الجمعة ٢٥ أيلول (سبتمبر) ٢٠٢٦
بقلم محمود أحمد ذِكرِيّ

رواية «رجال في الشمس» لِغسان كنفانيّ

رواية «رجال في الشمس» لِغسان كنفانيّ

دلالات الرِّحلة ومأساة المَآل

حفلتْ الرِّواية العربيّة منذ بزُوغِها وحتّى الحِقبة الرَّاهنة بِهموم الواقع العربيّ، وتماسّت مع مُنعطفاته السياسيّة والتاريخيّة والاجتماعيّة، وتشابكتْ بِمعضلات عالَمنا العربيّ؛ لذا لَمْ تَغِب مأساة فلسطين - بوصفها إحدى القضايا العربيّة الكُبرى - عن مُدوّنة السّرد العربيّ الضّخمة، ولَم يكن الروائيّ الفلسطينيّ بِمفرده في مِضمار تخليد الكِفاح العربيّ في فلسطين؛ إذ الحقّ العربيّ في الأرض الفلسطينية المحتلّة هو قضية كلِّ عربيّ يُدرِك معنى العُروبة أو يَحمِل نصيبَه مِن الهَمّ القوميّ المشترك! أو يَعرف دلالة كِفاح شعبٍ يُواجِه عصابات هَمَجيّة استيطانيّة تُمارِس أعتى صور الاحتلال وأوغلها في الإجرام.
واستقصاء الروايات العربيّة التي التفتت إلى الحقّ الفلسطينيّ أو تناولت أجزاء مِن الصِّراع العربيّ الصّهيوني مِن الصعوبة بمكان؛ فثمَّة كَمٌّ كبير من النصوص التي تكفّلتْ بِتفهّم طبيعة الصّراع، وإبراز تناقضاته، واستنهاض الهِمَمّ لِتحرير الأرض المُغتصبة، فضلا عن السرديّات الرَّهيفة التي جسَّدتْ حالَ العرب، وسْط الكِيان الصهيونيّ، مِمن أَبَوا مُفارقة مَواطِنهم الأصليّة والأصِيلة وحاولوا الحِفاظ على هُوايّتهم - قدْر الإمكان - في نِطاق يَعجّ بأساليب ماكرة لاقتلاع الهُويّة العربيّة، وللسيطرة على أُلوف مِن عَرَب ١٩٤٨! لِطمس ذاكرتهم الحيَّة المُمتدّة لآبائهم وأجدادهم.

إن مأساة فلسطين ليست مشكلة تَخصّ أصحابَها فحسب، وحاشاها أن تكون كذلك؛ ومِن ثَمّ فتخليد النِّضال الفلسطينيّ والكَشف عن مفارقاته وأَزَماته أمرٌ لا يعني الأديبَ والمفكِّر الفلسطينيّ وَحدَه، وإذا كان العالَم العربيّ - أو الوطن العربيّ كما نتمنّى! - قد تَعرَّض (ومازال!) لِعوامل كثيرة تُفَكِّك وَحدَته وتُقوِّض أشكال تعاونِه وتشابكه ومواجهته لِرياح زَعزَعته العاتية، خلال حِقب العصر الحديث المُنصرمة؛ فإنّ الأَمَل في استعادةِ ألوان تَكاتُفه تجاه قُوى الاحتلال (بِمختلف أطيافه) جديرٌ بأن يكون حُلم كلّ عربيّ، حتّى وإن رآه طيفًا بعيدًا أو سرابًا مُراوغًا!

أردتُ أن أُمهِّد بِتلك الكلمات بين يدي الحديث عن رائعة غسان كنفانى (1936 - ١٩٧٢): رجال في الشمس؛ حتّى لا يُظَنّ أنّ قضيّة فلسطين لا تَعني سِوى أصحابها الأُصلاء! وإلا فَكَم مِن كاتب غَيرِ فلسطينيّ كَتَب عن الجُرح الفلسطينيّ بعضًا مِن أَجلّ صَحائِف الفِكر والفنّ الجميل؛ لِذا لا يَعني التَّناول النقديّ لِرجال في الشّمس إيماءً إلى أنّ فلسطين مسألةُ الرّوائيّ الفلسطينيّ.

وهناك ملحوظة أُخرى ينبغي أخذها في الاعتبار على عَتَبات مِثل هذه البحوث النقديّة؛ وهي أنّ دِراسة موضوعٍ ما في السّرد الرّوائيّ - ولاسيّما إذا كان موضوعًا تاريخيًّا سياسيًّا - لا يَشِى بالتَّغافل أو التَّعَامي عن الجوانب الفنيّة في هذا السّرد، أو الارتدادِ السَّقيم لِلبحث عن مضمون أدبيّ مُفارِق لِشكله، أو النظرِ إلى الفنّ الروائيّ بِوصفه وثيقةً تاريخيّةً اجتماعيةً وكَفَى، ليس كلّ ذلك بِسائغٍ في الدَّرس الرّوائيّ المُعاصر! وكلّ ما في الأمر أن الرواية نوعٌ أدبيّ مُتَجذِّرٌ في الاستجابة لمتغيّرات الحياة وتحوّلاتها وتعارُضاتها، ومِن هنا يُمكن فحص العمل الروائيّ مِن هذه الوِجهة دُون إغفال لِرُوحه الأدبيّة وجماليّاته الحِكائيّة ولُغته الخَاصّة وطبيعته في التَّماهي مع سياقه. (راجع: جابر عصفور، ۲۰۱۱: صـ35).

