الجمعة ٢٥ أيلول (سبتمبر) ٢٠٢٦
بقلم مها حسن موسى الحاج حسن

تشكّلات فِلَسطين في المخيال الروائيّ العربيّ غير الفلسطينيّ

تشكّلات فِلَسطين في المخيال الروائيّ العربيّ غير الفلسطينيّ

من النّكبة إلى ما بعد أوسلو (1948–2020)

المقدّمة:

لا تُدرك الأمكنة على نحوٍ واحد؛ فثمّة فرق جوهريّ بين أنْ يُرى المكان وأنْ يُعاش. فالتّجربة الدّاخلية للمكان تُنتج وعيًا ملتصقًا بتفاصيل الواقع، في حين تُعيد المسافةُ تشكيله وفق منظور مغاير. وعلى هذا الأساس، يمكن تمثّل العلاقة بين الدّاخل والخارج مجازيًا بعلاقة مركز الدّائرة بمحيطها؛ إذ يغدو المركز -بوصفه تمثيلًا للذَّات الفلسطينيّة- نقطة ارتكاز في إنتاج المعنى، بينما يتبدّل المحيط تبعًا لموقع الكاتب وتجاربه ووعيه الثّقافي. ومن هنا، تتعدّد الدّوائر الممكنة انطلاقًا من مركز واحد، في مقابل محيطات سرديّة متحوّلة تعكس اختلاف الرّؤى والسّياقات. وبناء على ذلك، تتشّكل فلسطين من خلال استيحاء الواقع دون اعتباره مجرّد حدث تاريخيّ، بل بؤرة دلالية ضمن بناء تخيليّ يتجاوز المباشرة إلى أبعاد رمزيّة وإنسانيّة.

برز مصطلح المِخْيال بوصفه أفقًا لإعادة تشكيل المعنى في الرّواية العربيّة غير الفلسطينيّة منذ عام الجريمة الكبرى (1948). فالقارئ لرواية الكاتبة رضوى عاشور الطّنطورية يرى أنّها احتملت آلاف الجثث، والأنقاض، والفَزَع. وفي باب الشّمس كانت الحرب لا تحتاج إلى قبور وأضرحة. واتكأ إبراهيم نصر الله على التّاريخ ساكبًا فيه خياله في زمن الخيول البيضاء.

قد أضفى الروائيّ العربيّ غير الفلسطينيّ أبعادًا جمالية تتجاوز حدود الواقع الذي لم يعشْه، ومنح القارئ متعة التّصوّر والأمل دون تجاوز الأحداث والمعاناة الفعليّة. وقد تجلّى المخيال في أعمال الرّوائيين العرب، مثل عبد الرّحمن منيف الذي كتب بملح الأرض وصوت المنفى، وعمل على تثوير الرّواية لمواجهة الاستكانة والعجز العربيّ. وحوّلت الكاتبة ثائرة عقرباوي المِفْتاح من قطعة حديد إلى يقين بأنَّ الدّار سيعودُ أهلُها، وأنّ الوطن يبقى في الذّاكرة. وفي رواية عودة الطّائر إلى البحر للكاتب حليم بركات تحرّرت القضيّةُ الفلسطينيّة من إطارها الضّيق لتمتدّ إلى آفاق إنسانيّة رحبة، وأصبح الدّفاع عن فِلَسطين دفاعًا عن الإنسانيّة والكرامة في كلّ مكان.

وأشار المفكّر الفلسطينيّ إدوارد سعيد في كتابه "الثّقافة والإمبرياليّة" إلى أنَّ السّرد ليس مجرد مرآة للواقع، بل هو أداة لإعادة بنائه، حيث تتشكل القضايا الكبرى—ومنها فِلَسطين—وفق تمثيلات تختلف باختلاف مواقع الكتّاب ومخزونهم الثقافيّ. ومن هذا المنطلق لعبت الرّواية دورًا في صياغة صورة متخيلة لفِلَسطين، تتداخل فيها الأبعاد السّياسية بالرّمزية، وتتأثر بالتّحولات التي عرفها التّاريخ العربيّ الحديث.

ومع ما شهده العالم العربيّ من تغّيرات، لا سيما بعد حرب (1967)، ثمّ اتّفاقية أوسلو، طرأ تحوّل واضح على طبيعة حضور فِلَسطين في الرّواية العربيّة غير الفلسطينيّة. ففي المرحلة الأولى، هيمنت النّزعة القوميّة، وبرزت فلسطين بوصفها قضيّة مركزيّة توحّد العرب، بينما اتّجهت الرّواية لاحقًا نحو مقاربات أكثر تعقيدًا، تميل إلى مساءلة الخطاب السّائد، وتفكيك الصور النمطية، واستكشاف البعد الإنسانيّ والنفسيّ للتّجربة الفلسطينيّة.

