حوار مع الكاتب المغربي علي درويش
موجز السّيرة الذّاتيّة:
علي درويش
أديب وناقد مغربي، تلقى تعليمه الابتدائي والثانوي بشرق المغرب قبل أن يستكمل دراسته العليا بالرباط.
اشتغل في مجال التعليم أستاذا بالثانوي، ثم مفتشا تربويا، مما أتاح له الانخراط في قضايا التربية والبحث اللغوي والنقد الأدبي، إلى جانب اهتمامه بالإبداع السردي.
صدر له عدد من المؤلفات، من بينها:
الكابوس والفجر (سيرة غيرية).
وراء الستار والشرفة الخلفية (مجموعتان قصصيتان).
رحلة قراءة بين الاستكشاف والنقد (مقالات في النقد التطبيقي).
فضلا عن مقالات ونصوص بالعربية وبالفرنسية منشورة في مجلات عربية وأجنبية.
مؤلَّفُكَ(الكابوس والفجر)، هو كتاب (سيرة غَيريّة).
عمَّن كتبتَ في هذا المنجَز؟
وبرأيك، هل السّيرة الغَيريّة (Biography)، حكرًا على المشاهير، أو الشّخصيّات التّاريخيّة؟
ج. سابقا كانت السير الغيرية تكتب للمشاهير؛ وحاليا لم يعد ذلك شرطا ...
أما (الكابوس والفجر) عنوان ذو دلالة رمزية فالكابوس يرمز إلى الاستعمار الفرنسي، بينما يرمز الفجر إلى مرحلة انطلاق حركة المقاومة، وجيش التحرير في المغرب، أي مرحلة ما قبل الاستقلال تماما كما يحدث في حال قرب استيقاظ النائم من كابوس يجثم على صدره؛ وهو كتاب يتناول سيرة مقاوم من مدينة وجدة يسمى (مربوح التومي)، الذي أصدر قضاء السلطات الاستعمارية في حقه حكما بالإعدام، لكنه تمكن من الفرار نحو الشمال وهناك ساهم في وضع اللبنة الأولى لجيش التحرير رفقة المقاوم الشهر عبد الخالق الطريس.
_ كتابك(الشّرفة الخلفيّة)، هو مجموعة قصصيّة، هل"الشّرفة الخلفيّة"، هي نظرة الحنين إلى الماضي، أو استرجاع الذّكريات؟
ج. هي التفاتة إلى الماضي أجل؛ ولكنها ليست بالضرورة حنينا إليه، لأنها تتضمن ذكريات ملأى بقساوة الظروف، وبالمعاناة في مرحلة الطفولة والشباب بعيدا عن البلدة النائية في سلسلة جبلية حيث تقيم العائلة؛ فقصص المجموعة تعبر من الخاص إلى العام أي من معاناتي الخاصة الى معاناة كل طفل يتشبث باستكمال دراسته متحديا قساوة الحرمان من أجواء الأسرة.
_ في (الشُّرفة الخلفيَّة)، مالتِ اللغةُ الحواريّة إلى التَّهجين بالعامّيّة المغربيّة، ألا ترى أنّ لهجاتِ الكُتّابِ العربيّةَ، تحدُّ من انتشار أدبهم بسبب عدم فهْمها في معظم الأحيان؟
ج. بالعكس تماما؛ إذ نادرا ما صيغ مقطع حواري بلهجة عامية، إيمانا مني بأن العربية الفصيحة ( ولا أقول الفصحى) قادرة على التعبير بصدق وبعفوية لا تقل صدقا عن لغة التواصل اليومي وتناسب مستوى الشخصية ولو كانت أمية.
والأمر في تقديري يتوقف على مهارة المبدع في صياغة الحوار لغويا بعيدا عن الصنعة والتكلف..
_ في المجموعة السّابقة أيضًا، قصص سيرة حياتيّة، فيها ما يُشبه تفاصيل الحياة الخاصّة بك. ما هي غايتك من هذا التّضمين السِّيريِّ غير المباشَر؟
ج. نعم اتخذت لحظات مفصلية من طفولتي وشبابي منطلقا للكتابة في مجموعة (الشرفة الخلفية)؛ وعبرت عن ذلك بصدق وبعمق لكنها لم تكن توثيقا لسيرتي الخاصة لأنها لم تخل من ترميز يجعلها تعبيرا عما عاشه السواد الأعظم من أبناء البوادي والأرياف الذين قاوموا ظروف البعد عن الأسر، وقساوة الحياة، وظلوا متشبثين بالصبر والطموح، والتحدي من أجل استكمال مسيرتهم التعليمية؛ فالطفولة لم تكن محطة عابرة نمر منها ثم ننساها، بل شكلت اللبنة الأساس لبناء الذات ورسم معالم حياتنا من بعد.
_ لديك مجموعة قصصيَّة ثانية هيَ (وراء السِّتار)، هل "وراء السّتار"، هو الخصوصيّة الّتي لا يراها القرّاء؟
وماذا كشفتَ من خلالها؟
ج.(وراء الستار) كما يوحي بذلك عنوانها هي تأملات في الذات وفي المحيط القريب والبعيد من خلال الإصغاء الى نبض الفرد والمجتمع والإنسان عامة ورصد ما تعج به عوالمهم من تناقضات، للتعبير عن ذلك بوعي وصدق، وبأسلوب فني مشحون بالإيحاء والرمز والتكثيف.
_ في المجموعة السَّابقة (بلا ستار)، تحكي القصص عن وقائع إنسانيّة مرتبطة بالأمّة من خلال مأساة الفلسطينيّين في قصّة "خطوط اللعبة"، ما الّذي سلّطتَ عليه الضّوء أكثر من غيره في المأساة الفلسطينيّة؟
ج. كما يلاحظ القارئ في (خطوط اللعبة) وفي نصوص أخرى فأنا أتعامل مع القضية الفلسطينية في نصوصي على أنها قضية إنسانية؛ الذي يشغلني فيها أكثر هو الإنسان الفلسطيني الضحية (الطفل، الإنسان الأعزل، المشرّد) أي كل من يدفع ثمن الصراع يوميا.
فأنا لا أكتب لأُمجد طيفا إيديولوجيًا، أو أفضّل فصيلا على آخر ذلك شأن خاص بالفلسطينيين، بل لأستبطن
الشخصية الضحية وأصوّر معاناتها من الداخل.
_ تحدّثتَ عن صُنع المبدعات المزيّفات في قصّة "باقات من كلام"، برأيك هل وسائل التّواصل الاجتماعيِّ، هي سبب وجود هؤلاء "المزيّفات" المُتطفّلات على السّاحة الأدبيّة؟
ج. عبارة (مبدعات مزيفات) قد يتوهم البعض من خلالها أنني حصرت كتابات الزيف في ما تكتب المرأة دون الرجل ، بينما الحقيقة خلاف ذلك تماما؛ لأن الأمر يتعلق بكل كتابة تفتقر إلى الأصالة كما أشرتِ في النص الذي يحيل عليه سؤالكم، والذي كان بطل الزيف والخداع فيه رجلا بينما كانت المرأة هي الضحية.
وهذه الظاهرة قديمة (منذ عهد المقاهي والأندية الأدبية في النصف الأول من القرن الماضي).
لكن الجديد فيها اليوم هو أن وسائل التواصل أتاحت إمكانات نشر واسعة، وسهلت عمليات النقل والسرقة الأدبية في الإبداع، والنقد معا على حساب معايير الجودة، فاختلط الحقيقي بالمزور والأصيل بالمنقول، وقد فاقم الذكاء الاصطناعي من الظاهرة؛ حتى أننا فوجئنا بمن يكتب نقدا، ولم يكن قبل مجيء الذكاء
الاصطناعي يفقه شيئا في النقد!
لذلك آن أن نقرأ الظاهرة كمؤشر على أزمة، وليست كمحاكمة لامرأة أو لرجل. ..
إن المشكلة حاليا في ما نكتب، وكيف نكتب، وفي قدرتنا على أن نكتب لا أن يُكتب لنا؛ وليست في امرأة أو رجل.
_ ما هوَ واقع العربيّ المهزوم في قصّتك"لكمات غير متبادلة"؟
هل قدّمتَ الحلول؛ كيف يكونُ تعافي هذا الواقع؟
ج. قصة (لكمات غير متبادلة) أوحى لي بها حوار دار بيني وبين صديقة من بلجيكا، حوار ذكرني بفترة من شبابي وأنا أمارس هواية الملاكمة، وكنت أتوهم أن الحلبة تختزل معنى المواجهة. هزمت هزيمة لم تكن مجرد سقوط جسدي، بل كشفت لي وهم بطولتي.
عبرت من خلال الحوار القصصي من ضيق التجربة الشخصية إلى سعة الدلالة على حال أمة، أي من خسارتي الفردية إلى صورة أمة تتقن فن التظاهر بالانتصار، أمة كغثاء السيل زعماؤها يتظاهرون ببطولة أشبه بفروسية دون كيشوت، يلوّحون بسيوف الوهم
في معارك لا تصمد أمام هزائم الواقع.
يقول النّاقد المغربيّ (الزُّبير خيَّاط)، عن إحدى مجموعتَيك القصصيّتَين:
"واللغة واقعيّة حتّى في غرائبيّتها المستمدّة من الأحلام، والكوابيس".
هل تفاعُل القارئ مع القصص الرّمزيّة، يكونُ أقلَّ من تفاعلِه مع القصص الواقعيّة؟
ج. في قراءته النقدية لمجموعتي القصصية، توقّف الناقد والأديب الزبير الخياط عند مركزية الواقعية بوصفها ركيزة بنيوية للتيمات les thèmes التي تغذي عوالمي السردية، مشبها ذلك بواقعية بعض روّاد القصة المغربية مميزا بين الواقعية الحرفية، والواقعية الرمزية التي لا تنقل الواقع بل تعيد تشكيله بدل استنساخه، بلغة محملة بكثافة دلالية تتجاوز سطح الحدث؛ مستدلا ب (نزيل الجبل)، حيث تتجاوز شخصية (عمي البرّاني) بعدها الحكائي لتغدو علامة رمزية على المغربي الأصيل، الملتصق بجذور الأرض منذ أزمنة سحيقة، الشامخ كشموخ الأطلس؛ شخصية تُمرر عبر علاقتها بالطفل، درسا في الطموح بالتحليق عاليا كالنسر، بدل
الانحباس في بيئة خانقة مظلمة بالجهل مثل حشرات تعيش تحت الصخور.
بذلك تصبح القصة نصا متحرّكا (texte en mouvement)، تتعدد مستويات تلقيه بتعدد أفق القرّاء: ينهل منه التلميذ ببراءته، ويغوص فيه الناقد بأدواته..وفي كل قراءة يولد النص من جديد.
_ أخيرًا.. نعرّج على النّقد؛ لديك كتاب( مقالات في النقد التطبيقي)، كيف ترى الحركة النّقديّة في المغرب، وفي الوطن العربيّ عموما؟
ج. لم يتأخر النقد الأدبي في المغرب عن مواكبة تحوّلات النقد في المشرق العربي منذ النصف الأول من القرن العشرين، بل سرعان ما انفتح على مستجدات الدرس النقدي الغربي، ولا سيّما على مستوى التنظير، مما أكسبه غنى معرفيا ومرونة ومنهجية لافتة في استراتيجيات القراءة والتحليل والتأويل.
غير أنّ هذا التراكم النظري لم يجد دائما امتداده في الممارسة الإجرائية، حيث ظل التطبيق أقل حركية من التصور. واليوم، وبموازاة الطفرة الإبداعية، تعرف الساحة النقدية هي الأخرى نوعا من التضخم غير
المتكافئ، مع بروز ما يمكن تسميته بـ(النقد الزائف)، مستفيدا من سهولة النشر التي تتيحها المنصات الرقمية وأدوات الذكاء الاصطناعي؛ فتتكاثر القراءات دون معيارية صارمة، في مشهد يذكرني بمقولة ميشيل فوكو:
إن الكثرة قد تكون، في بعض تجلياتها، علامة أزمة لا دليل عافية.
