الجمعة ٣٠ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠٢٦
بقلم ميادة مهنا سليمان

حواري مع الأديبة عائشة التّركيّ لموقع ديوان العرب

نرحّب بـالقامة التّربوية والأدبيّة، صاحبة المسيرة الأكاديميّة والمهنيّة المشرّفة في علوم اللغة العربيّة وآدابها، ونقدها من جامعة (منوبة) العريقة، الّتي تحمل سيرتها الذّاتية خبرات عميقة تجمع بين الإدارة التّربويّة القياديّة، وبين العطاء الثّقافيّ والأدبيّ.

_ درستِ اللغة والآداب العربيّة في جامعة منوبة العريقة؛ كيف ساهمت هذه البيئة الجامعيّة في تشكيل وعيكِ النّقديّ والأدبيّ في بداياتكِ؟

إن كلية الآداب بمنوبة والتي صار اسمها كلية الآداب والفنون والإنسانيات تعدّ قلعة من القلاع الأكاديمية في تونس.
في الفترة التي كنت أدرس بها، كانت تضمّ إطار تدريس هم أعلام في النقد الأدبي. وقد أضافوا نوعيا للمدونة النقدية العربية. وهم مجموعة من الأساتذة الجامعيين، وأسماء لامعة في تونس وخارجها. منهم على سبيل الذكر لا الحصر المرحوم توفيق بكار وهو من مؤسسي الجامعة التونسية سنة 1960. يعود إليه الفضل في التعريف بالكاتب التونسي عامة وبآثار الأديب التونسي المتميز محمود المسعدي. على يديه تعرّفنا على المناهج النقدية الغربية وطبقناها على نصوص عربية تراثية وحديثة. وقد ذهب بعضهم إلى اعتبار المرحوم توفيق بكار والدكتور محمد الهادي الطرابلسي من مؤسسي "مدرسة منوبة النقدية". وقد تعلمنا عليهما سبل التعامل مع النصوص بمناهج حديثة، لا تتعسف على النص، ولا تتسلط ولا تقحمه عنوة في قوالبها منهجية جاهزة . وإنما تراعي خصوصية كل منجز.. كما أن قسم العربية آنذاك كان يشهد التأسيس الفعلي لأهم مدرسة لسانية وأسلوبية على يد الدكتورين عبد السلام المسدي ومحمد الهادي الطرابلسي والمجال لا يتسع لذكر كل الذين تتلمذنا عليهم وندين لهم بتشكيل وعينا الأدبي والنقدي.

_ إلى جانب الأدب، تلقّيتِ تدريبات في البرمجة اللغوية العصبيّة (NLP)، والتّسيير الإداريّ والتّواصل. كيف وظّفتِ هذه العلوم الإنسانيّة والإداريّة الحديثة في خدمة الحقل التّربويّ؟

إن التصدي للتدريس أو الاشتغال في الحقل التربوي ليس بالأمر الهين للمسؤولية الكبيرة التي يكتسيها قطاع التربية في بناء الأنسان، وتشكيل ملامح المواطن، الذي سيخدم البلاد ويسير بها نحو التطور والاستقلالية. لكل هذا لا بد أن نطور معارفنا ونواكب المستجدات في حقلي التعليم والتسيير. وأن نستفيد من العلوم الحديثة في التربية وعلم النفس.. لتجويد المنظومة التربوية. فمتعلم اليوم ليس هو المتعلم الذي كنا نحن عليه،أ و كان عليه آباؤنا. ومن أهم قواعد تطوير العمل أن نهتم بالمتعلم وندرك حاجياته فهو عماد العملية التربوية. فكلما تطور المعلم إلا واستفاد المتعلم، والعكس صحيح.

_ تنقّلتِ بين إدارة عدّة مؤسسات تعليمية بارزة، ما هي أبرز التّحدّيات الّتي واجهتكِ في الانتقال من سلك التّدريس المباشَر إلى العمل الإداريّ والإشرافيّ؟

إن الانتقال من الفصل إلى المكتب ومن التدريس إلى التسيير الإداري يبدو في ظاهره مختلفا ولكن في الحقيقة المشرف على المؤسسة التربية تتسع مهامه بلا شك ولكنه يحتفظ في ذهنه بأن أول وأهم مسؤولياته هي إنجاح العملية التربوية وإفادة المتعلم وتوفير مناخ تربوي سليم ييسر مهام المعلم. وقد تواجه المشرف على المؤسسات التربوية عراقيل ولكن من واجبه تذليلها وإيجاد حلول لها. وقد اكتشفت في نفسي قدرات لم أكن لأتفطن إليها لو لم تتح لي فرصة أن أدير مؤسسات تربوية. وقد خبرت ذلك في السنة الأولى للثورة. وكانت ظروف العمل تكاد تكون مستحلية في بعض الأيام، لما عايشناه من انفلات وفوضى وكثرة الإضرابات عن العمل والمطلبية المشطة.. في ظل كل هذا ،كان علي أن أعزل الطلاب عن كل ما يمكن أن يقحمهم في تلك الدوامة ،وأن أحافظ على السير العادي للعمل. الحمد لله بكثير من التروي والقدرة على التواصل الإيجابي.. نجحت السنة الدراسية وأجريت الامتحانات في وقتها.

_ من خلال إشرافك على المركز الجهويّ للتّربية والتّكوين المستمرّ ببنزرت، كيف ترين واقع تطوير كفاءات المدرّسين اليوم؟
وما الّذي يحتاجه المعلّم العربيّ لمواكبة متطلّبات العصر؟

"إن الماء الراكد يصبح آسنا". وهو ما ينطبق على العقول وعلى كل ما ينجزه الإنسان .من هنا كانت الحاجة ملحة إلى تطوير طرائق التدريس، وتمكين المربي من حقه في أن توفر له وزارة التربية فضاء للتكوّن المستمر. وهو تكوين يمتدّ على كامل مرحلة العمل المهني دون انقطاع، تجويدا لمردود المعلم ونهوضا بالمدرسة التونسية. وزارتنا حرصت على تنويع التكوين. وكانت المراكز الجهوية للتربية مخوّلة للإشراف عليه ضمن برامج متنوعة تتراوح بين البيداغوجي والنفسي والمعرفي.. على يد خبراء من تونس ومن الخارج، وفي إطار دورات مكثفة أحيانا، وممتدة على مراحل أحيانا أخرى. وللمركز الجهوي أن يضع برامج تكوينية على ضوء حاجة الجهة الجغرافية التي ينتمي إليها في ظل دراسات ميدانية تضبط الحاجيات الأساسية للمتكونين .

_ من بين اهتماماتك "أدب النّاشئة، وتنمية عادة القراءة".

في زمن الشّاشات والذّكاء الاصطناعيّ، كيف يمكننا إعادة جذب الجيل الجديد للكتاب والقراءة؟

إن تأليف قلوب الناشئة على الكتاب والقراءة ،صار صعبا اليوم في ظل هيمنة الفضاء الأزرق بألوانه الحقيقية والمجازية .ولكنه ليس مستحيلا، إذا وعت العائلة بدورها فيه. إن الصغير الذي يُمكّن في أغلب الأسر العربية من هاتف وهو في سنته الأولى، فقط لأن أمه العائدة من العمل تحتاج إلى وقت لإنجاز مهامها في المنزل من طبخ وتنظيف.. فهل نتوقع منه بعد ذلك أن يمسك كتابا صامتا؟ والطفل يتعلم بالاحتذاء، وإذا كان لا يرى والديه يطالعان فإنه سيربط بين الكتاب والدراسة وبالتالي تنقطع علاقته به حلما يغادر مقاعد الدراسة ولن تصبح القراءة عادة متجذرة لديه. أرى أن الأسرة هي جدار الصد الأول ضد هوس الهواتف الجوالة عند أبنائنا، وبعد ذلك للمدرسة دور في تقريب الشقة بين الطلاب والكتاب. فحصص المطالعة لا بد ان تأخذ حيزا مهما في التوقيت المدرسي وتكون لها مكانة المادة المستقلة. وأن تكون خارج الفصل وجدرانه، وبعيدا عن ضغط الامتحانات والتقييمات. كأن تخصص لها قاعة مستقلة بكراسي مريحة وموسيقى هادئة وطرائق بيداغوجية مناسبة للترغيب فيها.ودور المربي فيها هو دور المنسق الموجه. أما وزارات التربية في العالم العربي عليها توفير الكتاب ودعمه في النشر ومراقبة محتواه حتى يكون تربويا يأخذ بعين الاعتبار حاجيات الطفل النفسية والاجتماعية ..
في تونس عندنا تجارب جميلة في الحض على القراءة، من قبيل المسابقات الوطنية وفي الجهات بالتنسيق مع وزارات ذات العلاقة كالثقافة والشؤون الاجتماعية والمراة... وتشريك الطلاب في زيارات لمعارض الكتاب على مدار السنة ،وتوزيع حقائب مطالعة على تلاميذ المرحلة الابتدائية... وهي محاولات أرى أنها جادة وسبيل حكيم لتخفيف من إدمان الهواتف التي صار أطباء النفس يطلقون صرخة فزع للتحذير منه.

