عن الذات والمدينة ونسج الكلام
لطالما كانت الكتابة تأمّلًا للذات، ونظرًا إليها بوساطة الكلمات. والنفس تستمتع برؤية ذاتها، في لحظة انكشافها وتجليها على الورق، عندما تُصاغ أفكارها ومشاعرها وذكرياتها وتجاربها، في مخلوق لغوي جديد، هو من إبداعها وإنشائها.
تلك الذات المفتونة بكينونتها، مثلت مرتكزًا للكتاب النقدي المُعنون (النول والمنبر: تمثلات الذات في نماذج من القص البصري)، الذي يحتفي فيه الناقد الدكتور (عقيل عبد الحسين) بثلاثة مراكز أساسية: الذات بوصفها محورًا متفردًا ينوب عن الجماعة، والمدينة التي تمنح الحياة للحكايات، والقصة القصيرة، فهي حجر الأساس الذي بُني عليه صرح السرد في البصرة. وهذه المدينة الجنوبية المستقرة على هامة الخليج، هي بيئة خصبة للحكايات، بمينائها الذي جلب الأعراق المختلفة والغزاة عبر الأزمان، فصارت مدينة هجينة، تتشظى هويتها بين الخليج والسهل الرسوبي وتخوم الصحراء، فامتزجت فيها دماء النازحين إلى ضفافها من الشمال والجنوب والشرق والغرب، وتلاقحت في مجالسها حكاياتهم.
يستعير الكتاب عنوانه من عبارة ترد في كتاب (بصرياثا) للقاص (محمد خضير) ويضعها في صدر مقدمته، إذ تقول: «المنبر والنول شعار هذه المدينة السرّيّ». ليبرهن على أن البصرة مدينة صاغة كلام، ينسجونه مثلما تُنسج الفرش على النول، بصبر وأناة، ويضمّنونه غايات أخلاقية، تعبّر عن هموم اجتماعية وإنسانية، مثلما يفعل صاحب المنبر في خطبه ومواعظه.
لا يكتفي الكتاب باستعادة النظرية الجاحظية العامة، التي تقول بأن الأدب «صناعة، وضرب من النسج، وجنس من التصوير»، أي إنه فن، بل يربط هذا الفن بتمثيل الذات التي يكون لها في القصة دور ثقافي، ورؤية خاصة للعالم، وموقف من قضايا المجتمع. فهي من تتولى تحويل الفكرة إلى عنصر سردي، وتنتج المعنى. أو تؤدي مجموعة أفعال رئيسة في القصة. أو تجسد غايات ثقافية واجتماعية، على سبيل الكشف والمعرفة.
تتراءى الذات في أدوار متعددة، في تجارب قصصية لكتاب من البصرة، أولهم في الكتاب (يوسف يعقوب حداد)، الذي تواجه قصصه مشكلتان: الأولى: أنها لم تتغير في شكلها ومضمونها على امتداد أربعة العقود التي كتبت فيها. والسبب، كما يرى، أن قصصه تدخل ضمن ما يسميه قصة العائلة، بوصفها جماعة تنتمي لها الذات، وتسعى لتنبيهها أو إنقاذها من الفشل في تحقيق غاياتها المشتركة، وتحذيرها من المخاطر التي تهدد وجودها. المشكلة الثانية: إهمال أعماله نقديًا، والسبب هو الأسلوب البدائي الذي لم يتغير، على الرغم من تطور القصة القصيرة؛ لأنه اتجه اتجاهًا تنويريًا نهضويًا، دون أن يعمل على تطوير أدواته.
ارتهان الذات إلى قضية ما يُضعف الجانب الفني في ما يصدر عنها من كتابات، ويطرد النقاد عنها، بحسب ما يراه الكتاب، لكن في مقابل ذلك قد يقال إن جميع الكتاب لديهم قضايا وإيديولوجيات يؤمنون بها، بل ذهب النقد الماركسي إلى أن الأدب هو إيديولوجيا أخذت شكلًا فنيًا. أو بحسب (ألتوسير): إن الأدب عالق في شبكة الإيديولوجيا. لذلك فإن الحياد المطلق أمر متعذر. نعم قد يُخفي الكاتب انحيازه لكنه لن يمحوه مطلقًا. وأما النقد فقد كان شديد التسييس في تلك الحقبة التي شهدت صراعات طاحنة، وقد كان النقاد آنذاك جميعهم مؤدلجين، إما يساريين أو قوميين، يرفعون من شأن من يتوافق معهم ويختلفون مع الآخرين. وهذا قد يكون سببًا مؤثرًا في إهمال بعض الكتاب نقديًا. فضلًا عن صعوبة حضور كتاب المحافظات بوصفها هوامش ثقافية، بغض النظر عن ثرائها، فالحضور والتأثير يكادان ينحصران بالعاصمة. ومن أجل ذلك يعيد الناقد الثقافي إحياء ذكر هذا الكاتب؛ لأنه يحتفي بالمهمش والمنسي، كما تفعل الدراسات الثقافية دائمًا.
يقرأ الكتاب أعمال (محمود عبد الوهاب) ويجد أنها تمثل طريقة تعبير عن الذات في مثاليتها، أو أنها محاولة للإجابة عن سؤال المصير. فثمة حبكة ضمنية تنتظم أعماله منذ كتابه الأول (ثريا النص) إلى الأخير (شعرية العمر). ولعل خلاصة هذه التجربة تكمن في مركزية البطل الرائي الذي يرى «أن السعادة تتحقق في الصغير من تفاصيل العالم، الممكن تحقيقه، وما بأيدينا تحقيقه، لا في الكبير، الذي لا سبيل إلى تحقيقه». فتتماهى ذات الكاتب في قصصه مع هذا البطل المثالي المبصر لحقيقة إشكاليات الحياة، والراضي بما يفرضه عليه الواقع. فهي تجربة تعبر عن رؤية تصالحية حكيمة، مثلما قد تكون شكلًا من أشكال الانهزام والاستسلام، والاستراحة إلى تحقيق المثالية داخل حدود الأدب.
يتناول الكتاب تجربة القاص (محمد خضير) بوصفها أنموذجًا للذات الرؤيوية، في إطار تأمل علاقتها برؤيتها للعالم وموقعها فيه. فقصصه تنهض بوظائف اجتماعية، «من أهمها نقد السلطة، والانحياز إلى الثورة، وترسيخ الوعي، عبر التمثيل السردي، بتعالي السلطة، وقسوتها، وظلمها، وبقدرة الشعب القوية، المتجددة، على الرفض والمقاومة». وهو ما يؤدي بتجربته «للانتهاء إلى موقف، هو أقرب إلى أن يكون قبول الآخرين والواقع والمجتمع، والانتماء إليهم، وجعل الرؤيا، والكتابة القصصية، فعلًا نقديًا تغييريًا اجتماعيًا». وذلك بالتركيز على رمزية السلّم، وكثافة حضوره، في قصص محمد خضير، والإشارة التأويلية إلى أن الأعلى يرمز للسلطة، والأسفل يرمز للمجتمع، وهو الذي تنحاز له الذات، وتجد نفسها فيه.
في المنجز القصصي لكتاب ما بعد 2003، وهو المحور الأخير للنول والمنبر، يرى أن الكتابة تنشغل بذاتية لها تحقق وجودي، أو بحسب (جوديث بتلر) بأن «الذات تصف نفسها»؛ بسبب تزاحم التهديدات والمخاوف التي تطارد الفرد العراقي في هذه السنوات. فتصبح التجربة الذاتية واقعة تشتبك وتتأثر بالتجربة الأخلاقية والتاريخية، التي تكون بمثابة شاهد عليها.
يقرأ الكتاب نماذج قصصية للكتاب (هاشم تايه ولؤي حمزة عباس ودنى غالي وضياء الجبيلي ونهى الصراف وجابر خليفة جابر) ليستكشف تمثلات الذات فيها، ويخلص إلى تسميتها بالذات المهزومة، وأن لها سمات مشتركة يمكن رصدها في القصة القصيرة التي ينسجها كتاب البصرة، في حقبة ما بعد 2003. ومن هذه السمات: أنها قصص أحادية الصوت، تخلو من الحوارية. وأن لغتها تميل إلى المونولوجية. وتركيزها على الجسد؛ لأنه مكان الذات ومأواها. وانفصالها عن المكان والزمان الحقيقيين؛ هروبًا من فكرة القسوة والعنف والسلطة المرتبطة بهما. ويأسها من التغيير؛ بسبب ضعف الذات واستسلامها. ولذلك فهي ذات عاجزة عن الفعل أمام السلطة والإيديولوجيا. لكنها كانت تنطوي أحيانًا على مقاومة فردية، من أجل إنقاذ الذات، وذلك بكتابة سرديتها الذاتية البديلة عن سرديات الوطن والعدالة والمقاومة.
كتاب (النول والمنبر) قراءة نقدية، فاحصة ومتأنية، بلغة إبداعية مقتصدة، تابعت تطور الفن القصصي في مدينة البصرة، من منظور الذات وصورها وتمثلاتها؛ لتثبت أن كتابها نسّاجون محترفون، وصناع متأنّون، لا يُضحّون بالشكل والقيمة الفنية للقصة، مهما كان الموضوع الذي يكتبون عنه. وهم مثل أهلهم الحكائين، يمثل السرد عندهم نمط حياة، وشكلًا من أشكال الدفاع عن الذات والمدينة التي عانت من الحروب والعنف والتهميش.
