شظايا المرايا المتطابقة
الفصل الثامن: شظايا المرايا المتطابقة
من بين ظلال تلك المجموعة البشرية، كانت المرأةُ الستينيةُ هي الأكثرَ دنوًا من قلب ندى، والأقربَ إلى روحها بوعيٍ وألفة. لم تكن تُكثر الكلام في الجلسات الجماعية الصاخبة، لكنها امتلكت ذلك الدفء الهادئ الذي يجعل الإنسان يشعر، منذ النظرة الأولى، أنه يقف أمام روحٍ أتعبها كَدُّ العمر، لا أمام قلبٍ قسّته الأيام.
كانت تجلس دائمًا على مقربةٍ من ندى، تضم كفّيها إلى بعضهما كأنها تخشى أن يتسرب من بين أصابعها ما تبقّى من رمق قوتها، وتستمع إلى ترّهات الآخرين بعينين مطفأتين، تخبئان وراء جفونهما غصّات سنواتٍ طويلةٍ من الحرمان.
وفي إحدى الأمسيات، طرقت تلك المرأةُ بابَ غرفتها بخفّةٍ شابها ترددٌ وادع. رحبت بها ندى بسرورٍ حقيقيٍّ نابع من الأعماق، ربما لأنها كانت هي الأخرى في أمسّ الحاجة إلى ملامح وجهٍ لا تشعر أمامه بأنها متهمةٌ بالجرم أو غريبةٌ عن الوجود. جلستا معًا قرب النافذة الوحيدة في الغرفة، فيما كان الليل يهبط بوقارٍ وبطء على الغابة الكثيفة المحيطة بالمصحّة، وتسللت بينهما تلك الأحاديث الشفيفة التي تبدأ عابرةً كالمطر، ثم تنفتح فجأةً على أوجاعٍ غائرةٍ ودفينة.
نظرت المرأة خارج النافذة، وتنهدت بصوت متهدج يفيض بالأسى، ثم التفتت إلى ندى وقالت:
ـ هل تعرفين ما الذي أتى بي إلى هذا المنفى العلاجي يا ندى؟
لقد أفنيتُ زهرة صباي وعمري في مستشفى ناءٍ على ضفاف إحدى الجزر.
كان زوجي يملكه ويديره، لكني لم أكن مجرد موظفة عابرة تحت إمرته، بل كنت شريكته الحقيقية في الحلم، والبناء، والتعب الجارف. وقفتُ بجانبه بكل ثبات منذ الخطوة الأولى، وساندته بقلبي وجهدي حتى غدا الصرح ناجحًا يشار إليه بالبنان.
سكتت برهة كأنها تبتلع غصة مريرة، ثم تابعت وقد التمعت عيناها ببريق وجع قديم:
ـ كنت أظن، بسذاجة المرأة المخلصة، أن السنوات الطوال التي طحنت عظامنا معًا قد صهرت بيننا حياة متينة لا تزعزعها عواصف الأيام. لكني أفقتُ متأخرة جدًا على كابوس مروع... لقد كان يخون عهدي وفراشي مع إحدى الممرضات الشابات. وحين واجهته بحقيقته العارية، لم أجد في عينيه حتى أثر الندم الذي كنت أترقبه لأرمم به كرامتي الجريحة، بل وجدت نفسي فجأة في مواجهة شرسة مع رجل غريب تمامًا، كأني لم أقاسمه قطرة واحدة من دمي وعمري!
ارتجفت كفاها المطويتان، فأمسكت ندى بيدها بإنصات وثيق، لتستطرد المرأة بمرارة أشد:
ـ لم يكتفِ بالخيانة، بل تحالف مع عشيقته ضدي، وأحاطاني بأساليب التنمر والإذلال، حتى تحولت سنوات إخلاصي وتفانيّ في نظرهما إلى تهمة شنيعة أُعاقَب عليها كل يوم. ثم رماني بقرار الطرد والانفصال جافًا بلا رحمة، كأن العمر الذي انسلخ من جسدي معه يمكن محوه بجرة قلم واحدة.
سألت ندى بنبرة مواسية مسكونة بالدهشة:
ـ وكيف استسلمتِ لهذا الطغيان؟
ردت المرأة وعيناها تشتعلان بصلابة متعبة:
ـ لم أستسلم! رفعت دعوى قضائية ضده، وخضت معركة قانونية طويلة ومضنية، وانتهت بكسبي للقضية واستردادي لقرار عودتي إلى العمل بقوة القانون. غير أن ذلك الانتصار لم يكن سوى خديعة، إذ لم يحمِني من غوائل الهزيمة اليومية والاضطهاد الذي كان ينتظرني خلف الأبواب.
تضاعفت حدة العداء من حولي، وصِرت أذهب إلى العمل كل صباح بكره شديد، كمن يدخل ساحة حرب صامتة لا ترحم.
