فلسطين فى الرواية العربية روايات الألفية الثالثة
منذ النكبة شكَّلت فلسطين كقضية مركزية محوراً لقضايا الرواية العربية؛ أعادت عَبرها الرواية العربية تعريف ذاتها وجوهرها ووظيفتها السردية.. فلسطين لم تعد تمثل مكاناً مجرداً من أبعاده التاريخية والإثنية؛ بل غدت فكرة باقية وجرح مزمن وذاكرة جماعية تستدعي الأقلام الهادفة، بهذا المفهوم صارت الرواية الفلسطينية بمثابة مرآة لأسئلة الهوية والعدالة والتاريخ والمشترَك الإنساني.
بدأت الرواية الفلسطينية تتوهج منذ ستينيات القرن الماضي، وطرأت عليها عدة تحولات خلال الثمانينيات والتسعينيات فى المضمون والشكل بموازاة ما طرأ على القضية ذاتها من تحولات، كاتفاقيات السلام، وصعود الانتفاضات، ثم التحولات الإقليمية، وصولاً إلى اللحظة الراهنة بكل تناقضاتها. ولعل المراقب لتحولات الرواية الفلسطينية يدرك بوضوح أن أخصب وأسرع تجلياتها حدثت خلال الربع قرن الماضي، منذ مطلع الألفية؛ وبالتحديد بُعيد هجمات الحادي عشر من سبتمبر؛ وكأنها رسمت مسارها منذ البداية عبر خرائط السياسة العالمية والإقليمية.. ولا يمكننا إدراك هذا الطارئ الحديث فى مسار سرديات فلسطين إلا بعد أن نمر مروراً خاطفاً على الخط القديم لها خلال القرن الماضي..
مدخل:
تطور السردية الفلسطينية فى القرن العشرين
لو شئنا رصد حضور فلسطين؛ كقضية وكشخصية ورمز، فى الرواية العربية، فعلينا أولاً أن نفرِّق بين حضورها المركزي والهامشي، وبين أن تُكتب بقلم فلسطيني اختلط حبر قلمه بالدم، وفلسطيني مغترب يحلم بالعودة، وفلسطيني ولد خارج فلسطين، وبين روائيين عرب يسردون فلسطين من منظور خارجي يتأثر بالقضية ويسردها من موقع الشاهد لا الضحية.
الأقلام الرائدة فى السردية الفلسطينية وُلدت من رحم التجربة والمعاينة والنضال، وهي أقلام تضررت من موقفها النضالي إلى حد التعرض للقصف والفناء. لهذا تعلمت الأقلام القادمة أن تتحلي بالذكاء والمرونة والقفز على حواجز المنع والإقصاء بآليات سردية مرواغة؛ كالترميز والتأويل والتهكم والإسقاط، وبتيارات سردية تستدعي الفلسفة والتحليل وإثارة ملكات التخييل والتفكير والاستنباط، وبقضايا ومضامين تبدو هامشية لكنها تستدعي جوهر القضية من أبوابها الخلفية. تلك المرحلة الوسيطة تجلت فيها مظاهر التعدد والتنوع والتباين فى سرديات فلسطين من راوٍ لراوٍ ومن سارد فلسطيني لسارد عربي يجيد قراءة الواقع الفلسطيني.
بدءاً من روايات "غسان كنفاني" الرائدة، انطلق المسار السردي لفلسطين مما يمكن تسميته: "الواقعية النضالية"، إلى "الواقعية الجديدة" عبر مسارات الرواية الفلسفية والنفسية. هكذا غدت الرواية الفلسطينية الأولي بمثابة أداة لتوثيق المأساة وللتعبئة وبناء صوة البطل المقاوم؛ طافت هياكلها حول مفاهيم حادة قاطعة: الاحتلال، المنفَي، المقاومة، العودة، الخذلان..
فيما قبل نكسة 1967 قرأنا أسئلة وجودية جوهرية طُرحت فى روايات "كنفاني"، كما في رواية (رجال فى الشمس، 1963م)، التي تناولت مأساة ثلاثة فلسطينيين حاولوا التسلل للكويت بحثًا عن حياة أفضل، لكنهم ماتوا اختناقًا داخل صهريج ماء! تجاوزت الرواية مفهوم المأساة الفردية إلى مساءلة المحيط العربي عن عجزه وخذلانه، ومساءلة حالة الخضوع والاستسلام على الناحية الأخري؛ تلك التي تجلت فى حالة الصمت القاتل فى نهاية الرواية: "لماذا لم تدقوا جدران الخزان؟"؛ وهو تساؤل وجودى رمزي معبر عن حالة الاستسلام التام والعجز عن الفعل.