ويمكن للأدباء والشعراء والمتقاعدين أن يسهموا بمجهودهم في الترغيب في القراءة من خلال نواد أدبية للأطفال والمراهقين.

_ ركّزتِ على "الأدب النّسوي وكتابات التّونسيّات"؛ هل ترَين أنّ الأدب التّونسيّ النّسائيّ أخذَ حقّه من النّقد والانتشار عربيًّا، أم ما زال يحتاج إلى المزيد من الضّوء؟

عندي اعتراض على التسمية "الأدب النسائي"، تسمية كانت جائزة في أواسط القرن الماضي عندما كانت كتابات المرأة تتمحور حول مشاغلها الخاصة كمواجهة السلطة الذكورية، والسعي لتمكين ذاتها في المجتمع. أما الآن فالكتابات الخارجة من تحت قلم التونسيات صارت متنوعة موضوعا وأسلوبا. حتى أن بعض الروايات، تكون فيها الكاتبات أجرأ من كثير من الكتاب. وبعيدا عن الجندر، فإنّ الأدبهن خطا خطوات عملاقة على مستوى النضج والتنوع، وهو إن كان يفتقر إلى بعض الانتشار، و التثمين النّقدي العربي، فإن شأنه في ذلك شأن الأدب التونسي عموما خارج حدود الوطن. أما في تونس فكتبهن تحظى باهتمام نقدي واسع متمثلا في دراسات منفصلة ،أو في أطروحات جامعية معمّقة. وأدبهن يحتاج بلا شكّ إلى تسليط المزيد من الضّوء عليه لحمايته من التهميش أو الاختزال في قوالب جاهزة.

ومن الأديبات التونسيات من حققت حضوراً عربياً مميزاً. وقد وصلت بعض أعمالهنّ إلى القوائم الطويلة والقصيرة للجوائز العربية الكبرى كجائزة "بوكر" للرواية العربية أو جائزة "الشيخ زايد". منهن على سبيل الذكر آمال مختار، وحياة الرايس، وأميرة غنيم، ونافلة ذهب ..هذا في العالم العربي، ولكن منهن من نالت جوائز في فرنسا ممن يكتبن بالفرنسية. هذا يعني أنهن غير مغمورات على الساحة الأدبية العربية، وأن حضور الكاتبات التونسيات شأنه شأن الكاتبات العربيات ،لا يضعهن كثيرا وبصفة بارزة وتلقائية تحت دائرة الضوء.

لعل بعض الأسباب الموضوعية تفسر انحصار الضوء على إنتاجهن فالكتاب التونسي عموماً، والنسائي خصوصاً يعاني من مشكلة التوزيع خارج حدود تونس. فالقارئ العربي في المشرق أو الخليج يجد صعوبة في التزوّد بالإصدارات التونسية ما لم تكن صادرة عن دور نشر مشرقية أو عربية كبرى.

وحتى لا نقع في التعميم المخلّ، إن بعض الدراسات التي تناولت انتاجا نسائيا تونسيا ،فقد تناولته ضمن دراسات تتعلق بالأدب المغرب العربي دون الغوص في خصوصيته السردية، واختزاله في زاوية ضيقة تركز فقط على قضايا الجسد والتمرد الاجتماعي، وهي مواضيع تجاوزتها المرأة التونسية اجتماعيا وابداعيا. وقد أهملت منها الجماليات الفنية العالية والعمق التاريخي والسياسي الذي تطرحه التونسيات.

_ تجمَعُ اهتماماتك بين الرّواية، والقصّة القصيرة وبين النّقد الأدبيّ، هل يخدم النّاقدُ في داخلكِ المبدعَ أم يقيّده؟

إن الفصل بينهما هو فصل منهجين، إن صح التعبير، لأنه لا يمكن الفصل فعليا .فهما قطبان متكاملان في ذهني. يتناوبان أحيانا .ويتقدم الواحد منهما الآخر أحيانا أخرى. فكلما قرأت كتابا إلا وتسلل الناقد ليقرأه قراءة نقدية مستندة على خلفية معرفية. وفي الآن نفسه يقفز الكاتب فيّ متسائلا: كيف كنت سأكتب في هذه الفكرة. وكيف كان يمكن أن أبني معمار الشخصيات ، لو كنت مكان الكاتب. ولكن الخروج من هذا المأزق لا يكون إلا بإطلاق العنان لقلمي عندما أكتب ،والإنسياق وراء الدفقة الإبداعية بلا رقيب. وما إن أنتهي حتى أترك ما كتبت جانبا .أتركه مدة غفلا .ولا أعود إليه إلا بخلفية الناقدة ، مجوّدة حبكته ومراجعة روابطه.. وحينها أكون قد انفصلت عنه ومات الكاتب فيّ. والبغية هي الارتقاء به إلى مرتبة الإعجاب.والنأي به عن العثرات .

_ تتطرّق سيرتكِ إلى قضايا مهمّة مثل "المواطَنة، والحوكمة، وتربية أطفال ذوي الصّعوبات".

كيف يمكن للمدرسة اليوم أن تتحوّل من فضاء للتّلقين إلى بيئة متكاملة لبناء المواطن الصّالح؟

لقد تناولت جزءا من هذا السؤال في الأسئلة السابقة. ذلك أن مدرسة اليوم أو مدرسة الغد المنشودة، هي المصنع الذي يٌنتج مواطن الغد بملامح نريد لها أن تكون على أحسن صورة. إن المعارف والعلوم والمعلومات عموما متوفرة خارج أسوار المؤسسات التربوية .وهي ليست حكرا على المعلم الذي لم يعد دوره تلقينيا منحصرا في ملء الأدمغة. بل هو الآن وأكثر من أي وقت مضى، مطالب بتنمية قدراته بالموازات مع معارفه ،حتى يضطلع بأدواره الجديدة إزاء المتعلم الذي يجلس أمامه. فالتربية على المواطنة واحترام الاختلاف والتعايش مع الآخر على خلفية احترام القانون، هو من أوكد مهام المدرسة. ولبناء مجتمع متوازن منسجم فيما بينه، تجمعه المصلحة العامة واحترام الحريات الشخصية..لابد أن نعوّد طفل اليوم ،ومواطن الغد، على عقلية جديدة، تكون المدرسة أول من يقدمها له منمّية خبراته الاجتماعية والعلائقية والتواصلية.
إن المدرسة الحديثة هي مدرسة نطمح أن تدرّب المتعلم على احترام المصلحة العليا للوطن وتنمية حس المسؤولية تجاه بلاده دون إقصاء أو وصم.

_ ما هي مؤلّفاتك، وهل من أعمال قيد الطّباعة؟

صدرت لي مجموعة قصصية عن دار افريقية للنشر بعنوان "..على مرايا القلب"

إضافة إلى مقالات مختلفة في الأدب والنقد، تنشر هنا وهناك في مواقع الكترونية أو في صحف ومجلات ورقية. والآن أشتغل على كتاب يهتم بالأقلام الروائية النسائية تونسية وهو يستحق وقتا طويلا لكثرة الإنتاج الأدبي التونسي في السنوات الأخيرة. ولم أستقر بعد على عنوان مضبوط بسبب تشعب الدراسة.

_ حزتِ -مؤخَّرًا- على درع تقديريّ من "ديوان العرب" بنقابة الصّحفيّين في القاهرة.

ماذا يعكس لكِ هذا التّكريم العربيّ؟

وماذا توجّهين كلمة لموقع ديوان العرب، ورئيس تحريره؟

علاقتي بديوان العرب المجلة الإلكترونية العريقة، والتي أسميها أم المجلات، علاقة قديمة تمتد على سنوات طويلة .وهي مجلة سعى القائمون عليها أن تكون فعلا مساوقة للأدب العربي في جميع تجلياته .وأن تكون ديوانا يجمعه. والجميل في هذه المجلة هو انفتاحها على كل البلدان العربية دون إقصاء. تهتم بالمواهب. فتدعمها وتقدر الأدباء. فتنشر لهم ما يحبون تناوله من القضايا. وهي فعلا منبر حر بعيدا عن الشعارات الجوفاء.

أما تشريفي بدرع تقديري فقد أثلج فؤادي، وغمرني بشعور من السعادة لا يوصف. وفي الآن نفسه حمّلني مسؤولية معنوية أرجو أن أكون في مستواها.

إن رجالات ديوان العرب ،هم ثلة من الأدباء والمفكرين والمثقفين من أقطار مختلفة من عالمنا العربي، وهو ما يؤكد أن مجلتنا الغراء هي مرة أخرى ديوانا عربيا جامعا لنا. هؤلاء الرجالات هم عماد المجلة، وعلى رأسهم الأديب عادل سالم الذي له من القدرات التواصلية ما يجعله يجمع حوله أقلاما عربية شهيرة تسعد بالنشر في الغراء .وله من القدرات الذهنية ما جعل لديوان العرب هذه المكانة في ساحة تعجّ بالمواقع الأدبية، وعلى امتداد ما يقرب الثلاثين سنة. و له من الكفاءات الأخلاقية والإنسانية ما يجعلنا نحن الذين عرفناه نحب صحبته.

لو أردتِ تلخيص رسالتكِ التي تمتدّ بين التّعليم، والإدارة، والعمل الجمعياتيّ، والثّقافة؛ فما هي الرّسالة الأساسيّة الّتي ترغبين في إيصالها للمجتمع التّربويّ والثّقافيّ؟التربية والكتابة: من التجربة إلى بناء الوعي

لكل إنسان في الكون رسالة ما ،هو مطالب بآدائها ،وعى بذلك أم لم يع، وانا منذ سنوات التدريس الأولى، سعيت إلى جعل التربية هدفا لما أفعل. و ليست مهنة أنجزها لأتقاضى عليها اجرا، بل حاولت- ولست ادري مدى نجاحي في ذلك - ان تكون مسؤولية إنسانية تجاه من أعلمهم. فقد كان التدريس في نظري ابعد من نقل المعرفة. وإن كان نقل المعرفة ليس بالأمر الهين. وأن هذه المعرفة، لا تُثمر إلا حين تحفّز العقل على التفكير.

أما إدارة المؤسسات التربوية فقد علمتني أن نجاح التعليم لا يُقاس بالتنظيم الجيد والنتائج الطيبة وحدهما، بل بقدرته على تنمية روح الاستقلال والإبداع وتحمل المسؤولية لدى النشء.

وفي هذا السياق، أستحضر باولو فريري الذي جعل من التربية سبيلًا إلى الوعي النقدي والتحرر. وهي أفكار أجد صداها في تجربتي، إذ لا قيمة للمعرفة إن لم تساعد الإنسان على فهم واقعه ومساءلته والمشاركة في تغييره.

والانتقال من الفصل والتدريس ومصاحبة الطلاب إلى الإدارة مؤسسة الحاضنة لكل الفاعلين التربويين ،هو انتقال غير يسير لأن العبء أكبر، والمسؤولية أشمل .وإن كانت كلها تدور في مدار تقديم ما يجب تقديمه للمتعلم وللمعلم ،حتى تتمّ العملية التربوية على أحسن وجه.

أما الكتابة التربوية، فقد أتاحت لي تأمل الممارسة والكشف عن مشاغلها وتناقضاتها ،وعن بعض ما يعاني منه التلميذ المختلف من آلام ,وقد كتبت قبل سنوات طويلة مقالات حول صعوبات التعلم ،التي لم تكن وقتها تحت الضوء ولكن الحمد لله اليوم صارت معروفة وكل الجهود موجهة للتغلب عليها من ذلك صعوبات القراءة والكتابة والحساب .. التي كان التلميذ الذي يعاني منها يُتهم بالاهمال .. وهو المسكين ضحية تركيبة عصبية تعرقل قدرته التعلمية.

أما الكتابة الأدبية فهي أفقً أوسع لفهم الإنسان، في تعقيده وآلامه وتطلعاته .وهي مجال للتحدث عنه .إما عبر الكتابة التخييلة أو نقدية . وهكذا أرى أن التربية والأدب يلتقيان في سعيهما إلى توسيع الوعي وتنمية القدرة على فهم الإنسان..وكما قال القدامى: أدب الدرس وأدب النفس .وهما يتكاملان بالضرورة.

إن رسالتي هي الدفاع عن تربية تُحرّر العقل بدل أن تكتفي بتلقينه، وعن ثقافة تجعل القراءة سبيلًا إلى اكتشاف الذات والعالم، وعن كتابة مسؤولة تصل الخبرة بالفكر. إيمانًا مني بأن مسؤولية الإنسان تجاه التربية والثقافة لا تنتهي بانتهاء الوظيفة، بل تتواصل ما دامت لديه تجربة يتأملها، وفكرة يناقشها..


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى