السفينة، الصحراء، كلها صور للمكان المفقود، بينما الوطن يظل حاضرًا في الذاكرة والرمز.
• ثنائية الأمل واليأس: فالرواية بين النكبة والنكسة تتأرجح بين اليأس (الموت في الخزان، التيه في الصحراء) والأمل (المقاومة، البحث عن الحرية). هذه الثنائية تعكس الوعي الجمعي العربي في تلك المرحلة.
بين النكبة والنكسة تشكّلت الرواية العربية كجسدٍ مثقلٍ بالجرح، وكروحٍ تبحث عن معنى وجودها وسط انهيار الأحلام الكبرى، لقد كانت البنية الفنية للرواية في تلك المرحلة انعكاسًا مباشرًا لصدمة التاريخ، حيث لم تعد الحكاية مجرد سردٍ لأحداث أو مصائر فردية، بل غدت فضاءً متشظيًا تتقاطع فيه الأصوات، وتتداخل الأزمنة، وتتشابك الرموز في محاولة لاستيعاب الفاجعة، فالرواية لم تكتفِ بالواقعية التقليدية، بل راحت تستعين بتقنيات تيار الوعي، وتكسير البنية الزمنية، وتعدد المنظورات، لتجسيد حالة التمزق النفسي والجماعي التي عاشها الإنسان العربي بعد سقوط فلسطين ثم بعد هزيمة حزيران.
إن الرمزية التي ارتكزت إليها تلك الروايات لم تكن زخرفًا بل ضرورة وجودية؛ فالأرض تحولت إلى أمٍّ جريحة، والبيت إلى ذاكرة مهددة، والشخصيات إلى كائنات معلّقة بين الحلم والخذلان، الرموز الكبرى – كالمفتاح، والرحيل، والعودة المؤجلة – صارت علامات على هوية مفقودة، وعلى أملٍ يتجدد رغم الانكسار، حتى اللغة نفسها اكتسبت طابعًا مأساويًا، إذ راحت تتأرجح بين الصراخ المكتوم والهمس الممزق، بين الشعرية المكثفة والواقعية الفجّة، لتصوغ خطابًا يليق بمرحلة لم يعرف فيها الإنسان سوى الانكسار والانتظار.
لقد حملت الرواية العربية بين النكبة والنكسة عبء إعادة تعريف الذات، فكانت البنية الفنية انعكاسًا لوعيٍ مأزوم، والرمزية تجسيدًا لبحثٍ عن معنى في عالمٍ فقد توازنه، إنها رواية الجرح المفتوح، رواية السؤال الذي لا يجد جوابًا، ورواية الحلم الذي يتجدد رغم كل شيء، ومن هنا اكتسبت فرادتها، إذ جمعت بين الواقعية المرة والرمزية الكونية، بين التاريخ الملموس والخيال الذي يحاول أن يرمم ما تهشّم، إنها شهادة فنية على زمنٍ لم يكن فيه الأدب ترفًا، بل ضرورة للبقاء، وصوتًا يصرّ على أن يكتب ذاته في مواجهة العدم.
غسان كنفاني وعبد الرحمن منيف قدّما نماذج روائية فريدة جسّدت مأساة النكبة والنكسة، حيث امتزجت البنية الفنية بالتجريب الرمزي لتصوير الجرح الفلسطيني والعربي، فكانت أعمالهما بمثابة شهادة أدبية على زمن الانكسار والبحث عن هوية.
في أعمال غسان كنفاني مثل رجال في الشمس وما تبقى لكم وعائد إلى حيفا، تتجلى البنية الفنية في شكلٍ مأساوي يعبّر عن ضياع الإنسان الفلسطيني بين المنفى والذاكرة، في رجال في الشمس، يختزل كنفاني مأساة الفلسطينيين في رحلة الموت داخل صهريجٍ مغلق، حيث تتحول البنية السردية إلى استعارة عن الصمت القاتل، وعن سؤالٍ وجودي يلاحق القارئ: لماذا لم يدقوا جدران الخزان؟ هنا تتجلى الرمزية في أقصى صورها، إذ يصبح الخزان رمزًا للهزيمة الجماعية، والصمت رمزًا للعجز، والموت رمزًا للخذلان التاريخي.
أما في عائد إلى حيفا، فإن البنية الفنية تقوم على مواجهة الماضي بالحاضر، حيث يلتقي الأبوان بابنهما الذي تربى في بيتٍ إسرائيلي، فيتحول النص إلى حوارٍ مأساوي بين الهوية المفقودة والواقع المفروض، وتصبح الرمزية هنا تجسيدًا لفقدان الوطن والابن معًا، أي فقدان المستقبل ذاته.
أما عبد الرحمن منيف، فقد قدّم في رواياته مثل الأشجار واغتيال مرزوق وشرق المتوسط رؤيةً أوسع للنكسة، حيث لم يقتصر على البعد الفلسطيني، بل وسّع الدائرة لتشمل أزمة الحرية والوجود في العالم العربي في شرق المتوسط.
تتجلى البنية الفنية في سردٍ متشظٍ يعكس تجربة السجن والتعذيب، حيث يتحول الجسد إلى نصٍّ يروي مأساة الإنسان العربي في مواجهة القمع.
والرمزية هنا تتجاوز حدود المكان لتصبح صورةً عن الوطن العربي كله، حيث السجن رمزٌ للواقع السياسي، والتعذيب رمزٌ للهزيمة الداخلية، والانكسار النفسي رمزٌ لفقدان القدرة على الحلم، ومنيف بذلك يربط النكسة بالهزيمة الوجودية، ويحوّل الرواية إلى نصٍّ كوني عن الحرية المسلوبة.
إن الجمع بين كنفاني ومنيف يكشف عن تنوع البنية الفنية والرمزية للرواية العربية بين النكبة والنكسة:
– كنفاني ركّز على الجرح الفلسطيني المباشر، مستخدمًا الرموز البسيطة المكثفة (الخزان، المفتاح، العودة).
– منيف وسّع الأفق ليجعل من الهزيمة تجربةً عربية عامة، مستخدمًا الرموز الكونية (السجن، الجسد، الحرية).
بهذا تكتسب الرواية العربية في تلك الحقبة فرادتها، إذ لم تكن مجرد تسجيلٍ للحدث التاريخي، بل كانت إعادة صياغة للوعي الجمعي، وتحويل المأساة إلى نصٍّ فني يليق بمرحلةٍ لم يعرف فيها الإنسان سوى الانكسار والبحث عن معنى.
الخاتمة
إن الرواية العربية التي تناولت القضية الفلسطينية بين النكبة والنكسة تمثل وثيقة أدبية وتاريخية بالغة الأهمية، إذ استطاعت أن تُعيد صياغة الوعي الجمعي العربي من خلال رصدها لتجربة الاقتلاع والتهجير، ثم تعميقها لأسئلة الهوية والانكسار بعد الهزيمة. لقد انخرطت هذه الرواية في فعل مقاومة ثقافية، حيث لم تقتصر على تسجيل المأساة، بل سعت إلى إعادة بناء صورة الإنسان الفلسطيني والعربي في مواجهة المحو والتهميش، لتغدو نصًا جامعًا مانعًا يجمع بين التوثيق الفني والبعد الرمزي.
وبذلك، فإن الرواية العربية عن فلسطين في هذه المرحلة التاريخية لا تُقرأ بوصفها إنتاجًا أدبيًا فحسب، بل باعتبارها خطابًا حضاريًا ينهض بوظيفة مزدوجة: حفظ الذاكرة من جهة، وتأكيد الوجود والمقاومة من جهة أخرى، إنها نصوص تُبرز كيف تحوّل الأدب إلى أداة مقاومة ووسيلة لتثبيت الهوية، وتُظهر أن الكلمة قادرة على أن تكون جسرًا بين الماضي والمستقبل، بين المأساة والأمل، وبين الهزيمة والإصرار على الحرية.
لقد تناولت الرواية العربية عن فلسطين بين النكبة والنكسة ما وسعها الجهد كل أبعاد القضية:
البعد التوثيقي: الرواية العربية عن فلسطين بين النكبة والنكسة تؤدي وظيفة حفظ الذاكرة الجماعية وتسجيل تفاصيل المأساة.
البعد الهوياتي: النصوص الروائية تعيد بناء صورة الإنسان الفلسطيني والعربي، وتؤكد على الهوية في مواجهة المحو والتهجير.
البعد المقاوم: الأدب هنا ليس ترفًا جماليًا، بل فعل مقاومة ثقافية يواجه النسيان ويثبت الوجود.
التنوع الفني: تنوع الأساليب بين الواقعية والرمزية، وبين السرد التوثيقي والتجريبي، يعكس ثراء التجربة الروائية.
البعد الحضاري: الرواية تُقرأ كخطاب حضاري مزدوج الوظيفة: حفظ الذاكرة من جهة، وتأكيد الوجود والمقاومة من جهة أخرى.
الانفتاح على المستقبل: الخاتمة تؤكد أن الحكاية لم تنتهِ، وأن الكلمة تبقى جسرًا بين الماضي والمستقبل، بين المأساة والأمل.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
مراجع الدراسة:
1 - إميل حبيبي، الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائم، دار ابن خلدون، بيروت، ط1 ، 1974م.
2 - جبرا إبراهيم جبرا، في السفينة، دار الآداب، بيروت، ط2، 1979م.
3 - حيدر حيدر، الزمن المتوحش، دار الآداب، بيروت، 1969م.
4 - سحر خليفة، لم نعد جواري، دار الآداب، بيروت، 1974م.
5 - صنع الله إبراهيم، اللجنة، دار المستقبل العربي، 2001م.
6 - عبد الرحمن منيف، الأشجار واغتيار مرزوق، المؤسسة العربية للدراسات والنشر 1871م.
7 - غسان كنفاني، - رجال في الشمس، بيروت، 1963م.
- عائد إلى حيفا، دار الآداب، بيروت، 1969م.،
- ما تبقى لكم، بيروت، 1966م.
