حين تكتب الزنزانة وطنًا
قراءة في رواية "الشوك والقرنفل" ليحيى السنوار
تمهيد:
شغلت القضية الفلسطينية ذهن الكتاب، باعتبارها حقل خصب مفتوح على للتأويلات المختلفة، أنتجت القضية نوعا من الأدب، يجمع بين الشهادة التاريخية والرؤية الفنية العميقة منذ النكبة وما تبعها من صدمة والبكاء على الجنة المفقودة. غلب على كتابات هذه الفترة الطابع التوثيقي والرثائي. أرى انه من الجيد ظهور هذا النوع من الكتابات، لأنه خلد جغرافيا عبث بها الاحتلال وحاول طمس هويتها ولا يزال يحاول كلما سيطر على بقعة جديدة، لولا هذا النوع من الأدب لضاعت القضية وذهبت أدراج الرياح. أشهر كتاب هذه الفترة هو غسان كنفاني الذي عكف على الكتابة منذ (1948: 1967) رجال في الشمس 1963.
تصاعد الحضور الفلسطيني في الأدب رمزيًا فيما سمي ب"مرحلة المقاومة" كانت (1967: 1990) مثل رواية عائد إلى حيفا 1969 غسان كنفاني، البحث عن وليد مسعود جبرا إبراهيم جبرا ، 1978، وباب الشمس 1998 إلياس خوري الصبار للكاتبة سحر خليفة 1976، الشوق والقرنفل، ورواية صهر الحديد 2016 للكاتبة أمل زيادة، رواية قناع باللون السماء الحاصلة على جائزة البوكر عام 1923 للشاعر والكاتب باسم خندقجي.
من خلال هذه الكتابات نجد أن فلسطين حاضرة في ذاكرة الأدب، بوصفها ممثل لمأساة مركبة وخيبة أمل كبيرة. بمواجه عدو شرس يحرص على تزييف الحقائق التاريخية، بما لا يترك مجال لتنفس ذاكرة التاريخ. لذا تواجه القضية الفلسطينية خطر المحو من الواقع والخيال، مما يشكل تحديا كبيرًا أمام الأدباء من الأجيال الجديدة التي تحاول أن يرتبط اسمها بفخر بأهم قضية تسكن القلوب والعقول. من خلال كتابات تناقش أزمة الوجود والهوية بذكاء في قوالب تغلفها الفلسفة لتضع المتلقي بمواجهة نفسه وتنقل تلك التساؤلات إليه نفسه مما يشجعه على البحث خلف كل ما يثيره هؤلاء في كتاباتهم بها شق كبير حقيقي قد يبدو مستحيلا مثل قضية تهريب النطف التي أثارتها رواية صهر الحديد وغيرها من الحقائق التي تذهل القارئ وتجعله يتساءل كيف فعلها هؤلاء.
المقدمة:
تعد رواية الشوك والقرنفل من أهم الروايات الفلسطينية التي كتبت داخل غياهب السجون ،ربما كتابتها في الظل وخلسة ما أضفى عليها الواقعية وجعلها حروف تتجاوز حدود الحكي التقليدي لتدخل منطقة الشهادة التاريخية والوعي المقاوم. كما منحها نبرة شاهد العيان لا مجرد راو متخيل.
يقول في بدايتها" هذه ليست قصتي الشخصية وليست قصة شخص بعينيه رغم إن جميع أحداثها حقيقية والخيال في هذا العمل هو فقط في تحويلها إلى رواية".
أظهرت الرواية أن السجن ليس فقط مكانا للعقاب بل آلية لإعادة تشكيل الوعي، كما كشفت أن الهوية الفلسطينية لا تبنى في لحظات الانتصار فقط بل في عمق المعاناة، جاء السرد معبرًا عن حالة التوتر الدائم بين الرغبة في الحياة والواقع القمعي المفروض على الكاتب.
الذي جاءت كلماته كاشفة بوعي، الحدود الفاصلة بين الأدب والتوثيق مما وضع الرواية في منطقة أدب المقاومة. لأنها لا تقدم فلسطين بوصفها مجرد مكان بل كتجربة وجودية مركبة تتشابك فيها الهوية والألم والذاكرة.
من خلال هذه الرواية يطرح السنوار رؤية جديدة داخلية لعالم المقاومة، بعيدا عن التنميط الإعلامي، واختزالها في جمل أو أشخاص أو جمل رنانة اعتاد الجميع ترديدها، كتبها السنوار بأسلوب جعلها قريبة من نبض الإنسان الفلسطيني والعربي. لذا سنقوم بتحليل عناصر رواية الشوق والقرنفل باحثين عن صدى فلسطين داخل الرواية كما كتبها المؤلف.
العنوان:
من أهم عناصر جذب الكتابة حرفية اختيار العنوان باعتباره أول عتبة تجمع القارئ بالكتاب بعد اختيار الغلاف. إن اختيار عنوان الشوك والقرنفل قد يبدو للوهلة الأولى بسيطا لكن بالتدقيق نرى انه ليس عنوان عاديا بل عنوان لما سنراه داخل صفحات الكتاب الذي كتبه يحيى السنوار خلسة أثناء تأديته للحكم المؤبد داخل سجون المحتل. فالشوك والقرنفل لا يجتمعان في صورة واحدة الا في الوردة، تلك الزهرة التي تحمل في آن واحد، الجمال والألم الجذب والنفور وهذه الثنائية هي جوهر التجربة الفلسطينية التي تسردها الرواية. نلاحظ أن السنوار لم يختار عنوان مباشر مثل فلسطين أو الاحتلال أو المقاومة، رغم أنها عناوين تستفز القارئ العربي وتحثه على اقتناءها. اختار السنوار الشوك مرادف للخطر والحصار لكنه كذلك خط الدفاع ورمز الصمود، أما القرنفل فهو مرادف للحلم والحب رغم ذلك يقطف أن كل ما هو يدعو للأمل للحلم للمقاومة هو ما يقصده بالقرنفل وكل ما بالرواية من حزن وفقد وتهجير ومداهمات واعتقالات والسجن هو الشوك الذي يحيط بجبين فلسطين كما يحيط بالمسيح على صليبه.
يرى البعض أن اختيار القرنفل لم يأتي بالصدفة، لأنه يستخدم لأغراض طبية مسكنة، وهو حال الفلسطيني الذي يعيش على أمل أن يحصل على الاستقرار وان ينعم بالاطمئنان والسلام بين كل هدنة وأخرى. أما عن دلالة الجمع بين الشوك والقرنفل هذه الثنائية لا تُطرح بوصفها تضادًا، بل بوصفها علاقة جدلية؛ فالألم هنا ليس نقيض الحياة، بل شرطًا من شروطها. ومن ثم، فإن الرواية تؤسس لفكرة أن المقاومة ليست فعلًا بطوليًا مجردًا، بل تجربة إنسانية معقدة، تنمو فيها القسوة إلى جانب الرقة..
"إن الفلسطيني الذي لا يعرف كيف يزرع القرنفل في حقول الشوك لا يستحق أن يسير في طرقات حيفا". (السنوار، ص 7).
السرد:
تعتمد الرواية بنية سردية زمنية محددة تبدأ من النكبة 1948 وصولا لانتفاضة الأقصى 2000، تتجلى عبقرية هذه البنية في توظيف ما يمكن تسميته الزمن المتراكم، أي إحساس الشخصيات والقارئ معا بأن الزمن لا يمضي، بل يتكدس فالطفل الذي يلعب بالكرة في المخيم على الشاطئ يحمل في جسده ذاكرة جده الذي هُجر، والشاب الذي يواجه الاحتلال. هذا التراكم الزمني يتجاوز السيرة الفردية إلى الملحمة الجماعية. إن اعتماد الرواية على السرد اللاخطي، عمل على تداخل الماضي بالحاضر، مؤديا لتفكك التكوين النفسي للشخصية. هذا التداخل لم يأت بالصدفة بل متعمًدا لأنه يعكس حالة الذاكرة الفلسطينية التي لا تعرف الاستقرار. يقوم السرد على تقنية الاسترجاع "فلاش باك" كأداة لإعادة بناء التاريخ الشخصي والجمعي.
يتميز السرد في رواية "الشوك والقرنفل" بكونه سردا واقعيا تسجيليا يتجاوز أي حدود، مكونا وثيقة حياة،اعتمد الكاتب على تعدد المستويات السردية التي تمزج بين الذاكرة الفردية والهم الجماعي، جاء السرد على لسان راو يعيش الأحداث من قلب المعاناة. مما أضفى على النص نبرة صادقة، بعيدة عن التكلف اللغوي ممتزجة بتفاصيل المخيم اليومية ومرارة اللجوء. برع كذلك في استخدام السرد التصاعدي، الذي يواكب نمو الوعي لدى الشخصيات، فالحكاية لا تبدأ بالبطولة في مواجهة الاحتلال، وصولا إلى تفتح قرنفل المقاومة. هذا النفس السردي الطويل الذي كتب في ظروف أسر قاهرة. أبرز قدرة فائقة على استحضار المكان ( غزة) بكل حواسه، وتحويل الزنزانة إلى شرفة يطل منها الكاتب على تاريخ شعب بأكمله، خالقًا ملحمة إنسانية، تؤكد أن فعل الكتابة هو في حد ذاته فعل تحرر.
كسرت رواية الشوق والقرنفل الشكل النمطي للقضية الفلسطينية داخل الرواية فالكاتب لم يكتب عن السجن من خارجه ولم يصف الاحتلال من بعد آمن، يل كتب من داخل الجرح نفسه، من عمق الزنزانة وثقل السنوات الثلاث والعشرين التي قضاها خلف القضبان. جاء صدور الرواية 2004 بمثابة شهادة أدبية لا تكتفي بتوثيق المعاناة بل تعيد بناءها جماليا عبر أدوات السرد الروائي المختلفة.
الزمن والمكان:
يعد الزمان والمكان في رواية الشوك والقرنفل ركيزتين أساسيتين، لا يقتصر دورها على تأطير الأحداث، بل يتحولان إلى أبطال يشاركون في صنع المصير. تمكن السنوار من إحكام كتابته للرواية داخل الأسر، حبن استطاع أن يمنح الزمان والمكان أبعاد فلسفية ووجودية عميقة.
"تسكن خالتي فتحية في قرية صوريف فضاء الخليل وهي قرية فلسطينية مثل كل قرى الوطن وقعت تحت الاحتلال 1967 ونالها نصيبها من التغريب والتدمير عقابا على دورها في المقاومة قبل الاحتلال" (السنوار، ص 42)
فالمكان في الرواية ليس مجرد خلفية جغرافية، بل هو مؤثر درامي يعيد تشكيل الشخصية الفلسطينية. باعتبار المخيم (الوطن المؤقت)، حين يظهر كحيز ضيق مزدحم ومليء بالوجع، لكن السنوار لم يصوره كمكان للبؤس فقط بل كرحم للثورة، بتصويره الحياة داخل الأزقة والخيام والبيوت المتلاصقة، لأنه فرض نوعا من التكافل الاجتماعي والالتحام المصيري بين سكانه.
دارت الأحداث في غزة، باعتبارها جغرافيا الاشتباك مسرح العمليات الذي لا يهدأ، يصف الكاتب تفاصيلها بحرها رمالها حدودها بدقة استذكارية مذهلة، وكأنه من خلف القضبان يساعدها بتعمد، بتوثق وترسيم حدودها وتفاصيلها وكأنه كان يدري أنه سيأتي يومًا وتمحى من على وجه الأرض، وتتوه التفاصيل جغرافيا وتبقى حيه في الذاكرة.
عبر السنوار عن السجن باعتباره المكان الحاضر الغائب. بالرغم من أن كتبت الرواية داخل غياهب السجن، إلا أن أحداثها تدور خارج السجن، لذا نلاحظ أن روح السجن ترفرف على السرد. تشعر بضيق المكان ما جعل الكاتب يعوض ما يفتقده من براح في الاسترسال في وصف المكان في الخارج كتعويض عن حريته المسلوبة.
"لقد علمتني الزنزانة أن الزمن ليس عدوا، إذا عرفت كيف تحوله إلى سلاح، فالثواني التي تمر ببطء، هي ذخيرتك في معركة الصبر"( السنوار، ص 132)
وصف الأرض المحتلة ( يافا، حيفا) بالمكان البعيد، كحلم "بوتيبوي" مفقود، مكان يسكن الذاكرة ويحرك الفعل في الحاضر، ولا يمكن الوصول إليه إلا بالتحرير أو الحلم. مكان خاليا من العيوب حيث الشجر دائم الخضرة والحياة دائما هادئة والعدل مطلق.
الزمان:
زمن الرواية نفسي، لأنه تجاوز التسلسل الزمني التقليدي، مما عمق الإحساس بالحصار والاستمرارية. فجعل القارئ يعيش التجربة لا كمتلق بل كشاهد داخلي.
يعتبر الزمان عنصرًا هامًا جدا، تغطي الرواية الزمان التاريخي من النكسة للمقاومة، حقبة زمنية تمتد من عام 1967 حتى 2002.
يرصد الزمن التحول من انكسار الهزيمة إلى نهوض الوعي، الزمان هنا ليس تواريخ بل تراكم تجارب.
يعتمد الكاتب على زمان الذاكرة "الاسترجاع"، حيث يعود الكاتب ليتمسك بجذوره. فالماضي في الرواية هو الشيء المحزن الذي يستمد الأبطال منه قوتهم لمواجهة حاضرهم القاسي.
تعتمد الرواية بشكل أساسي على الزمن الدائري، المعاناة المتكررة، يشعر القارئ بأن الزمان الفلسطيني دائري، (لجوء، مواجهة ، اعتقال، لجوء جديد)، كسر السنوار هذه الدائرة، بفكرة النمو،لا يمر الزمان هباء بل يولد القرنفل من رحم الأشواك. لأن الزمن الفلسطيني ليس زمنا خطيا يبدأ وينتهي بل هو دائرة من الصمود. "كلما ظن العدو انه أغلقها فتحنا فيها ثغرة للضوء" (السنوار، ص 55)
ما يميز الشوك والقرنفل اعتمادها على تسخير الزمن وفلسفة الانتظار، فالوقت الذي يقضيه الأبطال في انتظار الفرج أو التخطيط للعمل لم يكن سلبيا بل كان زمن الإعداد.
"إن الزمن في غزة لا يقاس بالساعات، بل بما ننتظره، فنحن ننتظر الصبح ليأتي بالفرج وننتظر الليل ليواري سوءات انكسارنا "( السنوار، ص 84)
برع الكاتب في إبراز أوجه الاشتباك الوجودي بين الزمان والمكان، كلما ضاق المكان بفعل الحصار أو الاحتلال، يتمدد الزمان في وعي الشخصيات. وبذلك نرى أن الكاتب نجح في استخدام الزمان والمكان كأدوات للمقاومة، فالمكان ليس جداران بل هو انتماء والزمان ليس مجرد ساعات تمر بل هو فعل تراكمي نحو الحرية، فكتب عن المكان الفسيح والزمان الممتد كاسرًا جدران زنزانته بالكلمة والسرد.
الشخصيات:
تكمن أهمية الشخصية في أي عمل إبداعي كونها المحرك الرئيسي للأحداث، ففي أي عمل أدبي هي الركيزة الأساسية التي يجب مراعاة سماتها عند الصياغة الأدبية. لابد أن نهتم لسماتها المحددة سواء كانت داخلية أو سمات ظاهرية شكلية، كما ينبغي أن نهتم بمحيطها وبيئتها و لغتها (لهجتها) والمفردات اليومية التي تستخدمها، بما يضفي عليها المصداقية فتجعل القارئ ينصهر معها تماما ويشعر بمشاعرها ويتألم لألمها ويحزن لحزنها. لم يكتب السنوار روايته بتعقيدات أكاديمية وإنما بمنطقية وسلاسة لا تخل بالمعنى.
وظفت شخصيات الرواية بشكل احترافي، أفاد الأحداث بحوارات كاشفة للأحداث. ما عدا البطل الذي يعتبر حامل لذاكرة جماعية ممثل لمعاناة مشتركة كونه كائن يتشكل داخل سياق الاحتلال، وهنا تبرز قوة الرواية كونها قامت بتفكيك صورة البطل المقاوم التقليدية، قدمته كانسان يخاف ويتردد ويحب ويخسر وينكسر أحيانا. لكنه لا يستسلم لانكساره بل يقويه ويعمق شعور المقاومة داخله.
– إبراهيم
هو الشخصية المحورية التي تمثل المقاوم الواعي، الأخ الأكبر الذي يحمل على عاتقه مسؤؤلية العائلة والوطن في آن واحد.
تمثل شخصية إبراهيم البوصلة الأخلاقية، تتسم بالصلابة والحفاظ على المبادئ، لا تخلو من المسحة الإنسانية الحانية تجاه أخوته، قدمه السنوار بصورة الزاهد في الدنيا، المنغمس في الفعل المقاوم، مما جعله نموذج للبطل التراجيدي الذي ضحي بذاته من أجل بقاء المجموع، أنه القرنفل في أبهى صوره، عطاء مستمر رغم الأشواك المحيطة به.
"كان إبراهيم يرى في كل طفل من أطفال المخيم مشروع بطل، وكان يهمس لنا دائما أن الذي لا يملك وطًنا يملك إرادة تصنع الأوطان فاجعلوا من حرمانكم سلاحًا" (السنوار، ص 92).
– الراوي
الراوي هو شاهد العصر، هو العين التي ترى من خلالها الأحداث، ينمو وعيه مع نمو الرواية، يمثل الراوي حلقة الوصل بين القارئ وبين عالم المخيم، تكمن براعته في قدرته على رصد التفاصيل الصغيرة من اللجوء إلى نشأة الانتصار الصغير. كما يمثل الذاكرة الحية، تعكس شخصيته التحول الفلسطيني من لاجئ منكسر في البداية، إلى إنسان فاعل، يدرك أن قدره يصنع بيده لا بيد التوازنات الدولية.
– الأم
"تظهر المرأة في الأمثال الفلسطينية كحارس للتراث وحامية النسيج الاجتماعي، فهي الوتد الذي يمنع الخيمة من السقوط، وهي التي تغرس في الأبناء مبدأ المنية ولا الدنية" (المبيض، ص 112).
الأم في الشوك والقرنفل هي العمود الفقري للعائلة، التي فقدت الأب وهي المحافظة على بقاء البيت رغم المداهمات والفقر، الأم هنا تتجاوز الدور البيولوجي، لتصبح رمزًا للأرض أو فلسطين، صبرها ليس سلبيًا بل هو صمود ايجابي يربي الأبطال. رسمها السنوار بملامح وقار قدسية فهي التي تلملم الجراح بصمت، وهي التي تدفع أبناءها نحو واجبهم الوطني بقلب مؤمن، مما يجعلها تجسيدا لثنائية الحزن والكبرياء.
"الأم الفلسطينية لا تلد أطفالا بل تلد قضية، تمسح دموعها بالصبر وتودع أبناءها بابتسامة الواثق من اللقاء في جنة الخلد" (السنوار،ص 35).
– الجد
يعبر الجد عن الذاكرة والجذور، يمثل الجيل الذي عاصر النكبة وحمل مفاتيح البيوت القديمة.
وظف السنوار وجوده في الرواية، باعتباره رمز الجذور، التي تمتد في الأرض بحكاياته التي تعتبر المادة الخام التي يتشكل منها وعي الأحفاد. هو شخصية تحمل شوك اللجوء في ذاكرتها لكنها تزرع في الجيل الجديد قرنفل الأمل بالعودة، رحيله أو ضعف جسده في الرواية يرمز لانتقال الأمانة من جيل النكبة إلى جيل المواجهة.
– محمود
يرمز للواقعية والتحول، يمثل شريحة الشباب التي تعيش صراعًا بين متطلبات الحياة اليومية وبين نداء الواجب.
هو شخصية تعكس التردد الإنساني الطبيعي، قبل اتخاذ القرارات الكبرى تحولاته في الرواية، تخدم فكرة أن المقاومة ليست قدرًا يولد به المرء بل هي خيار واعي يتخذه الإنسان نتيجة للظلم الذي يراه مع أهله."إن الصبر في الوجدان الفلسطيني ليس استسلامًا بل هو صبر الاستمرار فالأمثال التي تمجد الصبر مثل "الصبر مفتاح الفرج" تتحول في الشخصية الفلسطينية إلى عقيدة قتالية، تعني انتظار اللحظة المواتية مع الإعداد لها" (المبيض، ص 84).
– العدو
هو الأخر المتربص، يظهر من خلال ضباط المخابرات والجنود في المداهمات والسجانين في المعتقل.
لم يقدم السنوار العدو كشخصيات كرتونية عن بُعد، بل كقوة باطشة تمتلك أدوات التكنولوجيا والقمع لكنها تفتقر للروح والارتباط بالأرض،ثنائية القوة والضعف تبرز فرق الإمكانيات بين أصحاب الأرض الحقيقيين والمحتل. لذا جاء تصوير العدو بشكل يخدم إظهار الفارق الأخلاقي بين صاحب الحق وبين المحتل المرتجف رغم سلاحه.
نلاحظ إن شخصيات الرواية لا تتحرك في فراغ، بل هي شخصيات نامية، تتشكل هويتها من خلال الاشتباك مع الواقع، نجح السنوار في جعل كل شخصية تعبر عن قيمة معينة، الأخ الأكبر رمز التضحية، و الأم الصمود و الراوي الوعي.
هذا التوزيع الأدبي جعل الرواية تتحول من مجرد حكاية عائلة إلى ملحمة وطنية شاملة.
الإيقاع:
الإيقاع هو تناغم الأحداث وفقا لمتطلبات السرد وفي الشوك والقرنفل، لعب الإيقاع دورًا كبيرًا في القضاء على الرتابة والملل، كونه سار بتوازن، بما يخدم صيرورة الأحداث دون إخلال أو إفراط.
من جماليات هذه الرواية الإيقاع ، بدء من التضاد بين القرنفل والشوك والإيقاع الزمني بين الرتابة والانفجار، والإيقاع بين السرد واللغة وإيقاع التصاعد الدرامي والصمت والبوح.
من العنوان نرى أن الشوك يمثل الألم والانكسار والمداهمات الليلة وصوت الرصاص، يتسم هذا الإيقاع بالسرعة والقسوة والمفاجأة في مقابل القرنفل، الذي يمثل الأمل والصلاة والهدوء الذي يسبق الفعل كما يدل على النمو البطيء للوعي.
الجمع بين هذه العناصر جعل القارئ في حالة ترقب دائم، لا يطغى عليه اليأس تمامًا، ولا يسود التفاؤل الحالم بشكل غير منطقي. انه إيقاع واقعي يمزج بين مرارة الواقع وعذوبة الحلم.
يتباطيء السرد، ليحاكي ثقل الأيام والمعاناة في المخيم، نجد جملا طويلة وتفاصيل دقيقة للحياة اليومية، بإيقاع يعكس الرتابة ويمهد للانفجار أثناء الحصار.
"في المخيم تتقارب البيوت حتى يكاد الجار يسمع نبض قلب جاره وتتشابك الهموم حتى يصير الوجع الفردي صلاة جماعية ترفعها الأزقة الضيقة نحو السماء" (السنوار، ص 24).
يختلف الإيقاع بشكل ملحوظ في لحظات الانفجار و المواجهة، في العمليات والانتقالات التاريخية الكبرى مثل النكسة أو الانتفاضة.
يتسارع بشكل ملحوظ، بجمل قصيرة قوية، مما يثير لدى القارئ شعورا بضيق الوقت وحتمية الفعل.
تمتعت لغة الكاتب بالبساطة والجزالة في آن واحد، مما أبرز مستويات الإيقاع، تارة نجده خشن في وصف المواجهات، مما يعكس طبيعة البيئة وإيقاع ناعم صوفي في وصف الروابط الأسرية ومشاعر الأم. تتصاعد وتيرة إيقاع الحدث الدرامي الذي يبدأ فرديًا ثم جماعيًا، حين بدأ بهدوء مركزًا على تكوين الطفل داخل الأسرة، ثم بدا بالاتساع ليتداخل مع إيقاع المخيم ثم إيقاع الوطن، هذا التصاعد أعطى الرواية طابع ملحمي.
"أي يومي من الموت أفر... يوم لا يقدر أم يوم ادر
يوم لا يقدر لا ارهبه ... ومن المقدور لا ينجو الحذر
(السنوار، ص 278)
للصمت والبوح إيقاع، تمثل فيما لا يقال، لحظات الصمت في السجن أو أمام الفقد الذي يثقل كاهل النص بالمعنى.
الصمت في الرواية ليس فراغًا ، بل هو وقفه تعبوية يعقبها بوح قوي بالفعل أو الكلمة.
إن الإيقاع في الشوك والقرنفل لا يهدأ ، حتى في لحظات الوصف الهادئة هناك نبض خفي يذكر القارئ بأن الصراع مستمر.
لذا برع السنوار في أن يحول زمن السجن الراكد، إلى زمن روائي متدفق، يجمع بين انكسارات الواقع الشوك وطموحات الروح القرنفل في سيمفونية تعبر عن الهوية الفلسطينية.
الصراع:
جسدت الرواية الصراع بين الإنسان والمحتل، لأنه المحرك الرئيسي للأحداث، يتمثل في المواجهة المباشرة بين الاحتلال والمواطن من خلال المداهمات والاعتقال والحصار.
"بعد أيام معدودة، يجهز يحي حزام ناسف، يضعه صالح حول وسطه وينطلق برفقة احد أعوانه، أبو عاصم ليوصله لقلب تل أبيب، عندما يصبح في شارع "ديزنكوف" يضغط على الزر الكهربائي المتصل بالحزام حول وسطه، فيدوي الانفجار محولًا الحافلة لقطعة من الصاج الملتهب، حيث يقتل ما يزيد عن العشرين ويصيب العشرات ويحدث دمارًا كبيرًا في المنطقة" (السنوار، ص295).
ابتعد السنوار عن الصراع العسكري بشكله التقليدي، مركزا على صراع الإرادات، المحتل يريد كسر الروح والبطل إبراهيم وعائلته يريد الحفاظ على كينونته. معتبرا أن هذا الصراع هو الشوك الذي يدمي جسد الرواية، لكنه يمنحها شرعيتها الوجودية أيضًا. تكشف الرواية عن صراع عميق حول الهوية بين الانتماء للأرض ومحاولات الطمس والتشويه، وتُبرز كيف تتحول التفاصيل اليومية (الطعام، اللهجة، العلاقات) إلى أدوات مقاومة ثقافية. فالثقافة هنا ليست خلفية، بل ساحة صراع موازية.
"الحياة في غزة هي صراع يومي بين شوك الحصار وقرنفل الأمل" (السنوار، ص 175).
يظهر الصراع الداخلي بين الواجب والرغبة في شخصية الراوي وشخصيات الشباب، يتصارع داخلهم حب الحياة والتعلق بالعائلة مع نداء الواجب والتضحية، هذا الصراع الأخلاقي هو ما منح الرواية بعدًا إنسانيًا، كونهم ليسوا آلات صماء ينفذون ما يطلب منهم دون إرادة بل أنهم بشر يعانون القلق والخوف.
ورغم ذلك يختارون المسار الأصعب في النهاية.
كشف السنوار عن حقيقة الصراع الاجتماعي، من خلال صراع اللاجئ مع ظروف المخيم القاسية، وكيف توفر الأم لقمة العيش، وكيف يدرس الأبناء تحت القصف. هذا الصراع يمثل الواقعية الاشتراكية في أدب السنوار حيث يربط بين التحرر الوطني والعدالة الاجتماعية.
"إن الانتفاضة الفلسطينية لم تكن مجرد فعل عسكري، بل كانت عملية كبرى لتفكيك الأساطير الصهيونية حول الأرض والهوية وإعادة صياغة الوعي العربي وفق معطيات الواقع الجديد".
(يسين، ص 11).
الحبكة:
تبدأ من لحظة النكسة عام 1967، لأنها نقطة التنوير الأولى التي تضع العائلة أمام قدرها الجديد ، فزرع الكاتب بذور الشوك.
تبدأ العقدة بتضيق الخناق على المخيم وتوالي الاعتقالات، وفقدان المعيل فالحبكة هنا ليست بوليسية تبحث عن حل لغز، بل ملحمية تبحث عن مخرج من المأزق، شعب يواجه كل حدث بتعقيد خاصة عندما يقع يستشهد جار أو يهدم بيت، مما يدفع الأبطال نحو اللا عودة.
تصل ذروة الأحداث، عندما تتحول المشاعر المكبوتة إلى فعل مقاوم منظم، لحظة المواجهة الكبرى، هي اللحظة التي يتفتح فيها القرنفل من قلب المعاناة، الذروة هنا ليست نهاية الأحداث بل لحظة تحرر الإرادة.
لا تقدم الرواية حلًا تقليديًا مثل انتصار ساحق أو هزيمة نهائية بل تنتهي ب أمل مستمر.
الحل من منظور الكاتب هو الاستمرار في المقاومة، ما جعل الحبكة دائرية، بمعنى أن الجيل الجديد يتسلم الراية ليبدأ رحلته الخاصة. اثر السجن على أسلوب كتابة الكاتب، لذا جاءت الحبكة مشبعة بالواقعية القاسية، فلم تكن هناك حلول سحرية أو صدف غير منطقية، ارتبطت الحبكة بوقائع الأرض، مما جعل الصراع حقيقيًا ونابض بالحياة. الرواية تعد انتصار للحبكة الإنسانية على الحبكة العسكرية للمحتل.
خاتمة
تقدم الشوك والقرنفل تجربة سردية عميقة تتجاوز البعد السياسي المباشر، لتغوص في الإنسان الفلسطيني بوصفه كائنًا يعيش بين الألم والأمل. ومن خلال بنية سردية متماسكة، ولغة مكثفة، ورؤية فلسفية، تنجح الرواية في إعادة تعريف المقاومة بوصفها تجربة إنسانية شاملة.
إنها رواية لا تُقرأ فقط، بل تُعاش، لأنها تضع القارئ أمام سؤال جوهري
كيف يمكن للإنسان أن يظل إنسانًا في عالم يسعى إلى سلب إنسانيته؟
وبذلك نرى أن فلسطين لم تكن يومًا مجرد موضوع يطرق باب الرواية العربية، بل كانت الجرح الذي يكتب نفسه، لأن الأدب العربي حين يكتب عن فلسطين لا يصف الواقع، بل يعيد تأسيس الوجود وكأن الكتابة عنها شيء مقدس، يُصر الإنسان العربي على كتابته، ضمانًا لحقه في الذاكرة ضد آلة النسيان، ليثبت أن الأرض حين تًسرق لا تموت، بل تنتقل إلى مقام اللغة حيث لا يمكن لأحد أن يهجرها.
المصادر:
السنوار، يحيى. الشوق والقرنفل. المركز الثقافي الإسلامي، تركيا، (د،ت).
المراجع:
1- السنوار، يحيى. الشوق والقرنفل. المركز الثقافي الإسلامي، تركيا، (د،ت).
2- المبيض، سليم عرفات. ملامح الشخصية الفلسطينية في أمثالها الشعبية. الهيئة العامة للكتاب، مصر، 2006.
3- يسين، السيد. الأسطورة الصهيونية والانتفاضة الفلسطينية. القاهرة: ميريت للنشر والتوزيع، 2001.
