دراسة في سيميائية الخطاب وفلسفة الوجود
جماليات الرمز وتقنية القناع في رواية«فرس العائلة» لمحمود شقير:
دراسة في سيميائية الخطاب وفلسفة الوجود
ملخص الدراسة:
هدف البحث تقصي استراتيجيات الرمز والقناع في رواية فرس العائلة لمحمود شقير باستخدام المنهج الوصفي التحليلي للكشف عن دورهما في حماية الذات الفلسطينية وقد توصلت الدراسة إلى أن الكتابة فعل مقاوم لاسترداد المكان المسلوب، وقوة خيال تحمي الوجود من التلاشي والشتات.
الكلمات الدلالية:
الرمز، القناع، محمود شقير، فرس العائلة، الهوية الفلسطينية.
المقدمة:
تأتي رواية فرس العائلة للكاتب الفلسطيني محمود شقير كأحد أهم الأعمال الروائية التي تشكل بؤرةً سرديةً مكثفة، فهي تتجاوز الخطاب التوثيقي المباشر لتكون فضاء فنياً ونسقاً جمالياً ممانعاً يرفض الذوبانَ في سياقِ الفناء.
إنَّ هذه الدراسة، المعنونة بـ[جماليات الرمز وتقنية القناع في رواية (فرس العائلة) لمحمود شقير: دراسة في سيميائية الخطاب وفلسفة الوجود]، لا تختزل النصَ في بعده التوثيقي كسجلٍ لشتاتِ القبيلة، ولكنها تستنطقُ كوامنهَ كاستراتيجيةٍ وجوديةٍ ترفضُ الانصياعَ لواقع المحو، مفترضةً أنَّ الرمز والقناع أدواتٌ إجرائيةٌ استلَّها شقير لترميم ذاتٍ مهددةٍ بالاستلاب.
ويبرز الانسجام الدلالي بين عتبة العنوان والخطاب الروائي في تحول "الفرس" من كائنٍ ماديٍ في المشهد الحكائي إلى أيقونةٍ سيميائيةٍ تكتنزُ ذاكرة "عهد الأرض" وسيادتها المهدورة، وفي موازاة ذلك تتمركز تقنية "القناع" لتؤطر حركات الشخصيات وطقوسها اليومية، فلا يعود دقُّ المهباش أو التمسك بوشمٍ قديم مجرد عادةٍ نمطية، ولكنه يستحيل إلى استراتيجية تخفٍ ومقاومة، تحمي الهوية من التآكل أمام ضراوة المكان المستلب.
تتمحور مشكلة الدراسة حول تبيان كيف استحال "الرمز" و"القناع" في "فرس العائلة" من عناصر تشكيلية إلى آلياتٍ وجوديةٍ ترفض المحو، وتُعيد صياغة الكينونة الفلسطينية في مجابهة ضراوة الجغرافيا المستلبة.
الأسئلة الفرعية
1. كيف تحولت الفرس من كائن مادي إلى رمز سيميائي يعيد صياغة عهد الأرض في مواجهة انزياحات المكان
2. إلى أي مدى أفلحت تقنية القناع في تحويل طقوس الشخصيات اليومية من عادات نمطية إلى استراتيجيات مقاومة وجودية
3. رصد ملامح الفلسفة الوجودية التي شيدها الخطاب الروائي لترميم الكينونة الفلسطينية وحمايتها من التلاشي.
وتهدف الدراسة إلى الكشف عن الوظيفة السيميائية للرمز في ترميم الذاكرة وتفكيك استراتيجيات القناع في مقاومة محو الكينونة.
وتبرز قوة الدراسة من كونها تتجلى في رصد تحوّل الرمز والقناع من أدوات لغوية لسانية إلى استراتيجيات رمزية مقاومة ترفض محو الوجود الفلسطيني.
تعتمد الدراسة المنهج الوصفي التحليلي وفق مقاربة سيميائية، لتفكيك بنية الخطاب الروائي ورصد تجليات الرمز والقناع بوصفهما نسقاً دلالياً مقاوماً.
هيكلية الدراسة
اقتضت الضرورة البحثية تقسيم الدراسة إلى مقدمة تتضمن طبيعة الدراسة ومحاورها ومشكلة الدراسة، والمنهج البحثي المتبع، ومبحثين: تناول الأول ترجمة الكاتب وملخص الرواية، فيما تناول الثاني آليات الاشتغال الرمزي واستراتيجية القناع في تشكيل الوعي السردي.
المبحث الأول: الكاتب في سطور
أولا- ترجمة الكاتب: محمود شقير؛ كاتب فلسطيني من مواليد جبل المكبّر، القدس(1941). يكتب القصّة والرواية للكبار وللفتيات والفتيان. أصدر حتّى الآن خمسة وثمانين كتابًا، وكتب ستّة مسلسلات تلفزيونيّة طويلة وأربع مسرحيّات. تُرجمت بعض كتبه إلى اثنتي عشرة لغة من بينها الانكليزيّة والفرنسيّة والإيطاليّة والسويدية والفارسية والتركية. من رواياته للفتيات والفتيان: أنا وجمانة، أحلام الفتى النحيل، في انتظار الثلج، حَماَم السطح.
شغل مواقع قياديّة في رابطة الكتّاب الأردنيّين وفي الاتحاد العام للكتّاب والصحافيّين الفلسطينيّين. حاز جوائز عدّة، من بينها جائزة محمود درويش للحرّيّة والإبداع 2011، وجائزة القدس للثقافة والإبداع 2015، وجائزة دولة فلسطين في الآداب2019، وجائزة الشرف من اتحاد الكتاب الأتراك2023، وجائزة فلسطين العالمية للآداب 2023.
تنقّلَ بين بيروت وعمّان وبراغ، ويقيم حاليًّا في القدس.
المبحث الثاني آليات الاشتغال الرمزي واستراتيجية القناع في تشكيل الوعي السردي عند محمود شقير.
يتقصى هذا المبحث تكامل الرمز والقناع في سردية محمود شقير بوصفهما درعاً إيحائياً لاستنطاق المسكوت عنه، إذ تتحول العناصر البسيطة في الرواية عبر الرمز إلى علامات دلالية تحمي الذات من مواجهة القمع أو الهزيمة بشكل مباشر، ويأتي القناع كأداة لصهر الهم الفردي في الوجع الجمعي، ويكتسب النص أبعاداً درامية تعمق مأزق البطل الوجودي وتضعه أمام استحقاقات الهوية، وصولاً إلى كشف آليات التخفي والمقاومة التي ترسم ملامح البناء السردي.
وللوقوف على جماليات الرمز وتقنية القناع في رواية فرس العائلة لابد وأن نقف عند ثلاثة محاور رئيسة تشكل في مجملها بنية السرد وهويته الفنية، ولكن قبل الولوج في غمار التحليل، يقتضي المنهج ضبط مفهومي الرمز والقناع اللذين عليهما تنهض هذه الدراسة:
مفهوم الرمز في النقد الأدبي: انطلقت الجذور الأولى لمفهوم الرمز من فلسفة أرسطو الذي اعتبر الكلمات رموزاً لمعاني الأشياء؛ فهي تبدأ كتمثيلات للمحسوسات ثم ترتقي لتشمل المفاهيم التجريدية في مستوياتها العليا.
وفي ذات السياق يقرر دي سوسير أن اللغة في جوهرها وبنيتها ليست سوى منظومة متكاملة من الرموز.
أما في الفضاء الاصطلاحي للأدب فيعرف الرمز بأنه كيان يحل محل كينونة أخرى في الدلالة عليها، معتمداً على الإيماء أو العلاقات العرفية بدلاً من المطابقة التامة. وينبع هذا من كون الخطاب الأدبي في أصله تشكيلاً رمزياً يحتشد بدلالات تكتسب حيويتها وفرادتها من طاقة المبدع ذاته
وعند الانتقال إلى التفسير النفسي يربط فرويد نشأة الرمز بالرغبة اللاشعورية؛ حيث يغدو الرمز أداة طيعة في يد المكبوت الجنسي لتمرير رغباته عبر الفن. غير أن الأفق الرمزي اتسع عند يونغ 6 ليتجاوز النطاق الفردي الضيق نحو اللاشعور الجمعي؛ إذ يرى أن الرموز تنبثق من عناصر فطرية كونية تنتمي إلى الميراث الإنساني المشترك.
القناع في النقد الأدبي:
يعد القناع رمزا فنيا محوريا يوظفه الشاعر ليضفي على صوته نبرة موضوعية تخرجه من حيز الذاتية المباشرة ،ووفق رؤية عصفور فإنه: يمثل رؤية إبداعية يتجلى فيها التفاعل الحي بين ذات الشاعر والموضوع الخارجي بحيث ينطق الشاعر بلسان شخصية أخرى متجردا من أناه الصرفة،
لقد نشأ القناع كوسيلة درامية بدأت برقص القبائل البدائية ثم تطور لينتقل إلى الاحتفالات الدينية في المسرح الإغريقي والمسارح القديمة الأخرى ولا يزال حاضرا في الفنون الأدائية حتى العصر الحديث، بالرغم من كون القناع مصطلحا مسرحيا في منشئه إلا أنه لم يقتحم فضاء القصيدة إلا مع مطلع القرن العشرين ليعكس نمطا متطورا من استثمار الرموز والشخصيات ويؤصل لعلاقة جديدة تربط الشاعر بتراثه محققا بذلك خطوة متقدمة لإثراء الشعر بأساليب الفنون الإبداعية الأخرى.
المحور الأول: سيميائية الفرس
تأتي الفرس في رواية فرس العائلة لشقير بوصفها علامة سيميائية تُعوض غياب الجغرافيا، إنها المركزية التي تمنح الشتات ثباتاً رمزياً، والسيادة التي انتقلت من حيازة المدى إلى حيازة الذاكرة.
رمزية الفرس كجغرافيا بديلة: باستقراء رواية "فرس العائلة" لمحمود شقير، يتجلى لنا بوضوح الفرس بوصفه رمزا وجوديا لجغرافبا المكان، ففي مواجهةِ تآكلِ الأرضِ تحت وطأةِ التهجير، يتكثفُ الحيزُ الجغرافيُّ المفقودُ داخلَ جسدِ الفرس، التي تستحيلُ وطناً مختزلاً في فضاءِ المدينةِ القسري، فيشكل حضور الفرس سيميائياً لسيادةِ البريةِ الموءودة، حيثُ تعملُ الفرسُ كميثاقِ بقاء ربطُ الذاتَ بعهدِ الأرضِ الغابر، محولةً الانكسارَ الوجوديَّ إلى أيقونةٍ حضوريةٍ ترفضُ الرضوخَ لواقعِ المحو، يقول شقير: "وتمضي نحو مربط الفرس فرس ابنها منان تتلمس جبينها ورقبتها بحنان ثم تغادرها تجلس في الخلاء على مسافة من مضارب العشيرة، وتنظر نحو السهل والجبل وحينما تضجر من الكلام تغني بصوت خفيض أغنية من أغاني أيام زمان يوم كانت صبية ترقص في الأعراس، وتتذكر زوجها محمد، يوم تزوجها وكان متعلقا بها على نحو حميم" .إن استقراء المشهد الخطابي المذكور يتكشف كيف تجاوز الفرس في هذه اللوحة السردية الكيان الحيواني إلى رمز جغرافي بديل تتجاوز حضورها المادي؛ فهي المساحة الوجودية التي تعوض "صبحاء" عن الأرض المستلبة، حيث يغدو تلمّس جسدها طقساً لاستعادة تضاريس البرية المفقودة ومسح غبار الشتات عن ملامح الهوية، إنها تمثل النسيج الوجداني الرابط بين الحاضر المأزوم وبين زمن الصبا والأعراس، والمحفز الذي ينقل صبحاء من ضيق الكلام إلى رحابة "الغناء الخفيض، لتتحول الفرس إلى محراب للذاكرة يستعيد فيه الماضي حيويته وتسترد الذات أنوثتها وزمنها المفقود. لقد أضحت الفرس هي الحيز الوحيد الذي استعصى على التهجير، والمركز الذي يمنح الانتماء يقيناً كلياً يعانق الجبل والسهل في خيال الشخصية. ويقول في موضع آخر: "نهضت مثيلة وهي تتحامل على نفسها. فتحت باب البيت، ولاحظت أن الريح توقفت، وثمة مطر خفيف ينث من السماء. خمّنت أن صهيل الفرس قادم من ناحية بئر العـ . مضت نحو البئر. مشت خطوة أو خطوتين ثم توقفت وأصغت بكل حواسها. ولم تتوقف الفرس عن الصهيل والنداء: اصحوا من نومكم يا العبد اللات. اصحوا. وجدت نفسها تردّد من خلف الفرس: اصحوا يا العبد اللات. اصحوا." ، ينتقل صهيل الفرس في هذا المشهد من الحيز البيولوجي الطبيعي ليمثل محورا مركزيا، وصوتاً للحق الوجودي فيشكل القوة التي تكسر رتابة الوجع وتخترق صمت المدينة المستلبة، لم يعد الصهيل القادم من جهة البئر مجرد صوتٍ عابر، وإنما استحال خطابا رمزيا يستنهض الذاكرة الجمعية لعشيرة (العبد اللات)، وتستحثها على استعادة وعيها بهويتها المهددة، إنَّ تكرار مثيلة لنداء الفرس (اصحوا) يجسد لحظة الالتحام التام والشامل بين الإنسان ورمزه، فتذوب المسافة بين الذات والفرس فتشكلا معا صوتاً واحداً مقاوما لحالة العجز الروحي، فالفرس هنا تتقمص دور المبشر الوجودي الذي يربط بين ندى المطر ممثلا استشراف المستقبل، وبين وعمق البئر رسوخ الجذور، معلنةً أن جوهر البقاء يكمن في الصحوة الصلبة الناضجة التي ترفض الارتهان لضيق المسارات أو الاستسلام لهزيمة الروح.
وتتسع دائرة الرمزية للفرس في الخطاب الروائي ليعكس في الرواية بُعداً سيميائياً مغايرا، ليتحول صهيل الفرس من نداء خارجي إلى نداء داخلي يجتاح وعي الشخصيات عبر بوابة الحلم، فيقول الكاتب: "صارت الفرس تأتيها في المنام، تطلق صهيلها الملحاح كما لو أنها تحتج على أمر ما. كانت مثيلة الذهن تجاه الرحيل، تتحمس له لأن حياتها في البريّة لم تكن تخلو من منغصات. وفي الرحيل فرصة للنسيان، ثم تعود للتذمر منه، وترى أن العيش في البريّة له مزايا لا يمكنها التفريط فيها. هنا الخلاء الفسيح والسهول والجبال والنظر الدائم إلى السماء وإلى الشمس والقمر والنجوم. صحيح، أن الإقامة قريبًا من القدس تعد بتوقعات مريحة" ، في هذا المقطع السردي المتخيل تتحول الفرس ليقظةٍ بديلة تطارد وعي ’مثيلة’ المأزوم؛ إذ إن صهيلها الذي يقتحم احلام مثيلة ما هو إلا تعبير عن قلقُ الهوية الذي يرفض الانصياع لغواية الاستقرار المزيف، يرتفع الصهيل ليكون صوت الحقيقة الأخير في وجه قلق الشخصية واضطرابها، فهو لا يكتفي بالتنبيه، ولكنه يعمل على تفتيت وهم الرحيل، كاشفاً أن الهجرة عن البرية ليست مجرد انتقالة جغرافية، ولكنها تمثل النزوح عن الذات وتشظٍّ للجذور. لقد استحال الصهيل إلى أمانةٍ شعورية ووثيقة تحرس الشخصية من التحلل في هدوء الفضاء الضيق الهش، ليؤكد أن السيادة الوجودية لا تتحقق إلا بالانحياز لرموز الأرض التي تسكن الذاكرة وتأبى الترويض، للدلالة على أن الصهيل يحمل إرث الجماعة ويأبى التفريط فيه.
رفض التشيؤ:
هو رفض الاختزال في أن يكون مجرد شيء لا قيمة له، وباستقراء رواية فرس العائلة لشقير يتجلى لنا بوضوح قدرة الكاتب على تطويع الفرس الرمز وتحويله إلى مركز ثقل وجودي، فلم تكن الفرس في سرديته مجرد عنصر مكمّل للمشهد، فشقير بتفرده تمكن من الارتقاء بالرمز المتمثلة في الفرس لتصبح الوعي الجمعي للعائلة في مواجهة التصدعات المكانية والهوياتيّة، فيقول: "حينما كانت تستبد به الرغبة في الصهيل اعتاد أن يذهب إلى فرس أبيه المربوطة في الحظيرة ستموت بعد عشر سنوات، ربما بسبب الهرم، وربما لإصابتها بمرض ما" ، يبني الكاتب نصه الحكائي في المقطع السردي المتخيل برفض سطوة النظرة النفعية التي تنظر للفرس على انه مجرد أداة نفعية محكومة بدورة الاستهلاك والهلاك، إذ تحاول الضرورة البيولوجية عبر الهرم والمرض محاصرة الفرس في حيّز الجسد الآيل للزوال، يأتي صهيلها المشترك مع أدهم ليُعيد ترسيم حدود كينونتها بوصفها ذاتاً قوية تملك القدرة على الاستمرارية، تخاطب الروح وتنبذ العلاقة النفعية، هذا التماهي الصوتي بين الطفل والفرس هو فعل استرداد لكرامة الكائن من أسر الحظيرة وجمود القيد، ليتحول الصهيل في النص الحكائي من ذبذبة مادية إلى بيان سيادة ورفض اختزال الفرس في قالب الشيء المستعمل، فيمنحها حصانةً ضد التلاشي الرمزي، فيغدو الصهيل هنا لغة الممانعة التي تجعل من الفرس شريكاً وجودياً في حلم الانعتاق، مؤكداً أن الكائن حين يستحيل رمزاً، يحوز حصانةً وجودية تعصمه من التآكل، ليبقى صدى حضوره نابضاً في الوجدان الجمعي عصياً على فجيعة الغياب الفيزيائي.
التحول من النسق المادي إلى الوجودي:
ففي رواية فرس العائلة يتحول جسد الفرس ليغدو الكيان المادي جسراً يعزز الحضور الرمزي فيحفظ الهوية الفلسطينية من التفتت ويحميها من الشطب من الذاكرة، يقول الكاتب: "يفك قيدها، يضع السرج على ظهرها ويركبها يجتاز مضارب العشيرة نحو السهل الفسيح، ينكزها غير مرة، فتعدو وتسابق الريح وهو يصهل فوقها. وبعد ساعة يعود يجد نساء العائلة في انتظاره وهن خائفات عليه، فقد يتعرض للسقوط من فوق الفرس. كان يشعر أن رغبته في الصهيل اكتملت، وهي كل ما كان يعنيه كان ولدًا لا يعرف من شؤون الدنيا إلا أشياء قليلة، ولم يكن يعرف ما الذي تفكر فيه نساء العائلة، ولا يهمه أن يعرف يمشى بصمت وهن يرمقنه بفضول منهن من كانت تخشاه لأن له أذني حصان، ومنهن من كانت معجبة به. ومن أكثر المعجبات به عمته مهيوبة التي شارفت على الثلاثين، ولم تنجب حتى الآن، وهي تتمنى لو أن لديها طفلاً مثل أدهم بأذني حصان" ، إن المتأمل للنص السردي المتخيل يتجلى له في هذا المشهد ذروة الارتقاء من المادي إلى الوجودي، حيث تنصهر الفواصل الفيزيائية بين جسد الطفل وجسد الفرس لصالح كينونة رمزية متعالية، فالفرس يغدو هنا وجودا ذا قيمة يفيض بخصائصه على أدهم، ليعيد خلق هويته بعيداً عن فضاء البشرية الضيق، إذ يمثل فك القيد والاندفاع نحو السهل الفسيح آلية من آليات الترميم الوجودية تكسر حصار المادة وتصون المعنى من التفتت أمام ابتذال شؤون الدنيا، ولم يكن امتلاك أدهم لأذني حصان وصهيله المشترك فوق ظهرها محض جنوح ترفي أو تزيين بلاغي، وإنما كان تجسيدا لرفض التشيؤ، لترتقي الفرس من مرتبة الأداة المادية النفعية لتصبح ذات سلطة سيادية فتمنح الذات الاكتمال الوجودي، بهذا التماهي العضوي استطاع الكاتب ان يحول قيود الواقع (خوف النساء، العقم، الفضول) إلى حضور رمزي باذخ، جاعلاً من الفرس والطفل وحدةً شعورية عصية على المحو تفرض سطوتها الجمالية حتى في نفوس المتربصين بها.
باستقراء تجليات الرمز في رواية فرس العائلة، نخلص إلى أن محمود شقير شيد بالفرس جغرافيا وجدانية بديلة عابرة للشتات، محولاً إياها من كائن بيولوجي نفعي محكوم بالفناء إلى مركز ثقل سيميائي يسترد السيادة من المكان المنهوب إلى رحابة الذاكرة.
لقد نجح الكاتب في تخليص الفرس من نفعيتها المادية ليعيد صياغتها كضرورة وجودية، فاستحال صهيلها بيان ممانعة، وتماهيها مع الشخوص آلية لترميم الهوية المتشظية. لتغدو الفرس الضمانة الرمزية الأخيرة ضد التشيؤ والمحو، واليقين الذي يؤكد أن الأرض المستلبة في الواقع تظل سيادتها مقدسة وقائمة في وعي الجماعة ما دام الرمز نابضاً بسلطته الجمالية.
المحور الثاني: تقنية القناع:
تكشف براعة شقير في فرس العائلة عبر تقنية القناع لتخرق حدود المنطق الواقعي، فتستحيل خط الدفاع المركزي الثقل الذي يحرس الذات من الطمس والتلاشي، إذ إن القناع في النص الروائي يمثل هويةً استباقية تتيح للوجدان الفلسطيني سلطة السيادةٍ في المتخيل، فيتحلل بها من قيود الراهن المأزوم ويتخطى من خلالها عثرات الانكسار المادي، وقد تجلت تلك التقنية في: "قناع أذني الحصان" فجاء أدهم في رواية محمود شقير تجسيداً فنياً لكسر الحدود بين الإنسان والكائن، فقد ألبسه المؤلف قناعاً عضويّاً متمثلاً في أذني الحصان وصهيله المباغت، لم يكن القناع تشوهاً للطبيعة الفيزيائية البشرية، وإنما هو تمردٌ وجودي على كل محاولات تدجين الهوية الفلسطينية، يقول الكاتب: "يمشى بصمت وهن يرمقنه بفضول منهن من كانت تخشاه لأن له أذني حصان، ومنهن من كانت معجبة به. ومن أكثر المعجبات به عمته مهيوبة التي شارفت على الثلاثين، ولم تنجب حتى الآن، وهي تتمنى لو أن لديها طفلاً مثل أدهم بأذني حصان"، بتتبع تجليات الهوية في شخصية أدهم نلحظ تحولاً جوهرياً من الكيان الآدمي لى الكيان الرمزي، حيث يتجاوز امتلاكه لأذني الحصان حدود العارض الفسيولوجي ليغدو قناعاً عضوياً يرتديه الوعي؛ صوناً لذات مهددة بالاضمحلال. هذا القناع منح الطفل خصوصية السيادة، وليستحيل في وجوده درعاً وجدانياً يصد رتابة الشتات ومرارة الانكسار المادي، ومن زاوية أخرى يعمل هذا القناع كحصن منيع يعصم الطفل من الانزلاق في تفاهات شؤون الدنيا التي استنزفت روح الجماعة بعد النزوح، فأدهم يغلق سمعه عن ضجيج الهزيمة لينصت حصرياً لإرث البرية ونداء الجذور، إن هذا التميز يخرجه من أسر التهجير الضيق لحصوله إلى أيقونة مقاومة متمردة ترفض الترويض المديني القسري، وفي إعجاب عمته مهيوبة وتمنيها طفلاً بصفاته نستشعر اعترافاً مبطناً بأن هذا القناع هو المخرج الوحيد من عقم الواقع إلى رحابة الرمز وبذلك يتحول القناع إلى هوية تعويضية تملأ فراغ الجغرافيا وتؤكد أن الذات الفلسطينية حين تحرم من كينونتها المادية تلوذ للاحتماء بأقنعة القوة الأسطورية لتصون كبرياءها من التفتت والاندثار، و"قناع الحلول الرمزي حيث يقول: "ابنه محمد الكبير انتبه إلى أن عوالم عجيبة تتجلّى خلف المدى الواسع الذي تبحر فيه عيناه. صار يلح على أبيه في طرح الأسئلة وأبوه في شغل شاغل عنه. اضطرّ إلى الذهاب بعيداً خلف مضارب العشيرة، باحثاً في المنعرجات الوعرة عن أسرار ما زال يجهلها. وظلّ يعتقد أنه سيلتقي فرس العائلة من جديد، على شكل كرة من غزل، أو على هيئة صبيّة دعجاء العينين. صار يكثر من استحضار الصبية التي ظلّت ترافقه وتحيا في خياله كلّما ابتعد من مضارب العشيرة". باستجلاء وتقصي هذا المشهد يتضح لنا ملامح قناع الحلول الرمزي أو ما يمكن لنا القول: إنه الاغتراب النفسي الممتزج بطقس الاستغراق في المتخيل، فمحمد الكبير يرتدي هذا القناع ليعبر من ضيق الواقع العشائري المأزوم إلى رحابة العوالم العجيبة التي تتجلى خلف المدى. إن هذا الانزواء خلف الخيال يمثل درعاً وجوديا يرمم به الفراغ الذي خلفه غياب الفرس وسلطة الأب المنشغل، وباستقراء المقطع نجد أن إلحاح محمد في الأسئلة وذهابه بعيداً خلف المضارب هو طقس معرفي يرفض الركود، فيتخذ القناع هيئات أسطورية ككرة الغزل أو الصبية دعجاء العينين وهي تجليات للروح الحارقة التي ترافقه كلما ابتعد عن مركز العشيرة الرتيب، لقد شكل استحضار الصبية في خياله قناعا تعويضيا يمنح الذات المغتربة أنساً وجدانياً في المنعرجات الوعرة ويحول الجهل بالأسرار إلى رحلة كشف دائم هذا من زاوية، ومن زاوية أخرى يمثل هذا القناع وثيقة الانفصال الشعوري عن واقع الهزيمة، فالبطل يبحث عن استعادة السيادة على المعنى لا عن حلول مادية لمأزق الجماعة، ويمثل تحول الفرس في مخيلته إلى صبية ذروة الأنسنة الرمزية للكائن، مما يجعل القناع وسيلة لإعادة إنتاج الهوية المفقودة في قوالب جمالية عصية على الكسر، فيستحيل الخيال إلى هوية موازية تؤكد على أن الذات التي تحاصرها المضارب تبتكر أقنعة الغياب لتظل حية في فضاءات المطلق والحرية.
خلاصة القول: يتجلى زخم الأقنعة في سردية محمود شقير كضرورة وجودية وحصون دفاعية متكاملة لصون الذات الفلسطينية من التحلل والتفتت والذوبان في الشتات، فمن قناع أذني الحصان الكاسر لرتابة الواقع، إلى طقوس منّان المستعيدة للبطولة، وصولاً إلى قناع الاغتراب النفسي الرافض لسكون المقابر، وغير ذلك يبرز النص كحقل للممانعة الرمزية التي تحول الشخوص من ضحايا للشتات إلى كائنات سيادية تبتكر هوياتها البديلة، لقد شيد الكاتب شقير من هذه الأقنعة خط المواجهة الأول لاسترداد الجغرافيا المسلوبة عبر تمثلات الأسطورة، مؤكداً أن الذات التي تُحرم من تضاريسها المادية لا تستسلم للموات، وإنما تعيد بناء عالمها الخاص وحماية كبريائها من الاندثار عبر آليات دفاعية متعددة، وبذلك تأتي هذه الأقنعة كوثيقة إبداعية وعلامة تفرد الكاتب، تثبت أن المقاومة بالخيال والرمز لا تقل ضراوة عن الصمود في الميدان.
المحور الثالث: جدلية المحو والبقاء:
بشيد محمود شقير دعائم هذه الجدلية على رؤية وجودية تتقصى ممانعة الكينونة الفلسطينية أمام شباك الاندثار، فالمحو في سياقه الروائي يتخطى الضياع الجغرافي ليتجسد في انصهار الهوية داخل رتابة المضارب وارتهان الذات لليومي المستهلك هذا من جهة، وفي المقابلة يشيّد الكاتب البقاء بوصفه فعلاً سيادياً يتجاوز النجاة البيولوجية، مستلهماً من الرمز وتفجير الحدث التاريخي قلاعاً تعيد صياغة الذات من قلب ركام الهزيمة، فيقول: "يبتسم منان وهو يستمع إلى كلام أمه، يجاملها ببضع كلمات، تترضى عليه، ثم يغادرها ولا يعلق في ذاكرته شيء من معاناة مرجانة، لأنه مهموم بقضايا أكبر يفصح عنها حينا ولا يفصح عنها حينا آخر. كان عثمان أحضر معه من المدينة خبرا مفزعا عن استشهاد الشيخ عز الدين القسام وهو يقاتل عسكر الانكليز في أحراش يعبد. لم يكن منان سمع باسم هذا الشيخ من قبل، عثمان أكد له أنه أقام في حيفا ودعا إلى الثورة" ، في هذا المقطع السردي من النص الروائي فرس العائلة نقف أمام مفصل وجودي حاسم وحازم، فالصراع لم يعد مجرد حكاية عشيرة أو قبيلة، وإنما أصبح صداما بين موت الذات وبعث التاريخ، إننا نلمس في هذا المنعطف التاريخي أن المحو لم يعد فعلاً خارجياً يمارس علينا من الآخر، ولكنه استسلام الذاكرة للهموم الصغيرة التي تستهلك الروح، فمنان حين يتجاوز معاناة أمه مرجانة فإنه بذاك العبور عن معاناة أمه يدرك بحدسه أن الغرق في ندب الجراح الفردية ما هو إلا نوع من الفناء المستتر، فذهاب ذكرى مرجانة من مخيلته لصالح خبر استشهاد القسام يمثل انتقال الشخصية من الزمن الدائري الرتيب الذي تمثله حياة العشيرة إلى الزمن الثوري المقاوم للمحو الذي يمثله التاريخ، ليصبح المحو تطهيراً للوعي من زوائد الحزن العشائري ليحل محله بقاء من نوع آخر وهو بقاء الكينونة التي تعثر على معناها في الموت من أجل المبدأ.
وتتسع دائرة جدلية المحو الوجودي لدى شقير في كون النجاة من محو الشتات قد تجاوزت الاستغراق في معاناة الأنا أو الانكفاء على أخبار العشيرة، لتمضي نحو ارتقاء بالوجع إلى فضاء الهم القومي على اتساعه وتشابكه، لقد شكلت أحراش يعبد في النص الروائي البديل الوجودي عن ركود المضارب، فبينما يمثل الانشغال بشؤون العشيرة غياباً للأثر وتكريساً للهزيمة، يستحيل خبر استشهاد القسام وثيقة بقاء سرمدية تعيد صياغة الهوية في أوج عنفوانها. بهذا المعنى يهزم الفعل الثوري فكرة الفناء ويملأ فراغ الكينونة؛ فمنان الذي لم يكن يعرف القسام وجد في نبأ رحيله نفسه الضائعة التي فتشت عن أفق يتخطى حدود الجماعة الأولى.
فذروة الممانعة الرمزية أن يسترد الإنسان هويته عبر الانصهار في قضية كبرى تحوله من مجرد رقم عابر في سجلات العشيرة إلى صوت جوهري في متن التاريخ، حيث تتحقق غلبة البقاء الروحي على المحو المادي في لحظة تماهي الجراح الفردية مع جرح الأرض لتصنيع خلود جديد.
الخاتمة
وباستقراء رواية فرس العائلة لمحمود شقير فقد أثبتت الدراسة:
1. تجاوزت الأدوات الجمالية في الرواية حدود الزينة الأدبية لتستقر كخط دفاع استراتيجي يحمي الكينونة الفلسطينية من التفتت والضياع.
2. ارتقى محمود شقير بالفرس من حيزها المادي إلى رتبة الوطن البديل ليستعيد بذلك سيادة الأرض المسلوبة عبر صهيل الذاكرة والارتباط الوجداني.
3.نجحت تقنية الأقنعة في الرواية في تحويل الرتابة اليومية للشخصيات إلى فعل مقاومة مانحة الأبطال هويات تعويضية تحفظ كرامتهم من محاولات المحو والذوبان.
4.تجسد البقاء في أرقى صوره حين انصهرت أزمة العشيرة في الفعل الثوري العام مما أعاد ترميم الذات وشيد فلسفة صمود عابرة للشتات.
5. أقرت الدراسة أن المتخيل السردي عند شقير هو الأداة الفعلية لاستعادة المكان المنهوب والحصن الأخير في مواجهة تزييف الوعي وطمس التاريخ.
6.توصلت الدراسة إلى أن الكتابة فعل مقاوم لاسترداد المكان المسلوب، وقوة خيال تحمي الوجود من التلاشي والشتات.
فهرس المصادر والمراجع
أولاً: المصادر (الرواية)
• شقير، محمود. فرس العائلة (رواية). ط1، بيروت: نوفل – دمغة هاشيت أنطوان، 2013م.
ثانياً: المراجع العربية والمعربة
• البعلبكي، منير. قاموس المورد. ط40، بيروت: دار العلم للملايين، 2006م.
• البعلبكي، منير. معجم أعلام المورد. بيروت: دار العلم للملايين، (د.ت).
• بوعمارة، بوعيشة. "القناع في الشعر العربي المعاصر". مجلة الحقيقة، العدد 41، الجزائر، 2016م.
• حداد، علي. أثر التراث في الشعر العراقي الحديث. بغداد: دار الشؤون الثقافية العامة، 1986م.
• عصفور، جابر. "أقنعة الشعر المعاصر: مهيار الدمشقي". مجلة فصول، المجلد 1، العدد 4، يوليو 1981م.
• العلاق، علي جعفر. في حداثة النص الشعري. ط1، بغداد: دار الشؤون الثقافية، 1990م.
• الموسى، خليل. بنية القصيدة العربية المعاصرة. دمشق: اتحاد الكتاب العرب، 2003م.
• الولي، محمد. الصورة الشعرية في الخطاب البلاغي والنقدي. ط1، بيروت: المركز الثقافي العربي، 1990م.
• وهبة، مجدي؛ والمهندس، كامل. معجم المصطلحات العربية في اللغة والأدب. بيروت: مكتبة لبنان، 1974م.
• هلال، محمد غنيمي. النقد الأدبي الحديث. القاهرة: دار نهضة مصر، 1997م
