غازات ضاحكة
انتهى الشاعر شريف الشافعي من كتابة ديوانه الجديد «غازات ضاحكة»، وهو الجزء الثاني من متتاليته «الأعمال الكاملة لإنسان آلي»، التي صدر أول أجزائها بعنوان "البحث عن نيرمانا بأصابع ذكية" في ثلاث طبعات عربية بمصر وسورية، آخرها عن مؤسسة «سندباد» للنشر والإعلام بالقاهرة، في يناير 2010.
وأفاد الشافعي بأن «غازات ضاحكة» يبدو أكثر زخمًا، وأيضًا أكثر بساطة، من الجزء الأول، ويتضمن 527 مقطعًا شعريًّا مكثّفًا على لسان الروبوت المتمرد، الذي يتحرر هذه المرة من سطوة حضور نيرمانا، معبرًا عن حالات إنسانية متعددة متداخلة متشابكة في آن واحد.
الحالة الأولى هي حالة الألم (معسكر السوس في ضرس العقل الإلكتروني) التي تؤدي إلى محاولة البحث عن مسكّن أو علاج، تليها حالة التخدير أو استنشاق الغازات التي تقود إلى شد عظام الفكين وظهور ابتسامات بلاستيكية بلون القطن الطبي، تعني حياة مصطنعة وتواصلاً باهتًا مع الآخرين من الزوار المعقّمين، ثم حالة الغيبوبة التي تنجم عن الإفراط في استنشاق الغازات الضاحكة، وتتضح فيها هلوسات وأحلام الروبوت الطامح إلى التخلص من البرامج الجاهزة والارتداد إلى صورته الطينية، ثم حالة الموت التي تجسد انتصارًا لإرادة الحياة الحقيقية للإنسان الحقيقي على قوة أجهزة الإعاشة الجبرية للإنسان الآلي في المستشفى.
لم يفصح الشافعي (39 عامًا) عن الجهة التي ستنشر الديوان، مكتفيًا بالإشارة إلى أنها إحدى دور النشر الخاصة البارزة في العالم العربي.
يُذكر أن الجزء الأول من "إنسان آلي" للشافعي قد اختير مؤخرًا للتدريس في جامعة "آيوا" الأمريكية، لطلاب قسم الكتابة الإبداعية من جنسيات متعددة، وذلك بوصفه "نموذجًا أصيلاً متفردًا لقصيدة النثر العربية"، وقد حظي الديوان بقراءات والتفاتات نقدية واسعة خلال الأشهر الماضية.
من أجواء ديوان "غازات ضاحكة" (الأعمال الكاملة لإنسان آلي 2):
حذاءٌ صغيرٌ
في صندوق قمامةٍ
لم يعد يليقُ بصاحبه،
صاحبه الذي كَبُرَ وحده
ونسي أشياءه كلَّها،
أشياءه التي لم تكبر معه
أشياءه التي لم تغادر طفولَتَها
وحده الحزن قال:
"هذا الحذاء الصغير
على مقاسي دائمًا"
مع أن الحزن كبيرٌ جدًّا
أكبر من صاحب الحذاءِ
أكبر من صندوق القمامة
أكبر من نفاياتِ هذا العالَمِ
* * *
من المتوقّع
أن تَصْدرَ عقوباتٌ
ضدّ الذين أفسدوا الحفلَ
بِقَذْفِهم المطربَ بالحجارةِ
ستكونُ العقوباتُ مُخَفَّفَةً،
فإصابَةُ المطربِ ليستْ خطيرةً
من المؤكّدِ
ألا تصدرَ ضدّكِ أية عقوبةٍ،
مع أنكِ أصَبْتِ المطربَ في مقتلٍ
بعدم حضوركِ الحفْلَ
* * *
لأنه سندباد ذكيّ
فهو بحاجةٍ إلى سفينةٍ
أكثر من حاجته إلى سندبادة
ولأن سندبادته أكثرُ ذكاءً
فقد تحوّلتْ إلى بحرٍ
* * *
اختباءُ القاتلِ في حقل القصبِ
حَوَّلَهُ إلى عودِ قصبٍ
وبعد فترةٍ نَسِيَ تمامًا
جريمَتَهُ الْمُرَّةَ
وصار يحلمُ بأن يكونَ
مصدرًا طبيعيًّا للسّكّرِ
* * *
اختباءُ القتيلِ فترة طويلة
في مياهي الجوفيّةِ
حَوَّله إلى مصدرٍ طبيعيٍّ للمِلْحِ
* * *
أبدًا لَمْ تكنْ حمامةُ السّلامِ
وريثتي الشرعيّةَ
لكنني أوصَيْتُ لها
ببعضِ حبّاتِ قلبي المنشطِرِ
وبعضِ نظائري المُشِعَّةِ
وبعضِ تصوّراتٍ عن حربٍ انتقاميّةٍ
للأخذِ بثأري
المسكينةُ نالتْ نصيبَها
من التّركةِ الحمراءِ،
وأوصَتْ للعالَمِ قبل أن تنفجرَ
بحفنةٍ من الكراهيةِ المركَّزةِ
* * *
تسألونَهُ بحماسٍ:
"على مَنْ نُطلقُ الرّصاصَ؟"
وكأنّ الرّصاصَ متوفّرٌ بالأسواقِ
وكأنّ اتخاذَ القرارِ من صلاحياتَكمْ
وكأنكمْ تملكونَ أصابعَ
يمكنُ أن تضغطَ على الزنادِ
أو تضغط على أيّ شيءٍ آخر
تسألونه بحماسٍ غريبٍ
وكأنّ لديه أذنًا تسمعُ السؤالَ!
* * *
قالت:
"ليكن صدركَ وسادتي"
قلتُ:
"ليكن صدركِ يقظتي"
* * *
الذين طلبوا منكِ
أن تهرعي معهم إلى الخندقِ
لم يكونوا مشفقينَ عليكِ
بقدرِ ما كانوا بحاجةٍ
إلى فتحةِ تهويةٍ إضافيّةٍ
* * *
الذين طلبوا مني
أن أبيتَ معهم في الخندقِ
لم يكونوا مشفقينَ عليَّ
بقدرِ ما كانوا بحاجةٍ
إلى سَحْبِ أوكسجينِكِ من دمائي
* * *
لم تكن هناكَ نيّةٌ للعشق
لكنْ كان هناكَ قمرٌ
حاولنا في مياهه الإقليميّةِ
أن نفعل أيَّ شيءٍ
باستثناء العشقِ،
فلم نستطع،
ولذلك غرقْنا
* * *
وحده السّكّر يملكُ الإجابة:
"ماذا بعد الذوبان؟!"
* * *
حالة انعدام الوزن
التي تنتابني
لها أسبابٌ كثيرةٌ
لا يعنيني أيّ سببٍ منها
الذي يشغلني فعلاً
هو صديقي الميزان
فكلما طَرَقْتُ بابَهُ
لَمْ يَجِدْ أحدًا واقفًا ببابِهِ
* * *
وحده العَدَم يعرفُ الإجابة:
"ماذا سيحدث لي
بعد حذفي من سلة المهملات الذكيّة؟!"
* * *
لستُ صاحبَ مواهب استثنائيّةٍ
صدِّقوني
أتدرون: كيف عرفتُ
أن هذه اللوحةَ لوحةٌ زائفةٌ؟
لأنها ببساطةٍ لم تكتشفْ
أنني لحظة نظري إليها
كنتُ إنسانًا زائفًا