وشيئًا فشيئًا، انهار جسدي المتعب تحت وطأة القهر، حتى اشتبه الأطباء بإصابتي بالسرطان، واستقرت في أعماق روحي كآبة حادة كليل بهيم لا ينجلي. والآن، وها أنا ذا هنا في هذا المصح، أحاول جمع ما تبقى من حطام نفسي، علّي أحصل على إعفاء نهائي من العمل وتثبيت تعويض مالي يردّ إليَّ كرامتي المستباحة.
كانت ندى تستمع إلى فيض حديثها بتركيزٍ عميقٍ، وتشعر بأنها تقف أمام مرآةٍ تشبهها في الجوهر والنزف، ذلك الشبه في التفاصيل، وفي الانكسار الوجودي الذي يحدث حين يتحول أقرب الناس إليك، ومن تظنه ملاذك، إلى مصدرٍ أساسيٍّ للأذى والطعن. رأت فيها امرأةً سُحقت ببطء وتلذذ تحت سياط الخيانة، تمامًا كما سُحقت هي في محطاتٍ مختلفة من حياتها تحت قسوة مَن كان يفترض به أن يكون حاميها ومرفأ أمانها.
لكل ذلك، بدت لها قصة هذه المرأة أكثر صدقًا وعمقًا من قصص الآخرين التي كانت تترامى إلى مسامعها في الجلسات الجماعية الرتيبة. كانت ندى، في سريرة نفسها وبصيرتها المُرّة، ترى أن بعض النزلاء إنما جاءوا إلى المصح محمولين على أوجاعٍ عابرةٍ وخدوشٍ سطحية لا ترقى بحال إلى ما ذاقته هي أو تلك المرأة من خرابٍ داخلي زلزل الأركان.
فأحدهم تهاوى من شرفة منزله فأسقطت الحادثةُ روحه في وهدة الذعر، وآخر فقد كلبه فغرق في سوداوية عابرة، وأخرى تشك بان زوجٍها يخونها وهي مثقلة بالمسؤوليات.
كانت ندى تتعاطف مع مآسيهم، نعم، لكنها لم تستطع كبح نفسها عن الشعور بأن معاناتهم قاطبةً أقل قسوةً وضراوة من الجحيم الممتد الذي عاشته هي وتلك المرأة.. جحيم لا يقوم على فجيعةٍ مفاجئة، بل على سنواتٍ كاملةٍ من الاستنزاف البطيء والممنهج للروح والكرامة.
نظرت المرأة الستينية حول جدران الغرفة بضيق وتذمر مفاجئ وقالت:
ـ حتى هذا المكان الذي جئناه هربًا من العذاب، لا يترك لنا فرصة للراحة!
هل تسمعين هذه الموسيقى الصاخبة القادمة من المخيم الشبابي المجاور لأسوار المصح؟ إنها تحرمني من تذوق طعم النوم.
أيدتها ندى على الفور بلهفة، وقد سرت في أوصالها راحةٌ خفية لأنها وجدت أخيرًا من يشاركها الضيق ذاته:
ـ آه يا عزيزتي، وأنا كذلك لم أذق طعم النوم والراحة منذ وصولي، بسبب ضجيج الموسيقى العنيف الذي يستمر حتى ساعات متأخرة من الليل ومن نظام هذا المكان كله والذي يبدو مناقضًا تمامًا لفكرة السكينة والاستشفاء!
فعاملات التنظيف يأتين قبل بزوغ الفجر بوقت طويل، يطرقن الأبواب بقسوة ويبدأن عملهن بجلبة تجعل النوم مستحيلًا، ويصبح لزامًا علينا مغادرة غرفنا في بواكير الصباح لنتسكع لساعات في الممرات الباردة الطويلة بانتظار الفحوصات الروتينية.
ضحكت المرأة بمرارةٍ لاذعة وهي تقلب كفيها:
ـ يبدو، يا عزيزتي، أننا جئنا إلى مكانٍ يعالج التعب… بحرماننا من النوم والراحة!
ضحكت ندى معها إثر ذلك، ضحكةً قصيرةً صادقةً خرجت من جوف روحها. فالمشاركة الإنسانية، حتى في تفاصيل الشكوى والألم، كفيلةٌ بأن تخفف شيئًا من وطأة الوحدة القاتلة وتكسر صقيع الاغتراب.
الفصل التاسع
الجلساتُ العلاجية وسقف اللوائح
كانت الجلساتُ العلاجية الجماعية تمضي وِفقَ الإيقاع اليومي الرتيب للمصحّة، ولم يعد الحديثُ العنصري المقيت يطفو على السطح علنًا كما حدث في تلك المواجهة الأولى، ربما لأنهم صُدموا بما كشفته ندى من صلابةٍ وبأسٍ لم يتوقعوهما في امرأةٍ اعتادوا هدوءَها الطويل وانكفاءها، أو لأنهم أدركوا، على نحوٍ أربك حساباتِهم، أن الصمتَ الذي كانت تلتحف به لم يكن عجزًا بل نوعٌ من الكرامة المتعبة التي تتقن الصبرَ بمقدار ما تملك من قدرةٍ على الانفجار، لتضعهم فجأةً أمام مرايا عيوبهم العارية، أمام خوفهم المزمن من الآخر المختلف، وضيق أرواحهم، وتلك القسوة الفطرية التي كانوا يدارونها خلف أقنعة اللياقة والتحضر المصطنعة.
ومنذ تلك اللحظة الفارقة، تبدّل شيءٌ خفي في نظراتهم نحوَها، صاروا أكثر حذرًا وتوجسًا.
كانت الجلساتُ تُدار تحت شعار فضفاض هو "المشاركة والإنصات"، حيث يُمنح كلُّ فردٍ مساحةً كافية للحديث عن ندوبه، عن الخسارات الفادحة التي أوصلت قدميه إلى هذا المنفى، عن هواجسه، عن تعبه الكافر، وعن الحفرة السحيقة التي يحاول الفكاك منها. كان الجميع يتكلمون بفيضٍ من الحرية، يبكون تارةً، ويضحكون تارةً أخرى، ويتلقون شحناتِ التعاطف والاهتمام كما لو أن الألم يصبح أخفَّ وطأةً حين يُسكب أمام عيون الآخرين.
وحين جاء دورُ ندى في الكلام، أخذت تسردُ ببطءٍ وئيد، كمن يفتحُ مصراعَي نافذةٍ ظلت غارقةً في عتمة الإيصاد لسنواتٍ طوال. تحدثت بشفافيةٍ عن تصدع حياتها مع زوجها السابق، وعن تلك العلاقة التي استنزفت نضارتَها قطرةً قطرة، وعن العمل المضني الذي كانت تعود منه منهكةً في قسوة كل مساء كأنها تنوء بحمل المدينة كلها على كتفيها النحيلتين، وعن غياهب التنمر المرير الذي كابدت عيشَه طويلًا.
وللمرة الأولى، انتابها شعورٌ بأن القاعة تنصت إلى أنينها حقًا، لمحت في عيون الحاضرين شيئًا يشي بالتعاطف، وربما ملامح من الذهول. كان صوتُها وادعًا مستكينًا، لكنه كان مغموسًا بذلك الصدق العاري الذي يجسّد الألم ويجعله مرئيًا للعيان مهما حاول صاحبه كتمانه.
غير أنها، وقبل أن تضع اللمسة الأخيرة على لوحة حديثها، فوجئت بالمشرفة تقاطعها بجفافٍ فج، وتمنح الكلمة مباشرةً للشخص الذي يليها، كأنما رأت أن ما تبوح به ندى قد تجاوز السقف المسموح به في اللائحة.
ساد الصمتُ أرجاءَ القاعة للحظةٍ حابسةٍ للأنفاس. شعرت ندى بأن الكلمات قد اختنقت في مجرى حلقها وامتصتها الغصة. أرادت بشدة أن تعترض، أن تصرخ في وجه هذا الصلف وتقول إنها لم تنه فصول حديثها كما أُتيح لغيرها من النزلاء، لكنها آثرت التراجع في اللحظة الأخيرة، فلم تعد تحتمل مرارة مواجهةٍ جديدة، ولا عادت تملك من طاقة الروح ما يكفي للدفاع عن حقها في الكلام لمرةٍ أخرى.
وفي موعد الجلسة الفردية، التي كان يُفترض بحسب الجدول اليومي أن تستغرق ساعةً كاملة، لم يدم اللقاءُ أكثر من عشر دقائق، باردةً، ومقتضبة، ومعقمة من الإنسانية. جلست المعالجةُ قبالة ندى بملامح رسميةٍ متيبسة، ثم قالت بنبرةٍ تعليمية جافة خالية من أي تعاطف:
ـ ينبغي ألا تُغرِقي القاعةَ في تلافيفِ معاناتكِ الدرامية، لأن هذا التدفق يؤثر سلبًا في سيكولوجية المجموعة ويصيبهم بالحزن والكآبة، وهذا أمرٌ غير مسموح به في لوائحنا هنا. عليكِ يا ندى أن تستمعي أكثر.. وتتكلمي أقل.
رفعت ندى عينيها نحوها بدهشةٍ مستترة، وسألت بنبرة مستنكرة:
ـ ولكن.. أليس البوح ومشاركة الألم هما جوهر هذا العلاج؟
أجابت المعالجة ببرود:
ـ ليس بهذا الأسلوب الصادم، فقصتُكِ ثقيلةٌ جدًا، وتُلقي بظلالها السلبية على مناخ الآخرين.
طأطأت ندى رأسها ببطءٍ يفيض بالانكسار، وشعرت بجليدٍ قارص يهبط في غياهب أعماقها مع أحساس بوجع التعب العميق الذي يصيب الإنسان حين يكتشف أن ألمه، حتى في المصحات المتخصصة لمعالجته، غدا تهمةً يُطلب منه تلطيفها وتخفيف حدتها كي لا يخدش رفاهية الآخرين ويزعجهم.
وفي سريرة نفسها، مرّ سؤالٌ موجع تلوى كهمسةٍ مكسورة الجناح:
"وماذا عني أنا؟ مَن سيخفف هذا الثقل الجاثم على صدري؟ وكيف لامرأةٍ قطعت الفيافي تبحث عن طوق مساعدةٍ ونجاة، أن تُجبر مرةً أخرى على تعلم طقوس الصمت المُرّ، فقط كي يشعر الآخرون بالراحة؟"
والأشدُّ مضاضةً ومرارةً في وجدان ندى، أن المعالجة لم تعرج، ولو بالإيماء التلميحي، على ذكر الإهانات العنصرية الشنيعة التي تجرعتها في اليوم السالف على مرأى ومسمع من أفراد المجموعة، كأن ذلك الإذلال لم يكن سوى تفصيلٍ هامشيٍّ عابر لا يستحق عناء الالتفات أو التدوين.
كانت ندى قد ولجت إلى الجلسة الفردية وفي حنايا روحها بقية من ضوءٍ ضئيل، تتوقع فيه أن تبادر هذه المرأة المهنية إلى الاعتذار عما فرط في حقها، أو أن تبدي، على الأقل، تفهمًا لحجم الأذى الغائر الذي تركه الحادث في نفسها. لكن الصدمة كانت عارية، لان ألمها، في ميزان تلك المرأة والمؤسسة، لم يكن سوى عبءٍ ثقيل يشوه أجواء المجموعة، لا معاناة إنسانٍ يستحق الإنصات، والاحتواء، والتضميد.
رفعت رأسها قليلًا، وشخصت بنظرها نحو المعالجة في صمتٍ طويلٍ وممتد، فيما كانت الأسئلة تتزاحم وتتلاطم في جوفها كغبارٍ خانق:
"كيف يمكن لمن اختارت مهنةً مقدسةً لتضميد الأرواح ومداواة القلوب، أن تمرَّ بهذا البرود والجلافة فوق كرامة إنسانٍ يُذل؟ وكيف استطاعت ببلادةٍ أن ترى في دموع الآخرين حالاتٍ علاجيةً مشروعة، بينما رأت في دموعها دراما فجة ينبغي إسكاتُها ونفيها وراء جدران الصمت؟"
الفصل العاشر:
صنم البطاقة الالكترونية
كانَ من المَقضيِّ، وِفقَ حُكم البرنامجِ العلاجيِّ المثبَّتِ فوقَ الجدارِ والمطبوعِ بعنايةٍ مفرطةٍ توحي بكمالٍ زائف، أن تستغرقَ جلسةُ العلاج الفرديّ ساعةً كاملةً على الأقل، ساعةً يُفترضُ بها أن يمنح المريض مساحةً آمنةً للبوح، وأن تفتحَ في رتاج روحه المظلمة كوةً تخفف عنه ثقلَ ما تحمله أحشاؤه من مرارة.
غير أن ندى كانت، في كل مرة، تجد نفسها واجفةً أمام باب غرفة المعالجة قرابةَ نصفِ ساعة، تنتظر في سكونٍ مجهدٍ رتيب أن يُؤذن لها بالدخول، كأنها تقف صاغرةً على عتبة دائرةٍ حكومية معقدة، لا أمام محرابِ استشفاءٍ نفسيٍّ يداوي الكسور.
وحين يُفتح البابُ موارباً في نهاية المطاف، لم تكن المعالجةُ تبادرها بنظرةِ احتواءٍ دافئة أو سؤالٍ حانٍ مشبعٍ بالرأفة، كما تراءى لندى في فيافي خيالها الأول، بل كانت تتركها لتنشغل ببرودٍ متعمد بترتيب الأوراق السائبة وتقليب الملفات لعشر دقائق أخرى، فيما تظل هي جالسة قبالتها، كأنَّ وجودَها الإنساني كله مؤجلٌ وموقوفٌ حتى إشعارٍ آخر.
كانت ندى تراقب حركة أصابع المرأة وهي تنقل الأوراقَ من جهةٍ إلى أخرى بآليةٍ ميكانيكية، وتشعر بأفول الوقت وهو يذوبُ كالشمع بلا معنى.
ومن المفترض أيضاً، كما توجب قواعِدُ الفلسفة العلاجية المصونة، أن يُمنح المريضُ فرصةً كاملة لإفراغ شحنته الكلامية، أو أن يأخذ المعالجُ بيده بلطفٍ ليفضَّ مغاليقَ ذاكرته الثقيلة، لكن الطقس مع ندى كان مغايراً. فالمعالجةُ نادراً ما سبرت غور ما يؤلمها بحق، بل كانت تفتتح اللقاء غالباً بنبرةٍ تقريعٍ بائسة، هي إلى اللوم أقرب منها إلى العلاج:
"لماذا لا تتناولين وجبة الغداء في المطعم العام برفقة النزلاء يا ندى؟"
"لماذا لا تذهبين إلى المسبح الجماعي مع المجموعة؟"
"لماذا لا تشاركينهم طقوسَ ركوب الدراجة أو التهديف بالقوس؟"
ولماذا؟ ولماذا؟.. تتوالى الأسئلةُ الجافة كشظايا صغيرة لا غايةَ منها سوى مخرز اللوم. وفي كل مرة، كانت ندى تعيد سرد الشرح ذاته بصبرٍ راح ينفد بمضاضة، تخبرها بحرقةٍ أن التقريرَ الطبيَّ المفصل المرسل إليهم يوضح بجلاءٍ قاطع أنها تعاني ضعفاً شديداً في تحريك ذراعيها إثر عمليةٍ جراحيةٍ حديثة خضعت لها في كتفها، وأن أيَّ نشاطٍ بدني يتطلب جهداً عضلياً عنيفاً قد يزيد ألمها ضراوة.
كانت تذكرها بعنادٍ بأنها أخبرتها منذ الصباح الأول أنها لا تجيد ركوب الدراجة أصلاً، وأنها جاءت تنشد علاجاً يناسب عطب جسدها، جلسات تدليكٍ رفيقة، أو حماماً بخارياً دافئاً، أو أيَّ وسيلةٍ تسهم في تخفيف الألم المتراكم في عظامها المنهكة.
لكن المعالجة كانت تقاطعها باستهانةٍ جافة، كأن كلماتِ ندى وشكاواها لا تستحق عناء الإصغاء أو التدوين، إذ لم يكن يعنيها في العمق إن كانت قادرةً على المشاركة الفعلية أم لا، كان مَكمنُ همّها ينحصر في الحضور المادي، أن تجلس هناك فحسب، قرب حافة المسبح أو في ساحة الأنشطة، حتى لو بقيت عاجزةً مشلولة الحركة، فالمهم في عُرف المؤسسة أن يُسجَّل حضورُها الرسمي في الجداول.
شيئاً فشيئاً، بدأ يتسلل إلى وجدان ندى إحساسٌ مخيف بأن الأمر هنا لا يمت للطب بصلة، بقدر ما يحاكي عملية ترويضٍ قسرية، وطقوساً شكليةً باردة تُؤدى بحذافيرها المملة كي يبدو كلُّ شيءٍ نموذجياً ومثالياً على الورق الإداري.
وكان أكثر ما يبعث المرارةَ والنكاية في روحها، ذلك الولعُ الوثني البارد بالبطاقة الإلكترونية المعلّقة في أعناق النزلاء، كأنها هويةٌ بديلةٌ ومسخٌ عن أرواحهم الآدمية. كانت المعالجة تكرر بآليةٍ ميتة لا يتبدل في رنينها تفصيل، ضرورةَ تمرير تلك البطاقة عبر جهاز المسح الرقمي المثبّت عند مداخل القاعات، عند بوابات الجلسات، وموائد الطعام، وغرف الأنشطة اليومية.
بدا الأمرُ لندى، مع تعاقب الأيام، أشبه بطقسٍ مقدّس يفوق في أهميته وعلو شأنه سؤالاً واحداً بسيطاً وفطرياً عن عمق وجعها:
"هل تنامين جيداً يا ندى؟
هل خفّ ارتجافُ قلبكِ المذعور ليلاً؟
هل ما زلتِ تذرفين الدمع في عتمة الليل دون أن يسمع صرختكِ أحد؟"
وكان ذلك الاكتشافُ المُر يتسلل إلى داخلها ببطءٍ موجع، كالماء القارس يتسرب خفيةً في شقوق جدارٍ متصدع: لعلَّ كلَّ ما يدور في هذا المكان ليس سوى آلةٍ جهنميةٍ متقنة لصياغة تقاريرَ مثالية، تقاريرَ محشوةٍ بكلماتٍ منمّقة ومزوقة عن الانضباط، والاندماج، والتحسن التدريجي، تُرفع بانتظام إلى شركات الضمان الاجتماعي والتأمين الصحي بوصفها شواهدَ دامغة وأدلةً قاطعة على نجاح الخطة، بينما الحقيقة القابعة في الغياهب كانت شيئاً آخر، حقيقةً عاريةً لا تظهر في الجداول البراقة ولا تلتقطها مجسّاتُ أجهزة المسح، حقيقةَ بشرٍ يتآكلون في عتمة الصمت، ويتعلمون بقهرٍ كيف يوارون خرابهم الداخلي ويهندمونه لئلا يفسدوا الصورة الرسمية البهية للمصحة.
كانت تراقب النزلاء من حولها بدهشةٍ حزينة، فالجميع يلتزمون صمتاً مدروساً، وبعضهم يبالغ بسذاجةٍ أو تملق في تقريظ المعالجين والثناء على النظام برمته، كأنهم يرددون نصوصاً مقدسةً محفوظة غيباً. أن الأمر وان يبدو نفاقاً في بعض الأحيان، فهو نوعٌ من التواطؤ الإنساني الذليل الذي تصنعه الحاجة حين تضيق الحياةُ بالناس.