الفنّ الروائيّ – خاصة إذا كان جيّدًا وجَادًّا - يَدفعنا إلى رؤية الموضوعات الإشكاليّة وَفْق منظور رَهِيف مُتجسِّد وجَدَليّ، ينأى عن حِدّة المُنطلَق السِّياسيّ وجفافِ الفَّحْص التاريخيّ، وإن لم يكن على مَبعدة منهما، ولا ينبغي أن ننسى في هذا السياق كلمةَ الروائيّ الإنجليزيّ فورستر: (المؤرِّخ يُسجِّل، بينما الرِّوائيّ يَخلق!).. (فورستر، ٢٠٠١: صـ٧١، وراجع للاستزادة: جنكنز، 1963: صـ۱۸۰)، ولَعلّ قارئ عَمَل كنفانيّ يَلمس وَصف فورستر الدَّقيق حین قال في مطلع كتابه الكلاسيكي جوانب الرواية (المُترجَم باسم: أركان الرواية): "إن الرّواية تَحُدّها سلسلتان مِن الجِبال تتدرَّجان في ارتفاع: الشِّعر مِن ناحية، والتاريخ مِن الناحية المُواجِهة"! (السابق: صـ22).

قراءة (رجال في الشمس) تَقِفنا بوضوح على طابعها البنائيّ الفَريد؛ فالرواية مِن جِهة تنطوي على عذوبة لُغويّة فائقة تُشارِف الشِّعر في بعض مَقَاطعها، وكَتَبَها صاحبها وهو على وَعي مَلحوظ بِحدود الفنّ؛ حيث لَم يَقترف مُبدعها في أيٍّ مِن صَفَحاتها خطيئةَ الدّعاية الفِجَّة أو الغَوغائيّة المَمقُوتة أو الخَطَابيّة الصَّاخبة، ومع ذلك فثمّة خَيْط سَرديّ مَأسَويّ أَسْيَان لا يُفارِق فصول (رجال في الشمس)، وإبداعٌ رفيع الشّأن في رَسْم الشَّخصيّات الأساسيّة فيها؛ فَهُم على قِلّتهم العَدَدِيّة نماذجُ أدبيّة وإنسانيّة لا تُنسى ولا تكاد تُغادِر ذاكرة القارئ! (وقد خبرتُ عيِّنةً عشوائيةً مِن القُرّاء المُحترفين والنُّقاد فوجدتهم جُلّهم يُشيدون بالرواية ونَفَاذها في مُخيلِّة القارئ ووعيه ووجدانه، مهما حاولَ التملُّص من هذا التأثير الطَّاغي أو الوقوفَ موقفَ المُحايد إزاء ما يقرأ!). ومِن جِهة أُخرى تَحتشِد الرّواية بإيماءات وتلويحات تاريخيّة عن الأرض المُحتلّة والمَكائد الصهيونيّة لاستبعاد المستعمَرين عن مواطِنهم وقُراهم، وإجلائهم قَسْرًا عن بلادهم لِيلقَوا مَصاير شَتّى!!

رِجال الرّواية ثُلّة قليلة تُشخِّص الواقعَ المُخيف للأرض المُحتلّة، إنهم مجموعةٌ صغيرة مُمثِّلة، لِكلٍّ منهم مأساته الخاصّة المُتقاطعة مع مأساة الوَطَن، والمُلتحِمة بالقضيّة الكُبرى لِلجُموع الفلسطينيّة مِن ذَوي الأعمارِ والفئات والمشكلات المختلفة والفجائعِ المُتعددة، بَيْد أنّهم – أعني الشخصيات الأساسيّة في الرواية - في الحِين نفسِه يُجسّدون مواقف إنسانيّة تَصنع بتتابعها وتَوازيها وتَداخلها عملاً سرديًّا مِن أفضل ما كُتب عن فلسطين، وعن حِصار الفلسطينيين المَضرُوب عليهم في داخل وطنِهم عبْر الاحتلال الصهيونيّ الطَّاغي! وفي خارج حدود بِلادهم بِتواطؤ الانتهازيين والمُهرِّبين وتُجار الحروب عليهم، كما سنُفيض في التّحليل وَشِيكًا.

ومِثل هذه الأعمال ذات المذاق الأدبيّ الفكريّ = يُهدَر جزءٌ عزيزٌ مِن قِيمتها إذا تناولناها مِن منظور أُحاديّ ضيّق؛ أعني إذا قَاربناها مُنطلقين – ومُسَيَّجين بِأُطُر ضيِّقة! - مِن نظريّات السّرد المُحدَثة والمعاصرة فقط، أو فتَّشنا فَحَسْب عن مضمونٍ فِكريّ يتلبّس كِيانها؛ فطبيعة (رجال في الشمس)، وما على شَاكلتها، تتَأبّى على حَصر تَميّزها في تكوينٍ جماليّ محض أو قطعة لُغويّة فِكريّة مُجرّدة، والأَحْرى والأكثر مُلاءمة لِروح العملِ المَنقود أن نتناوله بوصفه خِطابًا؛ وعلى إثر ذلك يغدو النصّ فِعلاً أو عَمليّة؛ وبذلك يكون مَجلى لِلوعي والأيديولوجيا والطبقةِ وسِياسات الهُويّة. (راجع: فولر، ١٩٩٦: صـ13۲).
وقد تكون دعوة شكري عيّاد (۱۹۷۸: صـ١٠٨) لدراسة الأعمال الروائيّة انطلاقًا مِمّا أسمَاه المَدخل الحضاريّ إرهاصًا بِدرس الخِطاب الأدبيّ وعَلائقه الخاصّة بِما يَمُور به الواقع مِن مذاهب وصراعات ومُثل وأفكار وفلسفات....؛ وكان تَسويغ ناقدنا الرَّاحل لِهذه الدَّعوة هو أن العَمَل الروائيّ يُصوِّر الأحداث والشّخصيات؛ وهي أمثلة من السلوك الإنسانيّ معبِّرة حتمًا عن قِيم اجتماعيّة رَفضًا أو قَبولاً.

ويمكن القول ابتداءً، وقَبْل الخَوْض في تَفصيلات (رجال في الشمس) إن هذه السرديّة عملٌ نموذجيّ لمُساءلة الهُويّة الفلسطينيّة المُحاصَرة، وتلويحةٌ بلِيغةٌ عن الحِصار المَضروب على الفلسطينيّ أينما ذَهَب، فالرجال المُرتحِلون يَحيقُ بهم الاضطهاد أينَما حلّوا، وتَفتِك بِهم مَغَبَّات الاحتلال حتّى وهُم يبحثون عن مكان آمن لهُم تحت الشمس يتخَفَّفون فيه من المَعيشة الضَّنك تحت وطأة الاحتلال الغَشُوم!! وتكاد الرّواية تُفصح عن معنى جليلٍ مَفاده أن الخَلاص لا يكون بالرّضوخ لِسلطة المُحتلّ الفَاتكة ولا بِمحاولة الهَرَب إلى مكان قَصِيّ، وإنما الخلاص بالمقاومة ورفضِ الانصياع للواقع المُتردّي والتَّأبِّي على الرِّضا بالمُتاح.

إن رحلة الهاربِين من جحيم الصَّهاينة قد أفضتْ إلى جحيم لا يَقلّ بَشاعةً عن العَيش في مَذَلة الاحتلال الإجراميّ، فالرّجال الكادحون في أرضهم قد لقوا حَتفَهم في رحلة عبثيّة، وهُم مختبئون في خزّان مياه خالٍ!! على ظَهْر إحدى سيّارات النَّقل المُعَدَّة قصدًا للتهريب، أثناء نقلهم سِرًّا من العراق إلى الكويت؛ لعلّهم ينجون من الأرض المُحتلّة ويلتحقون بأيّ عَمَل يَكفُل لهُم حدَّ الكَفَاف هُم ومَن يَعُولون؛ فكانوا - بعد طول ارتحال وعَذَابات شَتّى!! - كالمستجير من الرَّمضاء بالنّار!!
الهُويّة الفلسطينيّة في غُضون الرّواية - إذن - تقع تحت تهديد، حتّى في البِقَاع العربيّة التي يجتازونها، ورُبّما كان أحَد مقاصد الرّواية ومَرَاميها الفنيّة والإنسانيّة إحياءَ هذا السؤالِ الجَارح والاستفهام المُمِضّ: كيف للفلسطينيّ أن يُحافِظ على هُويّته، ويقاوِم عدوَّه؟ بل كيف لكلّ مؤمن بالقضية العربيّة الفلسطينيّة أن يُبقي على الهُويّة رغم كونها تحت حصار ساحق؟!

تُخلف الرواية إحساسًا بالقلق على الوضع الفلسطينيّ، وربما كان مُشكل الهوية هو أحد الأسئلة الشاخصة لرجال في الشمس، هذا دون الإسراف في التثريب على الفئة القليلة التي حاولت البحث عن حياة أفضل تحت شمس أُخرى؛ ومِن المُفترَض – أو مِن الأَحْرى أن يكون طبيعيًّا - أن يتشبَّث الأفراد بهُويّاتهم القوميّة عند تعرّضها لِخطر دَاهم، أو مَكرٍ مُحدِق، أو انتزاعٍ كُلّي أو جُزئيّ؛ فالهُويّة القوميّة والوَعى بها واستشعار أهميّتها والاستبسال في سبيل إعلائها؛ كُلّ هذه الأشياء تُصبح "مُهمّة على نحو حاسم لحظةَ إدراكِ وقوعِها تحت التَّهديد..... إن أهميّة الحُدود تكون مشروطةً بالضغط الواقع عليها"! (إريكسُن، ٢٠١٢: صـ١٢١).

