فعاليات المهرجان الوطني ال 11 لعبيدات الرما
تنطلق غدا مساء أولى رقصات المهرجان الوطني لعبيدات الرما في دورته الحادية عشرة، بمدينة خريبكة، حيث المدنية والنواحي تتحول خلال ثلاث ايام إلى كرنفال احتفالي بالفنون الشعبية، بما تحمله من قيم وعادات وتقاليد، وفيض في ألوان إبداع، وحركات رقصية، وأهازيج تعيد إلى الجمهور ذاكرة الفنون الشعبية المغربية الأصيلة والعريقة.
وتشكل الدورة الجديدة التي كان من المتوقع تنظيمها الصيف الماضي إحدى بوادر تكريم الفنون الشعبية بالمدينة، فضلا عن الاحتفاء بكل ما هو تراثي وفي وجمالي وشاعري، كما تعد الدورة محطة راقية للاستمرار في ربط أواصر المحبة الفنية والمعرفية والجمهور المحلي الوطني.
وكان المندوب الإقليمي للثقافة بخريبكة الفنان المتألق عبد الغني الصناك قد أكد في تصريح سابق ان عملية انتقاء الفرق المشاركة في هذا المهرجان الذي تنظمه وزارة الثقافة بتعاون مع عمالة إقليم خريبكة والمجالس المحلية والمجمع الشريف للفوسفاط، مرت في أجواء جيدة، بمشاركة عدد من الفرق التي مثلت عددا من الأقاليم، حيث أن العملية تفرضها قوة واستمرارية المجموعات على مدار السنة، فالمهرجان الوطني ليس سوى لقاء محبة وتواصل بين الفرق وعشاق هذا الفن. موضحا أن الدورة هي امتداد ثقافي وفني ومعرفي بالنسبة للدورات السابقة، إلا أن ما يميز هذه هو احتضان الندوة الفكرية، في قلب الكلية متعددة التخصصات بخريبكة، لتوطيد العلاقة بين هذا الفن برموزه، كذلك الطلبة من أجل ضمان الاستمرار في البحث في هذا الموروث الحضاري عبر إحداث وحدة بحث متخصصة بالكلية.
وشدد على قيمة عبيدات الرما كفن جمالي يمثل المغرب في الخارج، على رأسها المشاركة في الألعاب الفرانكوفونية بكندا، صنف فنون الحكي وكذلك المشاركة بأوكرانيا و الحصول على جائزة أحسن موسيقى بالجزائر، كما أصبح فن عبيدات الرما حاضرا في الأسابيع الثقافية النظم من طرف الوزارة بالخارج وأخرها بقطر. إذن فالمادة الغنائية لعبيدات الرما هي مادة عالمية ومنفتحة
وحول اختيار موضوع الندوة " قصيدة عبيدات الرما: البناء، الإيقاع، الموضوعات واللغة"، يؤكد السيد المندوب انه يبقى امتدادا للموضوعات السابقة.إلا أن هذا الاختيار هو بناء منهجي ومشترك يمهد لأول مرة من خلال فتح أبواب الكلية مجال البحث والتوثيق لاحتضان هذا الفن... خاصة أن فضاء الندوة هو فضاء البحث ألا وهو الكلية المتعددة التخصصات.
وخلص إلى أن نجاح الدورة هدفنا الوحيد من خلال تجنيد كل طاقات الوزارة وكذلك التهيئ النفسي للفرق المشاركة، وإرضاء عشاق هذا الفن، وجعل مدينة خريبكة عاصمة للفوسفاط وعاصمة للثقافة كذلك.
وكان محمد الأشعري وزير الثقافة السابق قد أكد في كلمة خلال حفل افتتاح الدورة الأولى عام 2000، أن غناء (عبيدات الرما) انطلق فوق مناطق من الوطن وسط مجالات غابوية, زاوجت بين الزراعة وتربية المواشي والوحيش الوفير معربا,في مرحلة التأليف, لم يتغير من مزاجه سوى اللغة محتفظا بما نشأ عليه عبر قرون خلت (حياة القنص لم تكن, مرهونة بزمن) كحال اليوم.
وأضاف أن عبيدات الرما بقوا يطلعون بزحزحة الوحيش من مكامنه فتقديم الخدمات, وتنظيم ليلات السمر إما بالغناء أو المسرحة, إلا أن تسمياتهم الأولى لم يبلغنا منها شيء حتى كان الاسم المتعارف عليه اليوم, وهو ما لا يحتاج إلى جهد لأجلاء مدلوله. وإذ نتتبع ما تبقى من هذا التراث, فإننا نجده وأمثاله مرتكزا, ابتداء من حوض الغرب شمالا, حتى مشارق الحوز جنوبا, وورد كثير من كلامه, سواء لحمادة أو لمثلث أو بو مقلاع, في أحواز سبو, و زمور, وزعير وورديغة و السراغنة, و صخور الرحامنة وحتى في الحوز, يعالج الحكمة وطقوس القنص وآدابه والنزهة, والإشادة بأمهر القناصين, و هم في حكمة القادرين على صيد الغزال.
واستطاع اعبيدات الرما تطوير واقعهم, تبعا للأحداث والزمن خلاله مرحلة تعدت الخمسة قرون, أي منذ أن تخلو عن طبع الأحواش. إلى أن انقلبوا مرافقين للدوريات العسكرية زمن القصبات, و "الحركات" ثم اكتفوا قرابة زماننا هذا بتقديم الفرجة في الأسواق والدواوير, فأسسوا ما عرف في الدراسات التراثية ب (الركب) وهو موضوع آخر.
ولفت إلى هذا الفن عرف نمط الغناء هذا متغيرات, جاءت مع تقلبات المناخ و الطقس قيام مسافات جرداء بين القبيلة و الأخرى كانت فاصلا أكاد زاد في حدته غياب الأمن و نشوب المشادات لتتمايز الألوان عن بعضها, ويقوم غرض من الشعر أو الشعر أو أغراض ابتعدت عن المعاني السامية. وليظهر فيها أيضا تأثير الجوار ميلوديا و إيقاعا.
وتغلب نكهة جديدة تذكر بالحوزي في الجنوب والورديغي في الوسط و الأمازيغي في الشمال بين سبو و هضبة زمور حتى أن بعض الشعر عاد إلى أمازيغيته ولم يكتف عمل الرما بالخدمة والترفيه, بل وجه النقد للمجتمع بالمبطن الذكي من الكلام. ضمن مسرحيات مرتجلة وضعت الأصبع على متناقضات المجتمع, مما يذكرنا, بالحركات المسرحية التي واكبت عهد النهضة, و تحدثت بلسان شخوص كانوا يعيشون على الهامش.
وخلص الى القول انه يمكن اعتبار عمل اعبيدات الرما هذا أساسا, لما انطلق فيما بعيد من حركة الحلقة, بأنماطها المختلفة خاصة نمط (الحلزة), الذي أتت برجل يلعب دور المرأة, راقصا و مغنيا وممثلا.
وقد ظهر هذا الفن في بعض المناطق كورديغة والشاوية وتادلة والحوز من عهود خلت ، ويمكن تصنيف هدا الفن البديع في خانة الفنون الفرجوية الشعبية التي عرفها المغرب ومازالت مستمرة إلى الآن.
تعني كلمة أو لفظ الرما بالبندقية أو السلاح على وجه التدقيق الى درجة يمكن فيها القول بان اعبيدات الرما هم رماة كان همهم الأساسي هو التدريب على الرماية بالبندقية والاستعداد الدائم للدفاع العسكري.
كان ولا يزال لكل فرقة أو مجموعة مقدم يسهر عل ى تسييرها ورعايتها مغالبا ما يكون من ابرز شعرائها ونظامها.
كانت المظاهر الروحية والعسكرية من المسائل التي تشغل بال الرماة وغالبا ما سبق العامل الفرجوي الذى لم يكن القصد الحقيقي من تواجدهم لهده الفرجة التي جاءت وتولدت عن إحيائهم بصفة دورية لحفلات في القبائل التي كانوا يزورونها على مرأى ومسمع القص والداني وبمشاركة السكان.
يبلغ عدد المجموعات والجمعيات والفرق الممارسة لهدا الفن على الصعيد الوطني أكثر من 50 فرقة تتكون من مجموعات الشيوخ وفرق شابة تحمل مشعل هدا الفن.
ويشارك في الدورة الجديدة 30 مجموعة و فرقة ممارسة لهذا الفن على الصعيد الوطني، و تمثل أقاليم خريبكة - الفقيه بن صالح - بني ملال - بن سليمان - الخميسات - البيضاء - سطات - آسفي - قلعة السراغنة.
وستحيي هاته الفرق و المجموعات الوطنية سهرات حية لهذا الفن بمدن خريبكة، وادي زم و أبي الجعد. كما ستنظم في إطار هذا المهرجان ندوة فكرية في موضوع"قصيدة اعبيدات الرما : البناء الإيقاع، الموضوعات و اللغة" بمشاركة أساتذة جامعيين وباحثين في هذا الموروث الثقافي، و ذلك يوم الخميس 22 دجنبر 2011 ابتداء من العاشرة صباحا بالكلية المتعددة التخصصات بخريبكة.
وبنفس المناسبة، سيتم خلال حفل الافتتاح، تكريم الشيخ محمد العمراني، رئيس مجموعة السماعلة لعبيدات الرما و أحد رواد هذا الفن الشعبي.