فقد كانوا يتوقون لانتزاع تقاريرَ طبيةٍ جيدة تُقنع شركاتِ التأمين الصارمة بأنهم ما زالوا عاجزين عن العودة إلى طواحين العمل، أو تستبقي لهم إجازاتهم المرضية ورواتبهم الكاملة، وربما تعفيهم نهائياً من وظائفَ سحقت أرواحهم قبل أجسادهم. ولهذا بدا المكان في عينيها قائماً على ميثاقٍ خفيٍّ غير معلن: لا أحد يقترب من خطوط الحقيقة العارية، لأن الحقيقةَ هنا قد تكلفهم أثماناً باهظةً تفوق ما يحتملون.
وكان أكثر ما يثير حيرة ندى وفضولها، ذلك الاسمُ المستعار الذي تتخفى خلفه المعالجةُ النفسية، فالجميع داخل المصحّة يعلمون يقيناً أنه ليس اسمها الحقيقي الذي وُلدت به، ومع ذلك، لم يجرؤ نزيلٌ واحد على سؤالها عن اسمها الفعلي أو عن سر اختبائها خلف هذا القناع اللفظي. حتى خُيّل لندى أن ثمة حدوداً لا مرئية رُسمت بعنايةٍ فائقة، يحرم على أي مريضٍ تجاوزها.
كانت تتساءل، وهي ترقب هذا الحذر الجماعي الوجل:
هل نخاف إلى هذا الحد المرعب من طرح السؤال؟
أم اننا، بعد أن ينال منا التعبُ مأخذه، نعتاد الأقنعةَ ونألفها حتى نفقد الرغبة البديهية في معرفة الوجوه الحقيقية التي تقبع خلفها؟
ورغم ذلك كانت تفتش في أرجاء هذا الخراب المنسق بعناية، عن شيءٍ أكثر بساطةً وأشد استحالة، عن يدٍ آدميةٍ حقيقية تمتد نحو روحها المشرفة على الغرق لتنقذها قبل الفوات، عن إنسانٍ يصغي إلى وعثائها لا بوصفها حالةً سريرية مدونة في إضبارة، انما بوصفها امرأةً أثقل الخوفُ كاهلَها حتى أوشكت أن تنسى ملامحَ نفسها.
لكن ساعةَ العلاج كانت تمضي، في كل موعد، كأنها مشهدٌ مسرحيٌّ رتيب يتكرر بعنادٍ ساخر، فما إن تشرع ندى في الكلام، وما إن تقترب بوجلٍ من تلك المنطقة المعتمة والنيئة في داخلها، من خوفها المزمن الذي يشبه بئراً بلا قاع، أو من ذلك الوجع الصامت المستقر في صدرها كصخرةِ سيزيف، حتى تبادرها المعالجة بالمقاطعة السريعة الحاسمة، وبنبرةٍ جافة باردة مُدربة بامتياز على إجهاض المشاعر وتجفيفها قبل اكتمالها:
"سنرجئ إكمال هذا الحديث إلى المرة القادمة."
غير أن "المرة القادمة" تلك، لم تكن تطأ أرض الواقع أبداً.
كانت الجلسات تتشابه في رتابتها القاتلة حتى فقد الزمن ملامحه وهويته داخل الجدران، تدخل القاعة، تمرر بطاقتها الإلكترونية الممسوخة، تجلس، تنطق ببضع جملٍ مكسورة، تُقاطع بجفاء، ثم تغادر، كأنَّ المطلوبَ منها في شرعة هذا المكان أن تؤدي دورَ المريضة المنضبطة المطيعة بإتقانٍ ميكانيكي.
ومع كل انقضاء جلسة، كانت تحمل ألمها الثقيل وتخرج به خارج الغرفة كما دلفت به أول مرة، إلا أنه لم يكن الألم ذاته، كان يعود في إثرها أضخم مداً، وأشدَّ ثقلاً، وأكثر وحشية، ككائنٍ خرافيٍّ يتغذى بنهمٍ على الصمت المؤجل والبوح المكبوت.
وحين كانت تأوي ليلاً إلى غرفتها المنعزلة، كان يوقظها شعورٌ حاد بأن الوحدة في هذا المصح لا تعني اعتزال الناس، بل تعني غيابَ الإصغاء والأنس، وأن أبشع ما قد يحيق بالإنسان أن يتحول ألمُه الوجودي ونزفه، مع مرور الوقت، إلى مجرد تفصيلٍ إداريٍّ صغير تافه داخل منظومةٍ صماء لا ترى في بني البشر سوى البطاقات الممغنطة التي يمررونها على الأجهزة.
الفصل الحادي عشر:
السكينة المصنعة والساعة اليتيمة
كانت جلسات الاسترخاء الجماعية، على كلِّ ما ينطوي عليه مشهدُها من تناقضٍ خفيٍّ عميق، أكثرَ الساعاتِ احتمالًا ومواساةً في حياة ندى الراكضة داخل جدران المصحّة، ففي رِحاب تلك القاعة الشاحبة التي يغمرها ضوءٌ سديميٌّ خافت يحاكي بقايا مساءٍ خريفيٍّ حزين، كانت تشعر، لوهلةٍ نادرةٍ عزيزة، أن الصخبَ المستعر في جوف رأسها يخفتُ قليلًا، كمدينةٍ صاخبةٍ أنهكها الضجيجُ الطويل فأدركها التعبُ والسكوتُ أخيرًا.
تنسابُ الموسيقى بطيئةً وادعةً في الأرجاء، رخوةً كنسيمٍ سحريٍّ يمرّ فوق بحيرةٍ ساكنة.. بينما يعلو صوتُ المعالجة هادئًا، رخيمًا، مدرَّبًا بامتيازٍ على تصنيع الطمأنينة، وهي تصفُ للنزلاء بحارًا زرقاءَ لا حبسَ لمداها تتكسر أمواجُها برفقٍ على الرمال، وغاباتٍ غضةً مبتلّةً بقطرات المطر، وطيورًا بيضاءَ ناصعةً تحلّق في فضاءٍ حرٍّ فسيح لا تطاله يدُ الخوفِ أو القيد.
كانَ الجميعُ يغمضونَ أعينَهم امتثالًا لطوع الصوت، كأنهم يلجونَ معًا طقسًا من طقوس النجاة الجماعية، فيما كانت ندى تدركُ أن الأمرَ برمّته لا يعدو كونه مسرحًا هزيلا من مسارح السكينة المصطنعة، كلماتٌ محفوظة، وصورٌ جاهزةٌ معلّبة يجري استدعاؤها في اللحظة المناسبة، ليبدو الجميعُ أقلَّ انكسارًا وعطبًا مما هم عليه في واقع الأمر.
ومع ذلك، لم تكن ندى تسخر من تلك اللحظات العابرة كما اعتادت أن تسخر من الأشياء والمواقف التي تخذلها دائمًا، فقد كانت في أمسِّ الحاجة إليها، ولو بوصفها خدعةً سيكولوجيةً صغيرة تمنح روحَها المتعبة فرصةً قصيرة الأمد لتلتقط أنفاسَها اللاهثة.
وحين تُغمض عينيها في العتمة، لم تكن ترى ذلك البحرَ الساحر الذي تصفه المعالجة، ولا تفاصيل الغابة المبتلة، ولا الطيورَ المحلقة في الآفاق البعيدة، كانت ترى نفسَها فحسب.
ترى امرأةً خمسينية تمشي وحيدةً على شاطئٍ ممتدٍ لا نهاية له، حافيةَ القدمين، والرملُ الدافئ يبتلع آثارَ خطواتِها الوئيدة ببطءٍ ومواساة، كأنَّ الأرضَ برأفتِها الفطريةِ تحاولُ أن تمحو عنها أوزارَ الذاكرةِ الثقيلة. هناك، في ذلك الفضاء المتخيَّل النقي، لم يكن ثمة أحدٌ يسألها عن أسباب حزنها المتجذر، ولا يطالبها بتبريرٍ منطقيٍّ لانهيارها النفسي، ولا ينظر إلى كينونتها ككائنٍ معطوبٍ مشوه يحتاج إلى إعادة إصلاحٍ وتقويم في ورش البيروقراطية.
كانت تسير وحسب، خفيفةً كالهباء للمرة الأولى في مغتربها، بلا خوفٍ يترصدها من الكلمات، وبلا قلقٍ ينهشها من نظرات الآخرين الفضولية، وبلا ذلك الشعور المرير والمهين بأنها مطالبةٌ في كل محفلٍ بالدفاع المستميت عن حقّها الطبيعي في الشفاء.
غير أن تلك الهدنةَ الحالمة لم تكن تدومُ طويلًا، فما إن تخرج من عتبة القاعة، حتى يعود العالمُ الخارجيُّ إليها بكلكله وثقله القديم الضاري، الممراتُ الإسمنتية الباردة، الروائحُ الطبية النفاذة الحادّة، الوجوهُ الواجمة التي تحمل أتعابَها في صمتٍ مريب، والفراغُ الهائل المرعب الذي يبتلع الساعاتِ الزاحفة ببطءٍ قاتل. غدت المصحّةُ في عيني ندى أشبه بمحطةِ قطارٍ مهجورةٍ ضلّت فيها الأرواحُ الغريبة طريقَها، وكلُّ من يقبع فيها يجاهد بيأسٍ لكي يبدو متماسكًا صلبًا، بينما هو يتداعى وينهار من الداخل في صمتٍ مروع.
ومع كل هذا الركام، كانت هناك ساعةٌ وحيدةٌ يتيمة منحت جسدَها العليل سلامًا خالصًا يحاكي المعجزةَ الصغيرة، ساعةُ التدليك الكهربائي.
مُنذُ اللحظةِ الأولى التي ولجَتْ فيها جوفَ ذلكَ الكيسِ العلاجيِّ الفسيح، وانضمَّ الجِدارُ على جسدِها بالكامل مخلفًا رأسَها في العراءِ كزهرةٍ بريةٍ نجتْ بأعجوبةٍ من طوفانِ الغرق، شعرت ندى كأنها تُسلَّم أخيرًا، بعد طول ترحال، إلى يدٍ غيبيةٍ رحيمة حانية. بدأت الموجاتُ الكهربائية تتسلل برفقٍ عبر عضلاتها وأنسجتها المتعبة، ناعمةً مستكشفةً تارةً، وعنيفةً هادرةً تارةً أخرى، كأمواج بحرٍ استوائيٍّ دافئ يتكسر بعذوبة فوق جسدٍ عارٍ أنهكه البردُ والاغتراب طويلًا.
أغمضت عينيها آنذاك، واستشعرت أنها تغوص في لُجّة ماءٍ عميقٍ صافٍ لا خوف فيه ولا فزع. كان جسدُها المنهك، الذي حمل كلَّ أعبائها النفسية وجراحاتها السرية بصمتٍ صبورٍ لسنواتٍ طوال، يسترخي للمرة الأولى في حياته، كأنه يفرغ أحزانه القديمة وسمومه المتراكمة دفعةً واحدةً في جوف الكيس.
كل عضلةٍ متشنجةٍ فيها كانت تئنّ بقوة ثم تهدأ، وكل ألمٍ صغير مخبوءٍ تحت الجلد كان يذوب ويتلاشى ببطء، حتى خُيّل إليها في غمرة الذهول أن الحزنَ نفسه مادةٌ يمكن تدليكُها وإخراجُها من مسام الجسد.
تمنت من سويداء قلبها لو أن تلك الساعةَ الأثيرية لا تنقضي أبدًا، لو تبقى معلّقةً ومحفوظةً في لحظة الراحة النادرة والفريدة تلك، قبل أن تعود ذئابُ الحياة لمهاجمتها من جديد. لكنها، ككل الأشياء الجميلة، انتهت سريعًا، كأن الطمأنينةَ في هذا العالم ليست سوى زائرةٍ عابرةٍ متكبرة، لا تعرف طريقًا للبقاء والاستقرار.
وحين نهضت من جوف الكيس بعدها، شعرت بحزنٍ غامضٍ شفيف، ورددت في مونولوجها المكتوم:
"إن أكثرَ ما كنتُ أفتقده وأنشده في رحلتي العاصفة هذه، هو ذلك الشعورُ الفطريُّ البسيط بأن أحدًا ما، ولو لساعةٍ واحدةٍ يتيمة، يستطيع ويقبل أن يخفف عني ثقلَ هذا الألم الرهيب."
حتى في الأمسيات القليلة التي كانت تُقام في ردهاتها حفلاتٌ صغيرة أو جلساتُ ترفيهٍ مصحوبة بالموسيقى الصاخبة، كانت ندى تحاول أن تقترب من تجمعات الآخرين، ذعرًا من أن يتحول انعزالُها المزمن إلى هاويةٍ سحيقة لا تعود قادرةً على الانعتاق منها أبدًا.
كانت تدلف القاعةَ الكبيرة بخطواتٍ مترددةٍ وجلة، كمن يتطفل على حياةٍ باذخةٍ لا تخصّه ولا يشبه أهلها. الضحكاتُ تتعالى هازئةً في الزوايا، الأحاديثُ تتشابك بخفةٍ وطيش، والمقاعدُ تكتمل بأجسادٍ متقاربةٍ صنعت من دون قصدٍ منها دوائرَ مغلقةً لا مكان لندى بينها ولا سبيل لاختراقها.
تقف متسمرةً للحظاتٍ قرب الباب، تحمل في أحشائها ذلك الارتباك الصامت الرهيب الذي لا يلحظه أحد، تشعر بيقينٍ جارح أن حضورَها زائدٌ عن الحاجة، وبأنها تشبه ظلًا باهتًا عبر المكان مصادفةً محضة دون أن تلتفت إليه عين. ليس ثمة عداءٌ علنيٌّ موجه ضدها، ولا قسوةٌ لفظية واضحة، لكن التجاهلَ البارد في تلك اللحظات كان أشدَّ وحشيةً وضراوة من الإهانة الصريحة نفسها، أن يدخل الإنسانُ مكانًا مزدحمًا بالبشر ثم يغادره من دون أن يترك أثرًا في عينٍ واحدة، أو دون أن ينتبه أحدٌ من الحضور لوجوده أو لغيابه، كان بمثابة جرحٍ غائرٍ خفيّ يمزّق بقسوةٍ كبرياءً دفينًا في ذاتها.
وكان يؤلمها ويوقظ حزنَها، على نحوٍ خاصٍ ومرير، أنها اعتادت هذا الهامش! ومن فرط ما خذلتها الأيامُ وسحقتها الخيبات، بدأت تتقنُ ببراعةٍ حزينة دورَ الكائن غير المرئي، تبتسمُ آليةً حين ينبغي لها أن تبتسم، وتهزّ رأسَها بالموافقة في الوقت المناسب، ثم تنسحبُ في هدوءٍ مطرقٍ يشبه الاعتذار الصامت، كأنَّ وجودَها الإنساني كله ليس سوى عبءٍ ثقيل على الأمكنة بما فيها.
يتبع