ولهذا فلا يمكن وَصْف الرواية بالتشاؤم أو العَدَميّة، هذا مع الاعتراف الأَوَّليّ بِجُرعة الأَسَى والطَّابع التراجيديّ البَادي في مُختلِف فصولها، وصولاً إلى نهايتها الفاجعة الصَّادمة، التّي تتركُ في نفس أي قارئ مُتفاعِل أو متلقٍ مُحتَشِد فيضًا مِن المَرارة التي تُقارِب الحَسْرة؛ فموت اللاجئين الثلاثة (أبو قيس، أسعد، مروان) في داخل خَزَّان المياه المحمول على ظهر سيّارة (أبو الخَيزُان)، موتهم على هذا النحو البَشِع، دون أن يبلغوا مَأرَبهم بِالتَّسَلّل إلى حدود الكويت بحثًا عن عَمَل، ودُون أن يقضوا نَحبَهم في مُقاتَلة شريفة لِلعدُوّ الذي أَقَضّ مضاجعهم ونَكَّل بِهم وجَعَل الحياة في أرضهم الأُمّ جَحيمًا لا يُطاق؛ هذا الموتُ نهاية تراجيديّة كاملة الأوصاف مُحكَمة المُقدِّمات؛ إذ لِكل فَرْد منهم مُقدِّمة لِمأساته الخَاصَّة التي تتماهى مع المأساة الكبرى لِشعب فلسطين.

الأبطال الثلاثة - وهم أقرب إلى البَطَل الضِّد أو النَّقيض الخالي من مخايل البطولة - ورابعهم السَّائق (أبو الخيزران) المجروحُ منذ عَقْد زَمنيّ في كبريائه بإصابته في مَحَاشِمه بِلَغَم أو قَذِيفة؛ هؤلاء الأربعة شخصياتٌ تراجيديّةٌ مِثَاليّة، وقوامهم الإنسانيّ المُضَعْضَع والمُجَرّح والهَشّ نِتَاجُ مِحن تَشُقّ الصُّخور وتُقوِّض الشُّمَّ الصِّلاب!!

ودوافع الرِّحلة المشؤومة تَختلف مِن فَرد لآخر منهم، ولكن يجمعها كلها البحثُ عن حياة أقلّ بُؤسًا وهَوَانًا مِن الحياة التي يَحيونها في ظِلّ الإجرام الصّهونيّ وما سَبَّبه مِن فقر وتدنٍ اجتماعی شامل، ناهيك بِمَهانة استلاب الوطن والشعور بالعار إزاء تَحَكُّم طوائف من شُذَّاذ الآفاقِ وحُثالة المُستوطنين الصَّهاينة في مُقدَّرات الفلسطينيين ومُجريات حياتهم اليوميّة!!
فأبو قيس، رجلٌ أشيب، يَتَسمَّع دبيب قَلْب الأرض، ويَشعُر أن لها وَجِيبًا كقلوبِ الناس، ويَتَنسَّم عبيرَ أُمِّه الأرض!! يَتَبدَّل هذا الأَدِيم الذي يَتَعَشَّقه أبو قيس في رحلة هَلاكه مع الرفاق إلى نار لا تُمطِرها السماءُ إلا قَيْظًا وغُبارًا، كما تُوصف في الرّواية! (راجع: الرواية، صـ۸). هو رجُل فيّاض الحنان من الجِيل القديم الذي تَلَقَّى دُروس القَوميّة العربيّة في المَدَارس، ورَأَى بعض تَجلّيات الوَحْدة العربيّة في طُفولته وشَبَابه، وعَايَن أُولَى صَفَحات النِّزَال العربيّ الإسرائيليّ منذ نشوب ذاكَ الصِّراع الدَّامي، ويَشعر بالأسى المُؤلم على مآل وطنه، ويَودّ لو يسَّر مُستقبلاً أَقلَّ بؤسًا لابنه قيس وزوجتِه، والوليدِ الأخير الذي اسْتَهلَّ الحياةَ وما زال رَضيعًا.

لم يكن ترْك أرض الوطن هيِّنًا على أبي قيس، لولا ضِيقُ ذات اليد وإلحاحُ صديقه (سَعد)، وموافقةُ زوجته على أن يُجرِّب حَظَّه في أرض أُخرى بعد أن ضاق الحال في أرض الوطن! إن أبا قيس جَرَّب الهجرة - بل التهجير! – وعاناها من قَبلُ، عن قَرْيته، وغادر مُرغَمًا شُجَيرات الزَّيتون التي كان يمتلكها في بلدته الصغيرة؛ وبِودِّه لو بقي في فلسطين، ولكنه في نهاية أمره عَزَم أمرَه على الهَرَب إلى الكويت في رِحلة صحراويّة جَبَليّة شاقّة، وهو على مَشارف الشَّيخوخة!!

أمّا أسعد - ثاني الأبطال الثلاثة! - فَقَد لَقي الأَمَرَّين حتّى وَصَل البَصرَة، وكاد أنْ يفقد حياتَه في اجتياز نِقاط التَّفتيش الحُدوديّة، وتَعرَّض للخديعة مِن أحد مُهرِّبي الفلسطينيين إلى العراق، وأوشك لهيبُ الشمس أن يقتلَه، ولكنّه وَصَل، ومِن ثَم بَدَأ رحلة التفاوض مع المُهرِّبين لِنقله إلى الكويت. لَمْ يتزوَّد أسعد لِهذه الرِّحلة إلا بخمسين دينارًا اقترضها مِن عَمِّه ليذهب للعمل بالكويت، ثُم يتزوَّج (نَدَى) ابنة هذا العَمّ، مع أنّه لا يرضاها زوجةً! إنّ أسعد لا يَملك مِن حُطام الحياة سوى قَرْضِ عَمِّه وبُنيانه القَويّ؛ فهو شابٌّ مكتوف اليدين في بلده قليلُ الحِيلة في ظِلّ الاحتلال، وأصبحَ مَدِينًا لِعمِّه بالمال وبالوعد بزواج ابنتِه، غيرَ أنّه ما زال يأمُل في عَمَل يكفُل له شيئًا مِن الرَّاحة وقَدْرًا من الرَّخاء، مُعتمدًا على قُوّة ساعدَيه ومَتَانة بِنائه الجَسديّ!