تتمحور هذه الدّراسة حول تتبع حضور فِلَسطين في وجدان الرّوائيين العرب (من غير الفلسطينيين) عبر رحلة زمنيّة بدأت بمرارة النّكبة وصولاً إلى تداعيات مرحلة ما بعد أوسلو (1948–2020). والهدف الأساسيّ هو استجلاء الأدوات الفنيّة والجماليّة التي مكّنت المبدع العربيّ من إعادة رسم ملامح فِلَسطين، متجاوزاً بذلك عدم خوضه للتّجربة المباشرة في الدّاخل، لصوغها كبناءٍ تخيليّ نابض بالحياة. كما تهدف إلى تحليل العلاقة بين التّحولات السّياسية والتّاريخية، وبين تطوّر الّتّمثيل الرّوائي للقضيّة الفلسطينيّة في السّياق العربيّ الأوسع.

إشكالية الدراسة:

على الرّغم من الحضور الكثيف للقضيّة الفلسطينيّة في الرّواية العربيّة، فإنَّ معظم الدّراسات النّقدية انصرفتْ إلى تحليل تمثّلاتها في الرّواية الفلسطينية ذاتها، بوصفها نابعة من تجربة مباشرة، في حين ظلّ حضور فِلَسطين في الرّواية العربيّة غير الفلسطينيّة أقلّ تناولًا من زاوية نقديّة منهجيّة، خاصة من حيث كونه بناءً تخيّليا يتشكّل خارج إطار المباشرة.
ومن هنا تنطلق إشكالية هذه الدّراسة من محاولة فهم الكيفيّة التي أعاد بها الرّوائي العربيّ غير الفلسطينيّ إنتاج فلسطين داخل مخياله السرديّ، وما إذا كانت هذه الصّورة تعكس وعيًا جمعيًا عربيًا بالقضية، أم أنّها تخضع لإعادة تشكيل جماليّة وأيديولوجية تختلف باختلاف السّياقات التّاريخية والثّقافية.

ومن هنا تتمحور الإشكاليّة حول السّؤال الآتي:

كيف تشكّلت صورة فلسطين في المخيال الروائيّ العربيّ غير الفلسطينيّ خلال الفترة الممتدة من (1948) إلى (2020)، وما التّحولات التي طرأت على هذا التّشكّل في ضّوْء المتغيرات التّاريخيّة والسّياسيّة؟

تساؤلات الدّراسة:

تتفرع عن هذه الإشكالية مجموعة من التّساؤلات الرئيّسة والفرعيّة، من أبرزها:

1. كيف مثّلت الرّواية العربيّة غير الفلسطينيّة القضيّة الفلسطينيّة عبر مراحل زمنيّة مختلفة؟

2. ما طبيعة الصّورة التي قدّمها الروائيّ العربيّ غير الفلسطينيّ عن فلسطين: هل هي صورة واقعيّة، أم رمزيّة، أم مثالية؟

3. إلى أيّ مدى تأثّر هذا التّمثيل بالسّياقات التّاريخية الكبرى، مثل النّكبة، والنّكسة، واتّفاقية أوسلو؟

4. ما أبرز التّحولات التي شهدها المخيال الروائيّ العربيّ غير الفلسطينيّ في تمثيل فلسطين بين المرحلة القوميّة والمرحلة النّقدية؟

5. ما الآليات السّردية والفنيّة التي اعتمدها الروائيون في بناء صورة فلسطين (مثل: الرمز، الذّاكرة، المنفى، التّخييل التّاريخي)؟

6. هل يعكس هذا المخيال وعيًا عربيًا جمعيًا بالقضيّة، أم أنّه يعبّر عن رؤى فرديّة متباينة؟

7. ما أوجه الاختلاف بين تمثيل فلسطين في الرّواية العربيّة غير الفلسطينيّة، وتمثيلها في الروايّة الفلسطينيّة؟

منهج الدراسة:

تعتمدُ الدّراسة على المنهج الوصفيّ التّحليليّ، باعتباره الأنسب لفهم كيفيّة تشكيل فِلَسطين في المخيال الروائيّ العربيّ غير الفلسطينيّ، حيث يتمّ وصف تمثيلات القضيّة الفلسطينيّة داخل النّصوص، ثم تحليل دلالاتها الرمزيّة والسّياسيّة والثّقافيّة.

كما تستندُ الدّراسة إلى المنهج التّاريخيّ، وذلك لربط التّحولات السّردية بالمراحل التّاريخية الكبرى التي مرّت بها القضيّة الفلسطينيّة، من النكبة (1948) مرورًا بالنّكسة (1967)، وصولًا إلى اتّفاقية أوسلو (1993) وما بعدها، وفهم أثر هذه التّحولات على صورة فلسطين في الرّواية العربيّة غير الفلسطينيّة.

ويستفيدُ البحث كذلك من المنهج النقديّ الثقافيّ، من خلال دراسة تمثيلات "الآخر" الفلسطيني في النصوص العربية غير الفلسطينية، واستثمار مفاهيم نقدية مستمدة من إدوارد سعيد وفيصل دراج حول العلاقة بين السّرد والهويّة والسّلطة الثّقافيّة.

مباحث الدّراسة:

تنقسم الدّراسة إلى ثلاثة مباحث رئيسية، تتناول تطور المخيال الرّوائيّ العربيّ غير الفلسطينيّ عن فلسطين عبر الزّمن:

المبحث الأول: الإطار المفاهيميّ والنّظريّ للمخيال الرّوائيّ وتمثّلات فلسطين.

– المطلب الأوّل: تعريف المخيال الرّوائيّ وأهميته في دراسة تمثيل القضايا الكبرى.

– المطلب الثّاني: تمثيل فلسطين في الأدب العربيّ: من التّوثيق المباشر إلى التّخييل الرمزيّ.

– المطلب الثّالث: خصوصية الرّواية العربيّة غير الفلسطينيّة في تناول فلسطين: مقاربة خارجيّة للحدث.

المبحث الثّاني: تشكّلات فلسطين في الرّواية العربيّة غير الفلسطينيّة (1948–1993)

– المطلب الأوّل: فلسطين بعد النّكبة: البعد القوميّ والتّعبوي في النّصوص العربيّة غير الفلسطينيّة.
– المطلب الثاني: تأثير النكسة (1967) على المخيال الروائي: التّحول من الواقعيّة المباشرة إلى الرمزيّة والتّخييل.
– المطلب الثّالث: تمثيل المنفى والاقتلاع في الرّواية العربيّة غير الفلسطينيّة خلال هذه المرحلة.

المبحث الثالث: تحوّلات المخيال الرّوائيّ بعد أوسلو (1993–2020)

– المطلب الأوّل: أثر اتّفاقية أوسلو على إعادة تشكيل صورة فلسطين في الرّواية العربيّة غير الفلسطينيّة.
– المطلب الثّاني: تفكيك الخطاب التقليديّ: من القضيّة المركزيّة إلى تساؤلات نقدية حول الهُويّة والعدالة.
– المطلب الثّالث: البعد الإنسانيّ والنفسيّ في تمثيل فلسطين: الرمزيّة، الذّاكرة، والتّخييل التّاريخيّ في النّصوص المعاصرة.

المبحث الأوّل

الإطار المفاهيميّ والنّظري للمخيال الرّوائيّ وتمثّلات فلسطين

المطلب الأوّل: تعريف المخيال الروائيّ وأهميته في دراسة تمثيل القضايا الكبرى.

المخيال الروائيّ مفهوم أساسيٌّ في النّقد الأدبيّ، يتجاوزُ مجرد تمثيل الوقائع إلى عمليّة تخيّل الواقع، مما يتيح للرّوائي تقديم الشّخصيات والأحداث ضمن بنى سرديّة ذات أبعاد رمزيّة ودلاليّة متعدّدة (Bakhtin, 1981، ص. 7). ويعتبر المخيال أداة فنيّة تمكّن النّص من التّعبير عن القضايا الكبرى بطريقة تتفاعل فيها البنية السّردية مع الوعي الثقافيّ والسياسيّ للكاتب.

ويرى النّقاد أنّ المخيال الروائيّ يستحضر الذّاكرة والتّجربة الجماعيّة والتّاريخية، ما يمنح الرّواية القدرة على إعادة إنتاج الواقع في إطار سرديّ متعدد الأصوات والزّمن (Bakhtin, 1981، ص. 10).

وبناءً على ذلك، يمكن تعريف المخيال الرّوائي بأنّه بنية ذهنيّة وسرديّة تسمح بإعادة إنتاج الواقع ضمن سياسات فنّية وإبداعيّة، تتفاعل مع ذاكرة الكاتب والمجتمع، وتعكس رؤى متعددة للموضوع قيد الدراسة (الزبيدي، 2017، ص. 495).
وتكمنُ أهمية دراسة المخيال الرّوائي في تمثيل القضايا الكبرى في كونه جسرًا بين الواقع والتّخييل، يسمح بتحليل البنية السّردية للنّص وفهم كيف يعالج الرّوائيّ موضوعات محوريّة، مثل فلسطين، ليس بوصفها حدثًا مجردًا، بل كتجربة إنسانيّة وثقافيّة تتفاعل مع التّاريخ والوعي الجمعيّ (دراج، 2010، ص. 112). ومن هنا، يصبح المخيال الروائي العربيّ أداة مركزية لفهم العلاقة بين النّص التّاريخيّ والتّمثيل الإبداعيّ لقضية فلسطين.

المطلب الثاني: تمثيل فلسطين في الأدب العربي: من التوثيق المباشر إلى التخييل الرمزي.

منذ منتصف القرن العشرين كان لفلسطين مكانة بارزة في الأدب العربيّ، حيث سرد الأحداث المرتبطة بالنّكبة وما تلاها من تهجير ومعاناة، مع اعتماد واضح على التّوثيق والوصف الواقعيّ المباشر لنقل التّجربة كما وردت في الوعي الجمعيّ (السيد، 2003، ص. 45).

ومع تطور الوعي السّرديّ والنّقديّ، انتقل هذا التمثيل تدريجيًا إلى توظيف تقنيات فنية أكثر تعقيدًا، بما أتاح تقديم صورة أكثر عمقًا للأبعاد الإنسانيّة والوجوديّة لفلسطين (عبد اللطيف، 1988، ص. 121).

كما أسهم توظيف الرّمز والتّخييل في تحويل القضيّة الفلسطينيّة من موضوع سياسيّ مباشر إلى فضاء ثقافيّ وإنسانيّ يعيد قراءة الهُويّة والوجود والتّاريخ ضمن بنى سرديّة قابلة للتّأويل، وتجاوز الخطاب التّقريريّ (سلمان، 1995، ص. 208).

وقد وجد النّقاد أنَّ الرّواية لم تعد مجرد ناقل للحدث، بل أصبحت أداة لمساءلة التّاريخ وإعادة تشكيله داخل بنية فنيّة تعكس تفاعل الوعي الإنسانيّ مع الذّاكرة والتّجربة (شرف، 2001، ص. 67).

المطلب الثالث: خصوصيّة الرّواية العربيّة غير الفلسطينية في تناول فلسطين: مقاربة خارجيّة للحدث.

تختلف الرواية العربيّة غير الفلسطينيّة في تمثيلها لقضيّة فلسطين عن الروايّة الفلسطينيّة من حيث الموقع المعرفيّ وطبيعة التّعامل مع الحدث؛ إذ تنطلق الروايّة العربيّة غير الفلسطينيّة من موقع خارجيّ ثقافيّ يتجاوز النّقل الواقعيّ (السّيد، 2003، ص. 33).

ويستند هذا النّمط إلى السّرد بالاستدعاء والذّاكرة الجماعيّة، حيث يستمدّ الكاتب مادته من المصادر التّاريخيّة والرّوايات الشّفهيّة والمخزون الثّقافيّ، مما يمنحه حرّيّة تشكيل الحدث فنيًا بعيدًا عن التّوثيق المباشر (عبد اللطيف، 1988، ص. 97).

كما تتسم هذه الرّواية بازدواجية الصّوت السّردي، إذ تمزج بين البعد القومي والبعد الإنساني الفردي (الزبيدي، 2017، ص. 504).

وتكمن خصوصيتها في كونها موقعًا سيميائيًا يعيد ترميز فلسطين ضمن آليات سردية، تجعلها قضيّة إنسانيّة كونيّة، تسهم في استنهاض الوعي الجمعيّ من خلال التّخييل الفنيّ (دراج، 2010، ص. 128).
وبذلك، تعتمد هذه الرّواية على المزج بين الذّاكرة التّاريخيّة والخيال، مما يجعلها فضاءً لإنتاج معرفة جديدة حول القضيّة الفلسطينيّة (سلمان، 1995، ص. 154).

المبحث الثّاني

تشكّلات فلسطين في الرّواية العربيّة غير الفلسطينيّة (1948–1993)

المطلب الأوّل: فلسطين بعد النّكبة — البعد القوميّ والتّعبويّ في النّصوص العربيّة غير الفلسطينيّة

بعد وقوع نكبة عام 1948، برزت فلسطين كقضية محوريّة في الوعي العربيّ، وأصبحت رمزًا للقوميّة والوحدة العربيّة. فالرّواية العربيّة غير الفلسطينيّة، من خلال كتابات عدد من الروائيين العرب، حاولت تقديم صورة تعبيريّة وشاملة للكارثة الفلسطينيّة، مع التّركيز على البعد القوميّ والتعبويّ للنّصوص (الأرناؤوط، 1996، ص. 55).

اتّسم هذا التّمثيل بالميل إلى لغة تعبيرية مكثّفة، تحاول التّأثير على القارئ العربيّ بأقصى قدر، مستندة إلى رموز القوميّة مثل الوطن، والنّضال، والاقتلاع، مع التّأكيد على المصير المشترك بين الشّعوب العربيّة (قاسم، 2002، ص. 23). كما أنَّ الرّواية العربيّة غير الفلسطينية لم تقتصر على نقل المأساة الفلسطينيّة، بل وظفت السرد كأداة لتقوية الانتماء العربي ورفع الوعي بالقضيّة الفلسطينيّة.

فضلاً عن ذلك، يظهر في هذه المرحلة اهتمامٌ واضح بـ البنية السّردية الجامعة، إذ تستخدم النّصوص عناصر متعددة، مثل تعدد الشّخصيات والخطوط الزّمنية المتقاطعة لتوضيح التأثير الواسع للنّكبة على المجتمعات العربيّة، وتقديم فلسطين كقضيّة مركزيّة تتخطى الجغرافيا والمكان (الماحوزي، 1999، ص. 84).

المطلب الثاني: تأثير النّكسة (1967) على المخيال الروائيّ — التّحول من الواقعيّة المباشرة إلى الرّمزيّة والتّخييل
شكلت النّكسة عام 1967 نقطة تحول أساسيّة في "تمثيل فلسطين في الرّواية العربيّة غير الفلسطينيّة". فقد أُعيد النّظر في أساليب السّرد، إذ بدأ الرّوائيون ينتقلون من صياغة واقعية مباشرة للأحداث إلى اعتماد "أساليب رمزيّة وتخييليّة" تعكس صدمة الهزيمة (صفا، 2005، ص. 40).

علاوة على ذلك، أصبح المخيال الروائيّ بعد 1967 "أداة لمساءلة الواقع السّياسيّ والاجتماعيّ"، ولم يعد وسيلة للترفيه وسرد القصص. بمعنى آخر أصبحت الرواية أداة للنقد السياسي، وفهم البعد النفسيّ والثقافيّ للنّكسة. واتضحت الرغبة في استخدام الرّواية كفضاء لمناقشة التّشتت والهزيمة، مع التّأكيد على الجانب الإنسانيّ للقضيّة الفلسطينيّة، بحيث تتجاوز الرّواية التّوثيق التّاريخي لتصبح "تجربة سرديّة متعددة المستويات" (حبيبي، 2012، ص. 76).

المطلب الثالث: تمثيل المنفى والاقتلاع في الرواية العربية غير الفلسطينية خلال هذه المرحلة

برز تمثيل المنفى والاقتلاع كموضوع مركزيّ في الرّواية العربيّة غير الفلسطينيّة، باعتباره انعكاسًا مباشرًا لتجارب النكبة والنكسة، ليس فقط على الصعيد الجغرافي، بل أيضًا النفسي والثقافي. فالرّوائيون قدّموا تجربة المنفى الفلسطينيّة بطريقة متكاملة، مع التّركيز على الانعكاسات النّفسية للاقتلاع على الفرد والمجتمع (السيد، 2003، ص. 89).

وظهر مفهوم "المنفى الدّاخلي"، الذي يعكس شعور الفرد بالغربة النّفسية بعد فقدان المرجعيات الثّقافية والتّاريخية، حيث تصبح الرّواية مساحة لاستعادة الهوية، وبناء تصور إنسانيّ عن فلسطين رغم التّشتت الجغرافيّ (العزاوي، 2008، ص. 58).

كما استُخدمت تقنيات السّرد مثل "استدعاء الذّاكرة والقصص الشفهيّة والتّخييل الرمزيّ" لإبراز تجربة الاقتلاع والاغتراب، بما يجعل النّص الأدبيّ بمثابة "وثيقة معرفيّة ونفسيّة" تعكس معاناة الفلسطينيين خارج وطنهم. وفي الوقت ذاته يفهم القارئ صدمة المنفى، وتأثيرها على الإنسان الفلسطينيّ ضمن السّياق العربيّ الأوسع (المنصوري، 1994، ص. 33).

المبحث الثّالث

تحوّلات المخيال الروائيّ بعد أوسلو (1993–2020)

المطلب الأوّل: أثر اتّفاقية أوسلو على إعادة تشكيل صورة فلسطين في الرّواية العربيّة غير الفلسطينيّة.

شهدت مرحلة ما بعد أوسلو في الرّواية العربيّة غير الفلسطينيّة إعادة تشكيل صورة فلسطين من كونها أرضًا مفقودة تُستعاد، إلى فضاء معرفيّ ووجوديّ معقّد يتقاطع فيه سؤال الهُويّة مع حالة الخواء السّياسيّ، حيث بات النّص الرّوائيّ يعكس تحولات الوعي العربيّ وتشظي الذّات الفلسطينية.

وقد تجلّى هذا التّحول في انتقال الخطاب من مركزية "القضيّة" إلى مساءلة البنية السّياسيّة والوجوديّة، إذ أصبحت فلسطين إطارًا تخييليًا يُعبّر عن تشوّهات الواقع التّاريخي والإنسانيّ في ظلّ التّحولات السّياسيّة الجديدة. كما أسهمت مرحلة ما بعد أوسلو في إعادة رسم صورة "الرّجوع" وتأسيس السّلطة عام (1994) حيث لم يعد الصّراع خارجيًا فحسب، بل تحوّل إلى جدلية بين الذّات والمكان، تجمع بين الأمل ومرارة الواقع.

وفي السّياق نفسه، تعمّقت صورة الشّتات والمنافي في الروايات التي تناولت التجربة الفلسطينية خارج الوطن، إذ أصبح الموت والاغتراب فضاءً مركزيًا في تشكيل وعي الشخصيات ومعاناتها.

كما شهدت هذه المرحلة -بناء على دراسات نقدية حديثة- نضجًا واضحًا في الأدوات الفنيّة والرّمزيّة، حيث انتقلت الرّواية العربيّة من السّرد التّقريريّ إلى بناء فنّيّ أكثر تركيبًا، مكّنها من تقديم فلسطين بوصفها رمزًا للتّمزق الوجدانيّ والوجوديّ، وليس مجرد جغرافيا مفقودة، مع ربط ذلك بتحولات المثقّف العربيّ بين الحلم والواقع السّياسي والاجتماعيّ.

المطلب الثّاني: تفكيك الخطاب التقليديّ: من القضيّة المركزيّة إلى تساؤلات نقديّة حول الهويّة والعدالة.

انتقلت الرّواية العربيّة في تناولها لفلسطين من خطاب تقليديّ يركّز على المأساة كحدث سياسيّ مباشر إلى خطاب نقديّ أكثر عمقًا يعيد مساءلة مفهوميّ الهُويّة والعدالة، ويعيد تفكيك البنى السّردية المرتبطة بالقضيّة.

ففي مرحلة مبكّرة، غلب الأسلوب التقريريّ المباشر الذي يهدف إلى الإدانة والتّوثيق، بينما تحوّلت فلسطين لاحقًا إلى فضاء إنسانيّ يعكس أزمات الإنسان المعاصر وتفكّك وعيه (مثل رواية “لاجئة” لجورج حنّا).

كما شهد الخطاب تحوّلًا في صورة الفلسطينيّ، من نموذج “اللاجئ السّلبي” إلى “الفدائيّ الفاعل”، بما يعكس انتقال الرّواية من الرّصد إلى الفِعْل وإعادة بناء الذّات العربيّة في مواجهة الواقع (ليلى عسيران، “عصافير الفجر”).

وفي السّياق ذاته، أصبحتْ فلسطين بِنية تخييلية للهويّة، تُطرح من خلالها قضايا اجتماعيّة وثقافية مثل دور المرأة والتّعليم وبناء المجتمع، كما في أعمال سحر خليفة، حيث يرتبط استعادة الوطن بإعادة تشكيل الوعي الفرديّ والجمعيّ.

كما توسّع مفهوم العدالة في الرّواية المعاصرة ليشمل البعد الإنسانيّ المرتبط بالموت والشّتات، حيث تحوّلت الرّموز مثل المِفْتاح وشجرة اللوز إلى علامات على الذّاكرة والمقاومة، وليس فقط أدوات سياسية (ثائرة عقرباوي).

وأخيرًا، اتّجهت الرّواية إلى تفكيك الثّنائيات التّقليدية بين المكان والذّاكرة، كما في “بنت من شاتيلا” لأكرم مسلم، حيث أصبح المخيم فضاءً معرفيًا يعيد طرح أسئلة الوجود والهويّة بدل الاكتفاء بالشّعارات، مما جعل فلسطين فضاءً نقديًا مفتوحًا لإعادة التّفكير في الإنسان والعدالة والتّاريخ.

المطلب الثّالث: البعد الإنسانيّ والنفسيّ في تمثيل فلسطين: الرّمزيّة، الذّاكرة، والتّخييل التّاريخيّ في النّصوص المعاصرة.
يتمثّل التوجّه المعاصر في الرّواية العربيّة في "أنسنة" القضيّة الفلسطينية حيث تحوّلت القضيّة من إطارها السّياسيّ إلى فضاء وجوديّ وجماليّ أكثر اتّساعًا، حيث تصبح التّجربة الفلسطينيّة مجالًا لاستكشاف الذّاكرة والهويّة والاغتراب.

تظهر فجائعية الموت والاغتراب النّفسيّ في العديد من النّصوص، مثل أعمال ثائرة عقرباوي، حيث يُقدَّم الموت ليس كنهاية بيولوجية بل كحالة وعي مرتبطة بتجربة اللجوء والانقسام بين المنافي وحلم العودة.

كما تؤدّي الرّمزية دورًا محوريًا في التّعبير عن المقاومة واستعادة الهويّة، إذ تمثل رموز مثل شجرة اللوز والمفتاح علامات وجدانيّة ترتبط بالجذور والحقّ التّاريخيّ، بينما يتحول “الحبّ الأوّل” في بعض أعمال سحر خليفة إلى رمز مزدوج يجمع بين العاطفة الفرديّة والانتماء الوطنيّ.

وتبرز الذّاكرة كآلية أساسيّة لإعادة بناء المكان عبر ربط الماضي بالحاضر، حيث يُعاد تشكيل “بيت العائلة” وفضاءات الذّاكرة بوصفها أدوات لمقاومة النّسيان ومواجهة الخواء السياسيّ، مما يحوّل المكان إلى حاضنة للصّور والهويّة الجمعيّة.

أمّا التّخييل التّاريخيّ، فيُستخدم لإعادة قراءة الأحداث الكبرى مثل ثورة القسّام ومجزرة صبرا وشاتيلا، ليس بوصفها توثيقًا تاريخيًا مباشرًا، بل كفضاءات سرديّة تفاعليّة تكشف الأبعاد الوجوديّة والتّشوهات التّاريخيّة، وتعيد إنتاج الواقع ضمن رؤية فنيّة وإنسانيّة أعمق.

النّتائج:

هدفت هذه الدّراسة إلى معرفة كيف تشكّلت صورة فلسطين في المخيال الروائيّ العربيّ غير الفلسطينيّ خلال الفترة الممتدة من 1948 إلى 2020، وما التّحولات التي طرأت على هذا التّشكّل في ضوء المتغيرات التّاريخية والسّياسيّة

وقد توصلت الدّراسة إلى مجموعة من النّتائج، أهمها:

1. أنَّ صورة فلسطين الذي تتضمن البشر والحجر والأزمنة والأمكنة في الرّواية العربيّة غير الفلسطينيّة لم تكن ثابتة، بل تشكّلت بوصفها "بنية تخييلية متحوّلة" ارتبطتْ ارتباطًا وثيقًا بالسّياقات التّاريخيّة والسّياسيّة الممتدة من النّكبة إلى ما بعد أوسلو.

2. أنَّ المرحلة الممتدة من "1948 إلى 1967" اتّسمت بسيطرة البعد القوميّ والتّعبويّ، حيث قُدّمت فلسطين باعتبارها "قضية عربيّة جامعة"، وتمّ توظيف الرّواية كأداة لتعزيز الوعي القوميّ وترسيخ فكرة المصير المشترك.

3. أنَّ "نكسة 1967" شكّلت نقطة تحوّل مفصليّة، أدّت إلى انتقال الخطاب الرّوائيّ من الواقعية المباشرة إلى "التّخييل الرّمزيّ والتّعبير عن الصدمة الجماعيّة"، مع بروز أساليب سرديّة أكثر تعقيدًا، مثل: تعدد الأصوات وتداخل الأزمنة.

4. أنَّ "قيمة المنفى والاقتلاع" أصبحتا من أبرز مرتكزات المخيال الروائيّ في السّرد غير الخطّيّ، حيث تمّ تمثيلهما ليس فقط كفقدان جغرافيّ، بل كـ "اغتراب نفسيّ ووجوديّ" يعكس أزمة الهويّة والانتماء.

5. أنَّ الرّواية العربيّة غير الفلسطينيّة تستمد خصوصيتها من كونها "مقاربة خارجيّة للحدث الفلسطينيّ"، تعتمد على الذّاكرة الجمعيّة والتّخييل، مما يمنحها حريّة أوسع في إعادة بناء الحدث ضمن أطر رمزيّة وإنسانيّة.

6. أنَّ مرحلة "ما بعد أوسلو (1993–2020)" شهدت تحوّلًا عميقًا، حيث انتقلت فلسطين من كونها "قضيّة مركزيّة" إلى "فضاء نقديّ معقّد" تُطرح من خلاله أسئلة الهويّة، والعدالة، والخواء السياسيّ.

7. أنّ الخطاب الرّوائي المعاصر عمل على "تفكيك الصور النّمطيّة"، خاصة صورة اللاجئ السّلبي، واستبدالها بنماذج إنسانيّة فاعلة تعكس تعدديّة التّجربة الفلسطينيّة.

8. تصاعد حضور "البعد الإنسانيّ والنّفسيّ" في تمثيل فلسطين، حيث أصبحت الرّموز (مثل المفتاح، الشّجرة، البيت) أدوات مركزيّة لاستعادة الهويّة ومقاومة النّسيان.

9. أنَّ الرّواية العربيّة غير الفلسطينية أسهمت في "تحويل فلسطين من موضوع سياسيّ إلى قضية إنسانيّة كونيّة"، تتجاوز حدود الجغرافيا لتعبّر عن معاناة الإنسان في سياقات القهر والاقتلاع.

10. أنَّ المخيال الروائيّ العربيّ غير الفلسطينيّ يعكس "تفاعلًا بين الوعي الجمعيّ والرّؤى الفرديّة"، إذ يجمع بين البعد القوميّ العام والّتجارب الذّاتية المتباينة للكتّاب.

11. أنَّ تطوّر الأدوات الفنية (كالرمزيّة، التخييل التّاريخي، وتقنيات الذّاكرة) أسهم في "تعميق البنية الجمالية للنّص الروائيّ"، وجعل من الرواية فضاءً لإعادة إنتاج التّاريخ لا مجرد توثيقه.

12. خلصت الدّراسة إلى أنَّ فلسطين تشكّل وجع الرّوائي العربي، ومؤشّر الاطمئنان الوجدانيّ له. وأنّها رغم التّقلبات السياسيّة عبر العقود لم تتحوّل إلى ذاكرة، بل استمرّت ملهمة. ولم تعثر الدّراسة على فلسطين كأرض لا مساحة لها، لكن وجدتها أرض كلّ إنسان مسلوب الأرض.

قائمة المراجع:

أولاً: المراجع العربية:

– الأرناؤوط، خالد. (1996). الرواية العربية والقومية. بيروت: دار الفارابي.
– بركات، حليم. (1979). عودة الطّائر إلى البحر. بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية.
– حبيبي، زياد. (2012). في تمثيل الهزيمة والرمزية. دبي: دار الكلمة.
– حنا، جورج. (1959). لاجئة. القاهرة: الشركة العربية للطباعة.
– خليفة، سامي. (2018). الأدب العربي والتمثيل الرمزي للقضايا الكبرى. عمان: دار الفكر العربي، ص. 88.
– خليفة، سحر. (1976). الصّبار. بيروت: دار الآداب.
– خوري، إلياس. (1998). باب الشّمس. بيروت: دار الآداب.
– دراج، فيصل. (2010). القضية الفلسطينية في الأدب العربي المعاصر. بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ص. 112، 128.
– الزبيدي، وسن عبد المنعم ياسين. (2017). «المخيال في النقد العربي: مفهومه وتمثلاته». المجلة العربية للثقافة، المجلد 34، العدد 63، الصفحات 491-529.
– سعيد، إدوارد. (1993). الثّقافة والإمبريالية. بيروت: دار الآداب.
– سلمان، علي. (1995). الرمز والسرد: دراسة في الرواية العربية. عمّان: دار الجامعة، ص. 154، 208.
– السيد، حسين. (2003). الأدب العربي وقضية فلسطين. القاهرة: دار الفكر العربي، ص. 33، 45.
– السيد، حسين. (2003). الأدب العربي وقضية فلسطين. القاهرة: دار الفكر العربي.
– شرف، جميل. (2001). الأدب والتمثيل التاريخي. القاهرة: دار الهلال، ص. 67.
– صفا، رائد. (2005). السرد العربي والرمز بعد 1967. بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.
–  اشور، رضوى (2010). الطنطورية. القاهرة: دار الشّروق.
– عبد اللطيف، محمد. (1988). السرد العربي وتحديث الواقع. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ص. 97، 121.
– العزاوي، سامي. (2008). المنفى والهوية في الأدب العربي. بغداد: دار المأمون.
– عسيران، ليلى. (1968). عصافير الفجر. بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر.
– عقرباوي، ثائرة. (2019). هاجر، فلسطين، الكويت؛ وبعد. قطر: دار فضاءات للنشر.
– قاسم، محمد. (2002). الخطاب السردي العربي وقضية فلسطين. القاهرة: دار النهضة العربية.
– الماحوزي، أحمد. (1999). الرواية العربية بعد النكبة. عمان: دار الآداب.
– المنصوري، ياسر. (1994). الذاكرة في الرواية العربية. تونس: دار النجمة.
– نصر الله، إبراهيم. (2007). زمن الخيول البيضاء. بيروت: الدار العربية للعلوم.

ثانياً: المراجع الأجنبية:

Bakhtin, M. (1981). The Dialogic Imagination: Four Essays. Austin: University of Texas Press.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى