صِغر وأثر
كان حجراً صغيراً، لا يلفت النظر بين أكوام الحجارة التي تملأ المكان.
لم يكن مستديراً بما يكفي ليُزيّن نافورة، ولا مستوياً بما يكفي ليُفرش في ساحة، ولا كبيراً بما يكفي ليكون قاعدة يُبنى عليها شيء. كان مجرد قطعة صامتة، رمادية، يمر فوقها الناس دون أن يلاحظوها.
ذات صباح، جاء البنّاء إلى الأرض المقفرة، وبدأ يجمع الحجارة لبناء جدار يفصل بين قريتين. فحمل الأحجار الكبيرة أولاً، ووضعها في الأسفل. ثم جاءت المتوسطة، فملأت الفراغات بينها. أما الحجر الصغير، فبقي جانباً.
نظر إليه البنّاء، ثم دفعه بقدمه وقال: لا مكان لك هنا.
لم يغضب الحجر، فقد اعتاد ألا يكون له مكان وأن تتلاطمه الأقدام.
ومضت الأيام، وارتفع الجدار المشيد من كبار الحجارة.
وفي مساء عاصف، هبّت ريح قوية، فتسللت من بين الحجارة الكبيرة والمتوسطة، وأخذت تضرب الجدار من داخله. اهتز جزء منه، وبدأت بعض حجارته تتحرك و أصبح الجدار آيل للانهيار.
ركض البنّاء يبحث عن شيء يسد به فراغاً صغيراً عند منتصف الجدار حتى يمتص الترددات حتى رأى الحجر الصغير.
حمله، وأدخله في ذلك الفراغ فاستقر الحجر في مكانه، وسرعان ما تماسك الصف كله
لم يفهم الحجر ما حدث و لكنه شعر و كأنه عالج أمرا استثنائيا فقال للبنّاء: أنا مجرد حجر صغير.
ابتسم الرجل وقال: نعم، لكن الجدار لم يكن يحتاج إلى حجر أكبر منك، بل كان يحتاج إلى الحجر الذي يناسب مكانك.
في اليوم التالي، بدا الجدار مختلفاً.
لم يكن أحد يستطيع تمييز الحجر الصغير بسهولة؛ فقد أحاطت به عشرات الحجارة، وكأنها تخفيه. لكنه أدرك شيئاً لم يعرفه من قبل: لم يكن الجدار يخفيه بل كان يُظهره.
فلو بقي وحده على الأرض، لما علم أحد بوجوده. أما وسط الجدار، فقد صار جزءاً من بناء يراه الجميع.
ومنذ ذلك اليوم، لم يعد الحجر الصغير يتمنى أن يكون حجراً كبيراً...بل أصبح يتمنى فقط أن يجد مكانه الفعلي.
فقد فهم أن قيمة الفرد لا تظهر دائماً بما يستطيع أن يفعله وحده، بل بما يستطيع الآخرون أن يساعدوه على أن يكونه.
وفي آخر الجدار، كان كل حجر يبدو عادياً لو شوهد من زاويته الخاصة.
لكنها معاً صنعت شيئاً لم يستطع أي حجر أن يصنعه وحده.... جدار بأكمله