ومروان - ثالث الضَّحايا وأصغرهم - فتًى خَرَج مِن التعليم لِيحلّ مَحلّ أخيه الذي يعمل في الكويت، وما إن تَزوَّج هذا الأخ حتّى قَطَع المالَ الذي كان يُرسله إلى أُسرته، وأرسلَ لأخيه الصّغير مروان رسالةً يُعلِمه فيها أن دَوره قد جاء لِيترك المَدارس وينزل (مِقلاة!) الحياة، هذه الكلمة الدَّالة والقاسية تتكرَّر مَرَّات في تضاعيف الرِّواية! عندئذ يُزمِع السَّفر بدنانير معدودة قليلة ما إن يصل إلى البصرة لا يتبقّى منها سوى سبعة! والمُهرِّبون يتقاضون خمسة عشر.

لم يكن مروان فتًى صحيحَ الروح سليم النَّفس، فقد كان مَجروحًا جرحًا غائرًا لِتطليق أبيه لأُمّه وزواجِه من امرأة مقطوعةِ الرِّجل لِيأوي إلى بَيْت الزوجة الجديدة ذي السَّقْف السَّاتر والبناء الإسمنتي المتين! ويترك أُمَّه وأربعةَ أطفال - هو أحدهم – في مُخيَّم بين جُدران بيت طِينيّ خَشَبيّ السَّقف آيلٍ لِلسقوط. وفي الآن ذاتِه يُعاني مروان شُعورًا مُلتبِسًا حِيال أبيه؛ فهو ما زال يُحبِّه ولا يَنقِم على المَرأة الشَّوهَاء التي تَزوَّجها، بل إنَّه ودَّعهما قُبيل سَفَره ولاحقاه – أبوه وزوجته - بِعيون دامعة! (راجع من الرِّواية: صـ42 – ٤٥).

هذا المُهاجر الصَّغير (مروان) هو نِتاج الوَضْع الزَّرِيّ لِلمُخيَّمات، بكلّ ما تمتلئ به من صور الهَوَان وأصناف الضّغوط وألوان الاضطهاد، تلك التي تَسحق النفوس سَحقًا، وتُمزِّق سَكِينة الأُسَر، وتَملأ القلوب بالنِّقمة والضَّجر. وإزاء خُذلان الأب والأخ الأكبر تتقلَّص الاختيارات أمام مروان ولا يَجِدُ مَنَاصًا عن مُحاولة الارتحال والغَوص في (مِقلاة) الحياة المُتأجِّجة، كما يَصِفها أخوه!

رَغْم الحياة البائسة التي جرَّبها مروان وعاينها منذ مطلع وَعيِه، ومع إحساسه الفَادح بِخسائر أُسرته المُتتابعة؛ حين بَحَث الأبُ عن خَلاصه الفَرديّ، وعَرَض على الأُمّ والأبناء تَركَ بيت الطِّين في المُخيَّم وابتلاعَ غُصَّتهم والعيشَ في بيت زوجته الجديدة.. فَأبَت الأُمّ، وحين كَفَّ أَخُوة الكبير! (زكريّا) عن إرسال المَعُونة إلى أُسرته من عمله بالكويت، وترك أُسرته الكبيرة عُرضة لِلجوع والعَراء؛ مع كل ذلك الخُذلان ورَغْمَه ما زال مروان يتشبَّث بقليل من التفاؤل، ويَتَمنَّى على الأيام ألا تخلف ظَنَّه الخَيِّر وفأله الحَسَن، ويُؤمِّل في مستقبل أقلَّ قَتَامة وأَخَفَّ حُلكة لأُمِّه وأبنائها الأربعة، لِنقرأ قولَ الرَّاوي الدَّالّ: "لا بأس! لا بأس.. أيامٌ قليلة ويَصِل إلى الكويت.. إذا ساعده زكريا كان ذلك أفضل، وإذا تجاهله فلسوف يعرف كيف يَهتدي إلى أَوَّل الطّريق، كما اهتدى كثيرون.. ولسوف يُرسِل كلَّ قِرش يُحصِّله إلى أُمّه، سوف يُغرقها ويُغرِق إخوتَه بالخير حتّى يجعلَ من كُوخ الطِّين جَنَّةً إلهِيَّة.. ويجعل أباه يأكل أصابعَه نَدَمًا!).. (الرواية: صـ50).

هنا يَكمن مَنَاط المَأسَاة؛ في المَطمُوح فيه ومُفارقته الصَّارِخة مع النِّهاية الفَاجِعة، في حُلم الثلاثة المُرتحلِين بحياةٍ رَغْدةٍ - أو أقلّ سُوءًا مِن حَيَواتهم! - والتناقض المُفزِع للحلم الجميل مع مِيتتهم المَجَّانيّة تحت لَهَب الشمس، ثُمّ إلقاء جثامينهم في إحدى المَزَابل ليُدفَنوا على أي نحوٍ وفي أي مَقبرة بواسطة ناقلي القُمَامة!! فأيّ مصير هذا الذي يُطارد المواطنَ الفلسطينيّ (العربيّ!!) أينَمَا حَلّ؟! كما تُبرِزه محطّات الرِّحلة الكَابوسيّة لرجال في الشمس؟!!

إننا تجاه سرديّة تراجيديّة رفيعةِ المَقَام، مُحكَمةِ الصُّنْع، محبوكةِ البِّناء، قصيرةِ المَبنى (111 صفحة في الطّبعة المُستخدمة) كبيرة المَعنى، مُحدَّدة ومحدودة الخُطوطِ الدَّراميّة غير أنَّها ثرَّة الدّلالة وافية الإحالات بيّنة المَقاصد قريبة الإيماءات. وعلى الرَّغم من ارتباط الرّواية الوَثِيق - كما لاحظنا - بالهَمّ الفلسطينيّ، وتشخيصها لشرائح من الأزَمَات الإنسانيّة الكُبرى التي تُواجِه فئاتٍ كُبرى مِن المجتمع الفلسطينيّ؛ فإن (رجال في الشمس) ليست عملاً وقتيًّا زائلاً، ولا ظِلًّا لِواقع إذا غابَ غابتْ النصوص التي كُتبتْ عنه؛ فمَع أهميّة السِّياق الذي أَنتَجَ هذا العَمَل الأدبيّ ودورِه المِحوريّ في إضفاء المعاني النَّبيلة على النص؛ فإن العمل إذا كان أصيلاً - على غِرار سرديّة غسان كنفاني - ونُسِج بِیدِ صانعٍ مُحترفٍ "يَشِبّ عن طَوْق السّياق الاجتماعيّ الخاص، ويَعلو عليه ويَنفكّ مِن إساره.... فكلّ لَحظةٍ غنيّة بإمكانيات لا حَصْر لها، وليس لِظرفٍ اجتماعيّ ما معنى واحدٌ على عَكْس ما قد يتبادر إلينا". (مصطفى ناصف، ۱۹۸۲: صـ۹۷).

وعلى هذا فنصّ كنفانيّ ليس عملاً تاريخيًّا مَرحليًّا، ومِن المُستبعد – فيما أتَصَوَّر - أن يفقد قِيمتَه بتغيّر الواقع العربيّ، أو بِتَبدّل موازين الصِّراع العربيّ الإسرائيليّ؛ لأنَّه عملٌ رِوائيّ جيد، في أدنى التقديرات، وجودته مُتحقِّقة قَبْل أن يَشتبِك بمُنعَرَجات إطاره السياسيّ والتاريخيّ، هذا فضلا عن كَوْن (رجال في الشمس) معالجةً رصينةً لِمُعضلة كُبرى من مُعضِلات الإنسان المُعاصِر - فيما أظنّ! - هي الشعور بالاغتراب؛ حيث يُعاني الرّجال الثلاثة الذين لَقَوا حَتفَهم مِن اغترابٍ قاسٍ بالمعنى الفلسفيّ والاجتماعيّ! فَكُلّهم يَشعرُ بالغُربة – المُفضِية في مِثل أحوالهم لا مَحَالةَ إلى الاغتراب! -على أرضِ وطنِه بل بين أفرادِ أُسرِهِم، ولا تخلو رؤيتهم للحياة من إحساس بالزَّيف الوجوديّ والعُقْم العبثيّ وبِسطحيّة العَلاقات وهَشَاشَتها، بل لاإنسانيّتها ووَحشِيَّتها في بعض الظروف الصِّراعيّة القاسِيَة! (راجع في تعريف الاغتراب: محمود رجب، 1993: صـ٥ – ٦).

ولقارئ - أو ناقد - أن يقرأ هذه السَّرديّة المَاتعة مِن بدئها إلى مُنتهاها بِوصفها تشخيصًا للاغتراب، وأمثولةً بليغةً لأطيافه وملامحه وتجلِّياته، ولا ضَيْر عليه؛ فمأساة المُخيَّمات قد أنتجتْ دَرَجاتٍ من الاغتراب الإنسانيّ بدايةً من الاغترابِ الكونيّ وليس انتهاء بالاغتراب العائليّ!!

وليس في تناول الروايّة أو فهمها كسرديّة من سرديّات الاغتراب أيّ تزيّد أو افتئات على النصّ الأدبيّ؛ فالكتابة الأدبيّة - كما تُعلِّمنا بعض الاجتهادات النقديّة المُعاصرة - ضربٌ من الفلسفة الطَّلِيقة غيرِ النَّسَقيِّة وغيرِ المَدرسيّة (فالأدب بالضرورة على خلاف المذاهب الفلسفيّة المَعهُودة والتيارات الفكريّة مُحدَّدة الأُطُر والمبادئ والأهداف)؛ تلك الفلسفة الأدبية مُوحِيَةٌ ومُدهشة؛ بِلُغتها الفنيّة وصُوَرها الجاذبة وإلمَاعَاتها المُتَدَفِّقة وليونة تقديمها للأفكار الجَهْمَة والمفاهيمِ المُغايرة، إن الأدب - بِعبارة مُكثَّفة - هو الفلسفة الرَّهيفة الرَّصينة غيرُ الرَّسميِّة!! (راجع: کابانس،1982: صـ۱۲۸؛ فورستر، 1982: صـ١٥٠).
وفي الوقت نفسِه، فإن تأويل النصّ عَمَل يَخصّ القارئ، والقارئ يُوظِّف مَعَارف عصره وإمكاناته المعرفيّة والتاريخيّة من أجْل فهم العَمَل المَدروس فَهْمًا مُلائمًا لِزَمنه، فالمُتلقّي يُقدّم اقتراحاته التفسيريّة دُون يقين مُطلق بِصحّة فهمه؛ لأنّه عُرضة لأَثَر الثقافة ومُلابسات السِّياق، والناقد - وما هو في أفضل أحواله إلا قارئ مُدرَّب! - مِثله في هذا الوَصف. (راجعDobie :، ٢٠١٢ pp : ١٨١-٨٢.)