وفى رواية: "ما تبقي لكم، 1966م" نتابع رحلة شاب فلسطيني يعبر الصحراء نحو الوطن، بالتوازي مع قصة أخته في غزة.. تميزت الرواية بتقنية السرد المتعدد والزمن المتداخل، حيث تحولت الصحراء إلى رمز للتيه الداخلي.. كشَف العمل عن تحوّل في رؤية كنفاني من تسجيل المأساة إلى البحث عن الفعل والمقاومة، أي الانتقال من السكون والخنوع للمناداة بالحركة والفعل الإيجابي..
الرحلة التي عانَي منها غسان وأبيه من قبله باتت محوراً للشتات والتيه؛ تأكدت وترسخت بعد نكسة 67، فكتب روايته: "أم سعد، 1969" لتقديم صورة المرأة الفلسطينية المناضلة التي تدفع أبناءها للمقاومة؛ ليتحول السرد الذاتي والشخصاني إلى صوت جماعي؛ ولتتحول "أم سعد" من امرأة إلى رمز للأرض الخصبة الصامدة المصرة على البقاء. ووصلت قوة السردية الغسانية ذروتها فى روايته الشهيرة: "عائد إلى حيفا، 1970"، التي سردت قصة زوجين عادا لمنزلهما في حيفا بعد سنوات من التهجير، ليكتشفا أن ابنهما الذي تركاه أصبح جنديًا في الجيش الإسرائيلي!
الرواية تُعدّ من أكثر أعمال كنفاني نضجًا فكريًا، إذ تجاوزت ثنائية الضحية/الجلاد إلى مساءلة الذات.. الرواية طرحت أسئلة قاسية عن المسؤولية والانتماء ومعنى الوطن وتفكك الخطاب العاطفي لصالح رؤية أكثر تعقيدًا وواقعية..
التجربة الغسانية الرائدة تعرَّض قلمها البارع الشاب للقصف والإقصاء؛ كالشهاب المارق احترق شباب "غسان كنفاني" الذي ولد بعكا 1936، ثم استشهد فى بيروت صباح السبت الموافق الثامن من يوليو 1972م مع ابنة شقيقته "لميس حسين نجم" تحت منزله بعملية غادرة من عمليات الموساد الدنيئة..
استشهد غسان، فأنجب قلمه أقلاماً تعددت وتلونت وتنوع إنتاجها الأدبي والسردي جاوز حدود فلسطين للشرق الأوسط كله ثم إلى العالمية.. فظهر المشروع الروائي المتجاوز لحدود الزمن عند "إبراهيم نصر الله"، وظهر الصوت النسوي الفلسطيني مع روايات "رضوي عاشور"، والصوت المتهكم بسخريته المريرة كما لدي "إميل حبيبي". هكذا تشظت السردية الفلسطينية الشهيدة لعشرات النُسخ التي غذتها روح المقاومة والنضال، واكتسبت باستشهاد غسان قدرة أكبر على التحدي والمنَعة والرغبة فى الديمومة والاستمرارية..
فلسطين فى روايات الألفية الثالثة (2000: 2025)
رواية فلسطين ما بعد الألفية الجديدة انقسمت لفئتين رئيسيتين: فئة القديم المتطور باستمرار، وفئة الجيل الجديد بأفكاره الخلَّاقة مختلفة التوجهات والنزعات..
استمر "إبراهيم نصر الله" فى مشروعه الروائي المتصل؛ "الملهاة الفلسطينينة والشرفات"، وكذلك استمرت كتابات "إلياس خوري" و"ربعي المدهون". ثم الروايات الفلسطينية بمنظور المرأة لدي "رضوي عاشور"، و"سحر خليفة".. فى نفس الوقت الذي برزت فيه أسماء جديدة برعت فى الإبداع الروائي الفلسطيني؛ أمثال: (أسامة العيسة)، و(عاطف أبو سيف)، و(باسم خندقجي)، و(ياسمين زاهر)، و(إيزابيلا حماد)، و(سعاد العامري)، و(عدنية شبلي)، و(عباد يحيي)، و(سوزان أبو الهوي) وغيرهم.
1. روايات الأيديولوجيات المتمردة وتفكيك السرديات (2001: 2011م):
كما اتفقنا سابقاً أن روايات فلسطين ارتبطت منذ نشأتها بالواقع السياسي فى المنطقة؛ لهذا فإن روايات ما بعد اتفاقيات "كامب ديفيد" و"أوسلو"، المتزامنة مع واقع ملتبس اختلط فيه الأمل بالخيبة والنكوص، اتصلت لاحقاً بواقع ما بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر التي فرضت واقعاً جديداً من الحرب على الإرهاب المزعوم وتصنيف المقاومة الفلسطينية باعتبارها إرهاباً تحت غطاء دولي.. في هذه المرحلة، تراجعت صورة البطل الملحمي التقليدية ، لتحل محلها شخصية مأزومة، تعاني من فقدان اليقين والتمزق النفسي وأزمة الهوية، فبدأت الروايات تتخلي عن لغة الشعارات والتأويل لتتجه نحو السرد الداخلي والمونولوج وتفكيك اللغة السياسية لتصبح فلسطين فى الرواية أقرب لتجربة ذاتية أكثر من كونها قضية عامة تستدعي الآخر للمشاركة والحض على الدعم وتفنيد الرؤي.. وظهرت سرديات أخري من سجون الكيان الاستيطاني تعبر عن تجارب ملأي بالحياة والصمود.
خرجت روايات تلك الفترة من الهامش غير المرصود؛ ومن فلسطينيي الخارج؛ كرواية (شارون وحماتي- مذكرات رام الله، 2003) للكاتبة المهندسة الفلسطينية (سعاد العامري). ثم رواية (بينما ينام العالَم؛ 2010) للروائية الفلسطينية الأمريكية (سوزان أبو الهوي)، ورواية (الشوك والقرنفل) التي كتبها يحيي السنوار فى محبسه وخرجت للنور عام 2004. ورواية (الطنطورية، 2010) لرضوي عاشور. وروايات "إبراهيم نصر الله" فى إطار ملهاته الفلسطينية الشهيرة: "زيتون الشوارع، 2002"، "أعراس آمنة/ تحت شمس الضحي، 2004"، "زمن الخيول البيضاء، 2007".
2. روايات التعدد الصوتي والضباب السياسي (2011: 2023م):
بعد الربيع العربي، نما أمل قصير بعودة القضية الفلسطينية للواجهة أمام الشعوب العربية التي ظنت أنها تشم نسائم حرية مفقودة وعدالة غابت كثيراً عن الشوارع العربية، لا سيما فى فلسطين، ثم سرعان ما تحول الحلم إلى كابوس قاتم..
هذه التموجات السياسية أفرزت أشكالاً جديدة من الروايات ذات المضامين المتباينة. لم تعد الروايات تكتفي بالسردية التصويرية التي تجسد أزمة الفلسطيني تجاه الاحتلال من ناحية وتخاذل العرب من ناحية أخري، وإنما بدأت فى نقد التجربة الفلسطينية ومساءلة النُخب السياسية وكشف التناقضات والخلافات الداخلية. حالة جدلية خلقتها الرواية فى مرحلة ضبابية المشهد السياسي، بين داعين للتطبيع وداعين للمقاومة، ما أفرز تعدداً فى الأصوات السردية، حيث الحوار والموقف يبرز التداخل والتناقض والتعارض بين الآراء ووجهات النظر، كانعكاس لحالة التشتت والتيه..
الروايات نفسها تعددت تياراتها وتكاثر عددها وتنوعت مضامينها واتجاهاتها، وفاز بعضها بجوائز إقليمية ودولية مرموقة؛ ما أعطي للرواية الفلسطينية بعداً عالمياً أضيف لرصيد الروايات الفلسطينية الكلاسيكية المترجمة.
علي سبيل المثال: رواية (مصائر؛ كونشرتو الهولوكوست والنكبة) للروائي (ربعي المدهون)فازت بجائزة البوكر العربية عام 2016، ورواية (مجانين بيت لحم) للروائي (أسامة العيسة)، ربحت جائزة الشيخ زايد للكتاب عام 2015م. ورواية (الباريسي) للروائية (إيزابيلا حماد) نالت جائزة فلسطين 2019 ، وكذلك روايتها (أدخل أيها الشبح) الصادرة عام 2023، فازت بجائزة (أسبن ووردز). ورواية (إبراهيم نصر الله): (حرب الكلب الثانية) حازت جائزة البوكر العربية عام 2018.
3. روايات ما بعد حرب غزة (روايات الانفجار السردي):
تحولت روايات فلسطين بعد السابع من أكتوبر 2023 تحولاً جذرياً فى بنيتها السردية ومضامينها وسارديها؛ إذ عادت القضية لا كقضية إقليمية تثير عاطفة الشعوب العربية فحسب وإنما صارت قضية عالمية عابرة للحدود والثقافات..
لم تعد الرواية الفلسطينية منذ ذلك التاريخ محصورة فى جغرافيا محددة، كما لم تعد شخصياتها محصورة فى بقعة مغلقة، بل ظهرت الشخصية الفلسطينية مزدوجة الهوية القائمة بين ثقافتين، كما لم تعد الهوية الفلسطينية صلبة جامدة، بل أصابتها حالة من السيولة جعلتها قابلة لإعادة التعريف والتصنيف، ما بين شخصية مقاومة وأخري مطبعة وثالثة متجنسة. ومع انتشار وسائل التواصل والسرد الرقمي، تداخل الواقع الافتراضي مع الحقيقِي ليفرز نوعاً من السرد الهجين..
أكثر من هذا؛ أن الروائيين الفلسطينيين باتوا رقماً فى معادلة قابلة للتنامِي؛ لتشمل رواة عرب وغربيين، صحفيين ومراسلين، رأوا بأعينهم ما حدث خلال عامَي الحرب ووثقوه فى شكل أخبار، ثم قرَّر بعضهم تحويل بعض مرائيهم لقصص وروايات.
هكذا، أصبح من الطبيعي أن تصبح فلسطين موضوعاً رئيسياً لرواة غير فلسطينيين؛ كرواية: (رعب، حكاية الحرب فى غزة) للروائي الأردني (أيمن العتوم)، ورواية (الاعتفار فى زمن الدمار، 2024) للروائية المصرية (نجوي الطامي).. ومن المتوقع أن تحدث طفرة فى روايات فلسطين مستقبلاً، وأن يزداد حضورها العالمي..
أولاد الغيتو وتشظي الذاكرة
للروائي اللبناني (إلياس خوري) عدة روايات تناولت فلسطين، بدءاً من (عكا والرحيل، 1990)، ومروراً برواية(باب الشمس، 1998)، وحتي (أولاد الغيتو) بجزئيها: (اسمي آدم، 2016- نجمة البحر، 2019).
تدور رواية أولاد االغيتو حول شخصية “آدم دنّون”، فلسطيني يعيش في المنفى بنيويورك، ويحاول كتابة رواية، لكنه يجد نفسه يسرد سيرته الشخصية وسيرة مدينته؛ اللد، بعد احتلالها عام 1948. يتذكر آدم طفولته داخل “الغيتو” الذي أُقيم للفلسطينيين الباقين بالمدينة بعد التهجير، حيث تحولت حياتهم إلى وجود مُحاصَر ومشوّه.. وفي الجزء الثاني، يتوسع السرد ويتعمق؛ إذ يواصل آدم رحلته باحثاً عن ذاته وهويته، متنقلًا بين الذاكرة والمنفى.. ثم تأخذ الرواية بعدًا أكثر تأملًا وفلسفية، فتتداخل الحكايات وتتعدد الأصوات، ويكتشف البطل وجوهه المتعددة وأسمائه المختلفة في محاولة للتصالح مع ماضيه المعقّد. عنوان: "نجمة البحر" يشير لحيفا التي تغدو رمزًا للذاكرة المتشظية، لا كمكان فقط بل كحالة شعورية مهيمنة وآسرة..
تعيد الرواية بجزئيها تعريف مفهوم "الغيتو" الذي اتخذه السارد عنواناً عاماً ينقلب فيه المعني القديم؛ حيث الغيتو يمثل أحياء اليهود بعد الهولوكوست، لواقع فلسطيني مشابه ومعبر عن مفارقة تاريخية مؤلمة..
الرواية عبارة عن ثنائيات متصلة؛ ثنائية السرد؛ حيث الرواية من جزئين. وازدواجية الشخصية المركبة؛ حيث البطل ممزق بين واقع المنفَي والوطن، وثنائية الزمن بين الحاضر فى نيويورك واستعادة أحداث الماضي في اللدّ. وثنائية الصيغة الأدبية، حيث السرد مزيج من الحكاية والسيرة الشخصية.
مصائر، كونشرتو المأساة الفلسطينية
وصل الروائي الفلسطيني (ربعي المدهون) للقائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية عام 2010، بروايته: (السيدة من تل أبيب)، ثم نال الجائزة كأول فلسطيني يفوز بها عام 2016 عن روايته: (مصائر؛ كونشرتو الهولوكوست والنكبة).
في تلك الرواية تجلي أسلوب المدهون الروائي الذي ابتعد عن تقليدية "أدب المقاومة" القديم، ليسرد روايته بمذاق جديد استفاد فيه من شغفه بالموسيقي وإتقانه للعزف على القيثارة والماندولين؛ لتتحول سرديته إلى معزوفة أدبية شجية اعتمدت بنيتها السردية على تعدد الأصوات لشخصيات تتقاطع وتتبادل الأدوار، هادماً مركزية "البطل الواحد" وبانياً لسردية جماعية لحكايات المنفي والعودة.
وضعت الرواية حدثين تاريخيين فى الميزان: "النكبة الفلسطينية"، و"الهولوكوست اليهودي"، لا بهدف المقارنة السطحية، وإنما للدعوة لأفق إنساني يتخطي ثنائية الضحية والجلاد؛ مستعيراً آلية "الكونشرتو" فى سرديته، معتبراً أن شخصيات الرواية بمثابة آلات موسيقية تعزف سيمفونية جماعية متناغمة مهما كان لكل آلة نغمتها الخاصة، إلا أنها تندمج جميعها فى بناء موسيقي موحد.. إنها محاولة فريدة لكتابة مأساة فلسطين داخل أفق إنساني كوني يتجاوز إشكاليات الصراع دون إلغاء حقيقة الذات الإنسانية وأحقيتها فى الحياة وفق مشتركات ومبادئ تحول نشاز الصراع لمعزوفة سلام تناسب الجميع.
الطنطورية، نموذج المرأة الفلسطينية المقاومة
تندرج رواية الطنطورية ضمن المشروع السردي الأوسع لرضوى عاشور الهادف لتفكيك الذاكرة الفلسطينية واستدعاء الماضي، لا بوصفه أرشيف تاريخي جامد، بل باعتباره حياة يومية نابضة تسرد مأساة تصل الحاضر بهذا التاريخ النضالي الطويل..
الرواية، في ظاهرها، سيرة شخصية لامرأة فلسطينية، هي رقية أو الطنطورية، لكن في جوهرها سيرة شعب مناضل، أو بالأحرى سيرة الذاكرة وهي تقاوم المحو والفناء. تعتمد الرواية على ساردة واحدة تروي تجربتها منذ الطفولة حتى النضج، مرورًا بمحطات الفقد والنزوح والمجازر، تمتاز سرديتها بالبساطة والحميمية، وهي رواية غير خطية تقوم على استدعاءات للذاكرة يتأرجح فيها الزمن أماماً وخلفاً. فالذاكرة هنا تمثل أداة وظيفية لبناء سردية المقاومة ورفض الفناء وتأكيد حق العودة.
تُظهر الرواية كيف أن الفلسطيني يعيش في زمنين: زمن الحاضر المأزوم، وزمن الماضي الذي لا يغيب، وهذا التداخل الزمني يعكس حالة انعدام الاستقرار التي يعايشها الإنسان تحت الاحتلال.. وتشكل مجزرة صبرا وشاتيلا لحظة مفصلية بالرواية، لكنها لا تُقدَّم بوصفها حدثًا استثنائيًا، بل كجزء من سلسلة مستمرة من العنف، وتميزت معالجة الساردة للمجزرة بالابتعاد عن التوصيف الدموي المباشر والتركيز على الأثر النفسي والإنساني؛ فالرعب لا يأتي من المشهد المنتهِي، بل من ديمومته؛ فالمجزرة لا تنتهي بانتهائها، بل تستمر في الذاكرة، وفي إعادة تشكيل نظرة الشخصية إلى العالم.
تحمل الرواية بُعدًا نسويًا واضحًا، لكن دون خطاب أيديولوجي مباشر؛ فالطنطورية المنتمية لقرية طنطورة، بشعرها المجعّد المميز، تمثّل هويةً مزدوجة: هوية فردية أنثوية، وهوية جماعية فلسطينية. وحضورها السردي ليس مجرد حضور بيولوجي، وإنما هو مساحة للانتماء، وأداة للمقاومة؛ فهي تحتفظ بهويتها رغم محاولات الترويض بما يعكس تمسك الفلسطيني بثوابت قضيته في مواجهة محو الهوية.
صراع الهوية فى (قناع بلون السماء)
رواية قناع بلون السماء للأسير الفلسطيني (باسم خندقجي)، الفائزة بجائزة البوكر العربي عام 2024 هي نموذج لرواية فريدة من أدب السجون، كُتبت من خلف القضبان. دارت أحداثها حول "نور"؛ الشاب الفلسطيني من رام الله، الذي يجد هوية إسرائيلية زرقاء فيرتديها كقناع لفهم العقل الصهيوني والمشاركة فى تنقيب أثري مستكشفاً بمغامرته أزمة الهوية، والتاريخ الفلسطيني المطمور.
القناع هنا رمز لمأزق الشخصية الفلسطينية بين الوجود والاختفاء، فالبطل نور الذي يتقمص شخصية "أور" الإسرائيلي ليعيش بين المستوطنين يتماهي فى القناع شيئاً فشيئاً، ويواجه شخصيات أخري، مثل "سماء" التي تمثل الشخصية النقيضة المعتزة بانتمائها، و"مراد" الأسير الذي يمثل صوت الضمير والإصرار على النضال..
تقدّم الرواية القناع لا كخداع أخلاقي، بل كضرورة وجودية في واقعٍ تحكمه السيطرة، فيصبح التخفّي وسيلة للبقاء. وتصبح للقناع عدة وظائف؛ كحماية الذات من القمع، واختراق الآخر وفهمه، وإعادة تشكيل العلاقة مع الواقع.. غير أن الرواية لا تحتفي بهذه الاستراتيجية بشكل مطلق، بل تكشف ثمنها الباهظ: فكلما نجح القناع، تراجعت الهوية الأصلية، وكلما اقتربت الشخصية من النجاة، ابتعدت عن ذاتها.
اعتمدت الرواية على بنية سردية غير خطية، تداخلت فيها الأزمنة والأصوات، ما عكَس حالة التشظي التي يعيشها البطل، وتميزت لغة خندقجي بنزعة شعرية واضحة، مالت للإيحاء بدلاً من التصريح، وإلى الرمز أكثر من المباشرة، ما أضفي على الرواية عمقاً فلسفياً وفتح المجال لتعدد التأويلات.
قوة مضمون الرواية تَمثَّل في قدرتها على تحويل التجربة لسؤال وجودي، وجرأتها فى طرح أسئلة شائكة دون تقديم إجابات يقينية؛ لأنها تطرح فرضية يصبح فيها التخفي وراء القناع قدَراً مفروضاً لا خياراً حراً، إنها ضرورة التكيف والبقاء في عالمٍ مختل مهما تطلب الأمر أن يفقد المرء جزءًا من نفسه وكينونته. هكذا يتحول فقدان الهوية أو تماهيها مع الآخر نوعاً من الحتمية الاجتماعية المبرَّرة!
"الاعتفار فى زمن الدمار"، وسرديات الحرب
الصحفية والإعلامية المصرية (نجوي الطامي)، من روائيي المهجر، أقامت فى لندن لعملها المبكر فى إذاعة "بي بي سي" العربية.. بعد التقاعد تفرغت للكتابة، واستهلت أعمالها الروائية برواية: (الاعتفار فى زمن الدمار) عام 2024 تأثراً بأحداث الحرب على غزة.. وقد تشرفتُ بمناقشة روايتها بمعرض القاهرة الدولي للكتاب وقت صدور الكتاب..
التقطَت الساردة مشهد الاعتفار فى زمن الجاهلية؛ حيث كان فقراء قريش إذا اشتد بهم الجوع حمل رب البيت عياله وزوجته لموضع فى الصحراء يُدعي الخباء، فيبقوا فيه حتي يموتوا جوعاً لئلا يسألوا الناس أو يتذللوا لهم، وهي عادة قضي عليها "هاشم بن عبد مناف" الجد الأكبر للرسول صلي الله عليه وسلم، عندما استنَّ للناس رحلتي الشتاء والصيف كما ذُكر فى القرآن..
تلك المقاربة استدعت مشاهد اعتزاز أهل غزة وصمودهم الأسطوري رغم الفاقة والعناء والتشرد بعد القصف المتصل الذي تعرضت له المدينة الباسلة. الرواية سردت قصة أسرة غزاوية تعرَّض عائلها للأسر، وتشردت الأم وأبناؤها بعد هدم بيتهم، ثم تفرق الأبناء عن أمهم فى رحلة عناء من مكان لمكان هرباً من القصف. ورغم محلية الحدث، إلا أن البُعد الإقليمي والعالَمي للسردية جاء من خلال قصة جانبية حول أسيرة يهودية تم الإفراج عنها فى صفقة التبادل، مما أتاح المقارنة بين الموقفين الفلسطيني والإسرائيلي فى حرب غير متكافئة غاشمة ظالمة أبرزت مدي وحشية المحتل.
الرواية مثَّلت نموذجاً للرواية العربية المكتوبة من منظور السارد العربي المتابع للأحداث من موقع الشاهد والمراقب، لا الضحية. ومثل هذه الروايات تتميز عادةً بالشمولية والتعميم، وتميل لربط فلسطين بالسياق العربي والإنساني، وهي تسرد فلسطين باعتبارها رمز باقٍ للنضال والصمود.
ما يشبه الرواية
تجربة سرد فلسطين ثرية بالتجارب الروائية الغنية بأشكالها شديدة التنوع والخصب، بدأت بروائي رائد فدائي هو "غسان كنفاني"، ونضجت على يد روائي صاحب مشروع أدبي معقود بسنوات عمره المديد؛ هو "إبراهيم نصر الله". ووصلت إلى حد أن نري روايات وليدة الأسر والسجن، كما لدي باسم خندقجي، ويحيي السنوار، وعبدالله البرغوثي.
بطبيعة الحال، وحيث السارد الفلسطيني يستمد سردياته من ذاكرة مفعمة بالأحداث والمآسي والمشاهد الأليمة، بات السرد الروائي الفلسطيني معرَّضاً باستمرار للتداخل بين الأجناس الأدبية. وكثيراً ما امتزجت القصة بالسرد الذاتي، فى شكل يوميات أو ذكريات أو رسائل أو أدب رحلة. وهو ما أعطي لسرديات فلسطين خصوصية وتميزاً: أنها روايات تكسر حواجز البناء السردي، وتتمرد على الأسلاك الشائكة الفاصلة بين الأجناس الأدبية، وتتحرر من قيود التصنيف الأدبي. فحينما يسرد "عبد الباري عطوان" حكايته فى كتاب: (وطن من كلمات)، فهو يسرد فلسطين، وحينما يكتب "كارل صباغ": (فلسطين؛ تاريخ شخصي) تتجاوز حكايته حد الذاتية إلى عمومية المكان والجغرافيا. ويصبح لدينا سرديات عن فلسطين شبيهة بالرواية، وإن لم يصنفها كاتبوها على أنها رواية.
مَن يسرد فلسطين؟
إذا كانت سرديات فلسطين بدأت بأقلام فلسطينية، فإنها اكتسبت عبر مراحل النضال أرضية إقليمية ثم عالمية، ولم تعد حكراً على فلسطينيي الداخل، ولا فلسطينيي الشتات والاغتراب. هناك روائيون عرب أجادوا سرد الحكاية الفلسطينية، وهناك روائيون عالميون يسردون فلسطين تعاطفاً وتأثراً ودعماً للقضية، وبخاصةً فى العِقد الأخير، لاسيما بعد حرب غزة.
ظهرت روايات السجون أيضاً فى سياق سرديات النضال، ولتصبح نموذجاً للكتابة تحت القيد، يتحول فيه السرد لفعل وجودى ونضالي يرمز للمقاومة. وروايات أخري كتبها فلسطينيون بلغات أجنبية وإن لم تُترجَم. إنها تضع فلسطين على مائدة القارئ الأجنبي، كرواية (A long walk from Gaza) للكاتبة الفلسطينية الفرنسية (أسماء العطاونة)، ورواية (The coin) لياسمين زاهر، ورواية (Enter ghost) للكاتبة الفلسطينية البريطانية (إيزابيلا حماد)، ومثل كتاب: (The eyes of Gaza) للصحفية الفلسطينية (بلستيا العقاد) وثَّقت فيه 45 يوماً من تغطيتها للحرب على غزة.
ثمة تنوع هائل فى الأصوات الساردة لفلسطين، صحفيون وإعلاميون ومراسلون عرب وأجانب وفلسطينيون مغتربون، نساء ورجال، ما يعكس صعود السردية الفلسطينية نحو أفق كوني أكثر اتساعاً ورحابة.
خاتمة: سرديات فلسطين أمس واليوم وغداً
ختاماً أعود فأقول:
إن فلسطين فى الرواية العربية ليست مضموناً سردياً عادياً، بل إنها بناء سردي له كينونة مستقلة ومكانة لدي ساردي وقراء الأدب العربي. وهو بناء يتنامَي ويتطور ويتجدد عبر الأجيال ويعيد مساءلة ذاته مع كل نص روائي جديد أو ترجمة لنص قديم.
منذ البدايات الأولى التي انشغلت بتوثيق آلام الفقد والهجران، وصولاً للروايات المعاصرة المتوغلة في تعقيدات الذات الفلسطينية وتفككها في الداخل والشتات، ظلّت فلسطين نصاً يتجاوز الجغرافيا ليغدو سؤالاً إنسانياً وأخلاقياً كونيّاً..
غير أن ما تحقق، على أهميته، لا يزال دون الإمكانات الكامنة في هذه السردية الثرية.. ثمة حاجة مُلحَّة إلى مشروع ثقافي منهجي شامل، يؤسس لأرشفة وتصنيف وجمع الإنتاج الروائي والأدبي المتعلق بفلسطين، عربياً وعالمياً، وفق رؤى نقدية حديثة تتيح للباحثين والقراء استكشاف تطورات الخطاب السردي الفلسطيني وتحولاته عبر الزمن.. وبموازاة ذلك، لا بد من الانفتاح على الترجمة بوصفها جسراً حضارياً، لا لنقل الرواية الفلسطينية إلى لغات العالم فحسب، بل أيضاً لترجمة الأعمال العالمية التي تناولت فلسطين والشخصية الفلسطينية، بما يسمح بإقامة حوار سردي عابر للثقافات، وبما يبرز رؤية فلسطين في المخيال الإنساني الأوسع.
كما تبرز أهمية تشجيع إقامة مسابقات أدبية دولية تتخذ من فلسطين موضوعاً لها، بما يفتح المجال أمام أصوات جديدة، عربية وأجنبية، للمساهمة في توثيق وتطوير هذه السردية.. وحبذا لو أمكن إطلاق منصات تفاعلية وبودكاستات تُعنى بجمع السرديات الشفهية للفلسطينيين في الداخل والمهجر؛ فلكل فلسطيني حكايته الخاصة، وجرحه الفريد، وصوته الذي ينبغي أن يُسمع.. إن توثيق هذه الشهادات الحية لا يثري الرواية المكتوبة فحسب، بل يمنحها جذوراً أعمق في الواقع الإنساني، ويحول الذاكرة الفردية إلى ذاكرة جماعية نابضة متدفقة.
لقد اكتسبت السردية الفلسطينية أرضاً جديدة بعد حرب غزة، وهي مقبلة على تحول نوعي؛ لأنها مرشحة لكي تصبح رقماً فاعلاً في معادلة الرواية العالمية بما تمتلكه من كثافة إنسانية وثراء جمالي. ولن يكون هذا التحول حكراً على الكتّاب الفلسطينيين وحدهم، بل هو ثمرة تفاعل خلاق بين أدباء فلسطينيين وعرب وأجانب.
مصادر ومراجع البحث
1- (شخصية الفلسطيني فى الرواية العربية، بيئات الخليج العربي والمغرب العربي والشام أنموذجاً)- رسالة ماجستير بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي- جامعة القدس المفتوحة- إعداد/ يوسف الرفاعي- إشراف د./ زاهر حنني- (2020/2021).
2- سرديات الطوفان "غزة المعمدان وصهيون الإبادة"- صبحي الحديدي- الأهلية للنشر والتوزيع- 2024.
3- لا سلام لفلسطين "الحرب الطويلة ضد غزة"- هِلغي باومغرتن- ترجمة/محمد أبو زيد- المركز العربي للأبحاث والدراسات السياسية- 2023.
4- رواية مصائر "كونشرتو الهولوكوست والنكبة- ربعي المدهون- المؤسسة العربية للدراسات والنشر- بيروت- 2015.
5- رواية قناع بلون السماء- باسم خندقجي- دار الآداب بيروت- 2023.
6- وطن من كلمات "رحلة لاجئ من المخيم إلى الصفحة الأولي"- عبد الباري عطوان- دار الساقي- 2011.
7- رواية (شارون وحماتي-مذكرات رام الله)- سعاد العامري- ترجمة عمر سعيد الأيوبي- دار الآداب- بيروت- 2007.
8- فلسطين، تاريخ شخصي- كارل صباغ- ترجمة: محمد سعد الدين زيدان- مراجعة محمد شاهين- المركز العربي للترجمة- عدد 2364- 2015.
9- رواية سماء القدس السابعة- أسامة العيسة- منشورات المتوسط- 2023.
10- رواية زمن الخيول البيضاء "الملهاة الفلسطينية"- إبراهيم نصر الله- الدار العربية للعلوم ناشرون- طبعة سادسة 2012.
11- رواية أولاد الغيتو "جزءان"- الياس خوري- دار الآداب- 2016، 2019.
12- رواية بدلة إنكليزية وبقرة يهودية- سعاد العامري- ترجمة/ هلا شروف- منشورات المتوسط- 2022.
13- رواية الاعتفار فى زمن الدمار- نجوي الطامي- ببلومانيا للنشر والتوزيع- 2024.
14- رواية التغريبة الفلسطينية "جزءان"- وليد سيف- الأهلية للنشر.
15- رواية الطنطورية- رضوي عاشور- دار الشروق- 2010.
16- الجهاد الرقمي "المقاومة الفلسطينية فى العصر الرقمي"- إيريك سكاريه- ترجمة منصور العمري- منشورات المتوسط- 2018.
17- الرعب، حكاية الحرب فى غزة- أيمن العتوم- دار الغوثاني- 2024.
18- عائد إلى حيفا- غسان كنفاني- مؤسسة الأبحاث العربية "مؤسسة غسان كنفاني الثقافية"- سلسلة أعمال غسان كنفاني-عدد 17- طبعة سادسة 2004.
19- (حداثة السرد الفسطيني كما تتجلي فى 4 روايات جديدة)- الإندبندنت العربية- نبيل سليمان- 17 نوفمبر 2023.