ويبقى (أبو الخيزران( المُهَرِّب شخصيةً إشكاليّة رُسمتْ ملامحها وقَسَماتها بِعنايَة، وحِيكتْ خِصالها بِدقّة؛ بِحيثُ آلَ إلى هذا التّكوين الإنسانيّ المُلبِس، فالقارئ للرواية يَحَارُ بين الإسراف في النِّقمة عليه لانتهازيّته وطَمَعه وتَلاعُبه بِرغبات بَنِي جِلدته ومُراوغاته التي لا تنتهي ووعوده المَعسُولة المُتتالية من ناحية، ومِن ناحية أخرى يَرثي له القارئ إذ تتابعتْ عليه النَّكَبَات والهزائم والخسارات حتّى كَفَر بكلّ شيء سوى اعتصارِ الفُتات من المَال مِن دَم مُواطنيه!

وبِغضّ النَّظَر عن موقفنا الأخلاقيّ والإنسانيّ من هذا السائق المُحطَّم إنسانيًّا وقِيَميًّا ورُوحيًّا، فلا نملك غير الإشادة بِحكمة الرِّوائيّ وحُنكة خَلْقه لِشخصيّة أبي الخيزران، إنّه نموذج فِجٌّ لِلعدميّة المُسَوَّغةِ أو المُمَهَّد لها عَبْر مُقدِّمات مَرِيرة تكَفَّلت – من أسفٍ - بأن تُودي بإنسانيّته وأن تُسهم في ضياعه الرُّوحيّ! إنّه في إحدى المُناورات النِّضاليّة غَدَا عَقيمًا! ورَغم ذلك ضاعتْ الأرض وتَفرّق شَمْل أبنائها! وأضحى – في نهاية أَمرِه وفي مُنتصف عُمره - غريبًا عن وطنِه ومُغتربًا كأقسى ما يكون الاغتراب، وحِيال كلِّ تلك الهزائم حاول تكديسَ قَدْر من المال يَضمن له شيئًا مِن كَرَامةٍ وقَدْرًا من احترام، ومما يجعل القارئ يأسى على حالِه أنه ليس شرِّيرًا مُحترفًا ولا عدوانيًّا عتيد الإجرام، بل كان – فيما مَضى! في مَطلع شبابه! - مشروعَ مُناضل ماهرٍ في تطويع الآلات والمُعَدَّات لأغراض وطنيّة!

ظروف الوطن التَّعِسَة، وإصابةُ أبي الخيزران النَّافذة، إلى جانب فقرِه وشعورِه الطَّاغي باللاجدوى؛ كل ذلك أفضى إلى انطماسِ بصيرته واضمحلالِ آماله وركونِه إلى أحطِّ المَهَام، عَبْر أردأ الوسائل وأخطرِها! إنّه أَحدُ مَن نَجَح الاحتلالُ البَغيض في هزيمتهم النَّفسيّة وإجدابِ حياتهم من كلِّ معنى وإخلائِها مِن أيّ أمَل مخايل أو تفاؤل مُعَزٍّ؛ وما صرخة الرَّاوي: (لقد ضاعتْ رجولتُه، وضاعَ الوطن، وتَبًّا لِكل شي في هذا الكَون الملعون!).. (الرِّواية: صـ٧١)، سوى هزيمة بارزة لنموذج له أشباه وأمثال مِن بَنِي وطنه، مع كامل الأسى!

ولكنّ نافذة النّور الخافتة الباقية في نفس أبي الخيزران تُفاجئنا في آخر سطور الرّواية، عندما أكَلَه النَّدَم - وأَحسبُه قاربَ الجنون! - واستبدَّت به الحَسْرة على المَصير المُستبشَع لرِفاق الرِّحلة الثلاثة، ووقف في عُرض الصّحراء يُسائل نفسَه هذا السؤال المُسَنَّن الجارح: (لماذا لم يَدقّوا جُدران الخَزّان؟!.... لماذا لَم تَدقّوا جدران الخَزّان؟!.... لماذا لَم تَقرعوا جدران الخزان؟!).. (الرواية : صـ111)، كان الصَّارخ في البَرِّيَّة حينئذٍ هو المُحاربَ القديم الذي وَهَب ملكاته ذات يوم لقضيّة موطنه ومَسقَطِ رأسِه؛ كان المُنادي وقتذاك هو الإنسانَ الأقلَّ سُوءًا، قَبْل أن تَرِين على قَلبِه كوارثُ عِدّة أصابتْ روحَه في مَقاتِل، ونَقَلَته مِن موقع الفدائيّ إلى دركات عالَم المُهرِّبين!

وذلك السُّؤال الأسيَان يكاد يَجمَع خيوطَ الرِّواية السَّرديّة، ويُلَمْلِم خُطوطها التراجيديّة في جُملة مُتسائلة كَحَدِّ النَّصل: لماذا لا تَفُكُّون حِصَاركم؟! لِم لا تحطِّمون جُدران الأَسْر؟! كيف تُعيدون وقائع الهزيمة من موقع إلى آخر، ومن مسرح إلى مسرح، ومن (الخطوط الأماميّة) إلى صَحارى البِقاع الجنوبيّة القَصِيَّة؟! وأنَّى تذهبون إن لم تُحاصروا حِصارَكم وتُواجِهوا عدوَّكم الجديرَ بالمقاومة؟! ما لَكم تُغرقون في أحلام اليَقَظة (للقارئ أن يُراجِع سادسَ فصول الرواية "الشمس والظِّل"؛ ليرى البَوْن الشَّاسع بين أحلام هذا الرَّكب الضَّائع في الفَيَافي ومآله الحزين!) ولا تواجهون قضيّتكم على قلب رجل واحد؟! ألا تستطيعون نَفض الأيدى مِن هزائم الماضي وتوحيدَ صفوفكم إزاء عدوِّكم الظاهرِ للعِيان؟!

إن الرّحلة الهائلة التي تَشغل فصول الرّواية السّبعة هي الرحلةُ في الاتجاه الخاطئ، إنها رحلةٌ تُكبِّد أصحابَها صُورًا مِن المَهَانة والتَّلاعبِ بِمقاصدهم، وفي الخِتام لم يَبلُغوا شيئًا مِمّا أَمّلوا، إنها ارتحالٌ نحو نقيضِ الصَّواب، وها هي نهايته الفَاجعة، وبدلاً من أن يموت أبناء الوطن في ساحات (الوَغَى) ومعاركِ استرداد الحقّ السَّليب لَقَوا حتفَهم بلا طائل، واستقرَّت أجسادُهم في مَلقى للقُمامة، وكانت تلك النهاية - على بشاعتها – مُتناسبة ومنطقية ومُواكبةً وربما رادِعة، مع قَسوتها النِّسبِيَّة، لِمن نَكَل عن الكِفاح في سبيل فكّ الحِصار، وبَحَث عن خَلَاص فرديّ؛ هذا لأن الاستشهاد في معارك التَّحرير يَرفع صاحبَه درجات! على حين أن النّكوص عن الفِداء يَهوى بمَن رامَه دَرَکَات، ويَثوي به – ولو طال المَدَى - حيث ثَوَى ضحايا (رجال في الشمس).

المصادر والمراجع

ملحوظة: قام نظام الإحالات على طريقة (المؤلف، سنة النشر: الصفحة)، داخل متن البحث؛ لإيجازه وتغلّبه على مشكلات الهوامش ومُناسبته للدراسات القصيرة؛ ومن ثَم جاءت قائمة المراجع مُرَتّبة على هذا النَّحو.

أوّلًا- مَصدر البحث:

– غَسّان كنفانيّ (۱۹۹۹): رجال في الشّمس، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة. (صَدَرت الطبعة الأُولى من الرواية سنة ١٩٦٣).

ثانيًا- المَراجع:

– إريكسن، توماس (٢٠١٢): العِرقيّة والقَوميّة، وِجهات نظر أنثروبولوجيّة (ط1)، ترجمة: لاهاى عبد الحسين، المجلس الوطنيّ للثقافة والفنون والآداب، الكويت.
– جابر عصفور (٢٠١١): الرّواية والاستنارة، كتاب دبيّ الثقافية، دار الصّدى للصحافة والنشر والتوزيع، دبي.
– جنكينز، إيردل (1963): الفنّ والحياة (ط (1، ترجمة :أحمد حمدي محمود، مراجعة: علي أدهم، المؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة والطباعة والنّشر، القاهرة.
– شُكري عيّاد (۱۹۷۸): الرُّؤيا المُقيّدة؛ دراسات في التّفسير الحضاري للأدب، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة.
– فورستر، إ.م (٢٠٠١): أركان الرّواية، ترجمة: کمال جاد، مراجعة: حسن محمود، تقدیم: ماهر شفيق فريد، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة.
– فورستر، نورمان (۱۹۸۲): "الحُكم الجَماليّ والحُكم الأخلاقيّ في النَّقد"، ضِمن کتاب: (مقالات في النّقد الأدبيّ)، ترجمة: إبراهيم حمادة، دار المعارف، القاهرة.
– فولر، روجر (١٩٩٦): "الأدب بوصفه خِطابًا"، ضِمن كِتاب (نظرية الأدب فى القرن العشرين - ط1)، تحرير: ك. م. نيوتن، ترجمة: عيسى علي العاكوب، دار عين، القاهرة.
– کابانس، جان لِوي (١٩٨٢): النّقد الأدبيّ والعلوم الإنسانيّة (ط1)، ترجمة: فَهد عكّام، دار الفِكر، دمشق.
– مصطفى ناصف (۱۹۸۲): دراسة الأدب العربيّ (ط۳)، دار الأندلس للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت.
– محمود رجب (1993): الاغتراب؛ سِيرة مُصطلح (ط4)، دار المعارف، القاهرة.

– Dobie, Ann. B (2012): Theory into practice; an introduction to Literary Criticism, Wadsworth, Boston.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى