بنيـــة الرّمـــز وإشكــالية الهــوية
د. نرمين مرعي - لبنان
المقدّمة:
لقد ارتبط الأدب بشكلٍ عام بالواقع السّياسيّ والاجتماعيّ، وكان في العديد من مراحله يواكب التّغيّرات السّياسيّة وآثارها الاجتماعيّة ويسايرها، حتّى بات من المؤكّد أن نقرأ بعضًا من واقع المجتمعات وأوضاعها الاجتماعيّة والفكريّة من خلال قراءتنا للنّتاجات الأدبيّة والشّعريّة في حقبةٍ ما. وقد تأثّر المجتمع العربيّ بالمتغيّرات السّياسيّة التّي طرأت على المنطقة وخاصةً بعد النّكبة والاتفاقيّات والهزيمة التّي حلّت بالجيوش العربيّة.
ولأنّ الأديب يبقى الصّوت الصّافي الذّي يصدح بأطوار الكفاح لا مردِّدًا أو محاكيًّا لما يجري في مجتمعٍ ما بل خالقًا أو هامسًا بما ينبغي أن يكون عليه هذا الواقع، لذلك رأينا الكثير من الشّعراء والأدباء قد حملوا راية الانتفاضة ووجّهوا أقلامهم سلاحًا يدافع عن القضية ويثأر للأرض المغتصبة؛ فالمتأمّل بكتابات هؤلاء، حينها، يكتشف أنّ أحدهم «مهما غالى في التّعبير بضمير المتكلم المفرد فإنّ هذا المتكلم المفرد هو في الحقيقة نموذج للفادي الذّي يموت فردًا ويُبْعَث أمّة».
وهذه هي وظيفة الأدب منذ سالف الزّمان، ففي العصر الجاهليّ «كان الشّعر عند الجاهليّين في خدمة المجتمع الصّغير، القبيلة. وإلى هذا يرجع الفرح العظيم بالشّاعر حين ينبغ في قبيلة» والمنافح عن شرف القبيلة وعزّها وظلّ الاعتداد بالأدباء قائمًا حتّى في العصر الحديث، لأهمية الأدب في نقل الصّورة الحيّة عن هذا المجتمع أو ذاك. والأديب يحيا ويعيش داخل المجتمع الكبير يتأثّر بكلّ ما يلحق به من نصرٍ وهزيمةٍ، فرح وشجَن، رقيّ وتخلّف، ازدهار ونكسة؛ فيأتي أدبه مرآة صادقة عن أحوال هذا المجتمع أو صرخة ناقدة يحاول من خلالها تحسين ما يراه وانتقاد ما يسخطه. ويرى كلود روشيه «كلّ ما في النّص إنّما يصدر عن فعل من أفعال المجتمع» . فالمجتمع سابقٌ في وجوده على العمل الأدبيّ، والمجتمع حاضر فيه، حيث نجد أثره ووصفه، وهو موجود أيضًا بعد العمل. والشّاعر يتأثّر بهذا المجتمع، ويعكس فهمه هو لهذا المجتمع؛ فالشّعر تصويرٌ لهذا الفهم «ففي الشّعر الاجتماعيّ يستجيب الشّاعر لسمات المجتمع، ويصبح قلبه مرآة تنعكس عليها خصائصه ومميّزاته».
وقد قدّم العديد من الشّعراء والأدباء العرب شعرًا تناول قضايا الأمّة العربيّة وحمل همومه، فهل مهمة الفن إلّا تغيير الواقع أو شرف الحلم بتغيير هذا الواقع؟ فكيف نقل الشّاعر والأديب باسل عبد العال في روايته «العائد إلى سيرته»، هذه الرّسالة وكيف صرخت حَنْجَرَتُه بأبجدية الصّمت آهة الرّفض وتنهيدة الاستنكار؟!
العتبات النّصيّة: قراءة في العنوان والغلاف
تتأسّس القراءة النّقديّة المعاصرة على تفكيك العتبات النّصيّة بوصفها مفاتيح أولى للولوج إلى العالم الدّلاليّ للعمل الأدبيّ، إذ لم يعد النّصّ يُقرأ بمعزل عن محيطه السّيميائيّ، بل في تفاعلٍ عضويّ مع علاماته الموازية. ومن هنا تبرز أهميّة العنوان والغلاف بوصفهما بنيتين دلاليّتين تؤسّسان أفق التّلقّي، وتوجّهان مسار القراءة منذ اللّحظة الأولى. فالعنوان ليس مجرّد تسمية خارجيّة، بل هو تكثيفٌ رمزيّ يُضمر رؤية العمل ويُلمّح إلى بنيته العميقة، في حين يشكّل الغلاف خطابًا بصريًّا موازياً، تتشابك فيه الألوان والأشكال لتوليد دلالات قد تسبق النّصّ أو تعيد تأويله.
وانطلاقًا من هذا المنظور، يصبح الوقوف عند هذه العتبات ضرورة نقديّة، لا سيّما في الأعمال الّتي تنفتح على أبعاد رمزيّة وتاريخيّة معقّدة، كما هو الحال في رواية “العائد إلى سيرته”، حيث يتداخل الذّاتيّ بالجمعيّ، ويتحوّل السّرد إلى فضاءٍ لإعادة بناء الهويّة واستحضار الذّاكرة. وعليه، تسعى هذه القراءة إلى استكشاف العلاقة الجدليّة بين العنوان والغلاف والمضمون، بوصفها ثلاثيّة إبداعيّة متكاملة، تتيح مقاربة النّصّ من زاوية سيميائيّة تكشف عن عمقه الرّمزيّ وتعدّد مستوياته الدّلاليّة.
وانطلاقًا من هذا التّصوّر، تطرح هذه الدّراسة إشكاليّةً مفادها: إلى أيّ حدّ يسهم العنوان والغلاف في بناء الدّلالة الرّوائيّة في “العائد إلى سيرته”، وكيف تتكشّف العلاقة بين هذه العتبات والمضمون السّرديّ في تشكيل رؤية العمل وهويّته؟
وتنبثق عن هذه الإشكاليّة جملة من الفرضيّات، لعلّ أبرزها أنّ العنوان لا يؤدّي وظيفةً تعريفيّةً فحسب، بل ينطوي على ديناميّة دلاليّة تُحيل إلى مفهوم العودة بوصفها فعلًا مستمرًّا ومتجدّدًا، في حين يقدّم الغلاف بنيةً بصريّةً رمزيّة تُجسّد تحوّلات الذّات عبر الأجيال، بما يعزّز القراءة التّأويليّة للنّصّ. كما تفترض الدّراسة وجود انسجامٍ عميق بين هذه العناصر الثّلاثة (العنوان، الغلاف، المضمون)، بحيث تتكامل فيما بينها لتشكّل خطابًا روائيًّا موحّدًا، رغم ما قد يبدو من تباعد ظاهريّ بينها.
ولمقاربة هذه الإشكاليّة، تعتمد الدّراسة المنهج السيميائيّ بوصفه أداةً لتحليل العلامات اللّغويّة والبصريّة، إلى جانب الاستئناس بالمنهج التّحليليّ الوصفيّ في تفكيك البنى الدّلاليّة داخل النّصّ، ورصد الحقول المعجميّة والرّموز الموظّفة فيه. ومن خلال هذا التّداخل المنهجيّ، تسعى هذه القراءة إلى الكشف عن الأبعاد العميقة الّتي تنسجها العتبات النّصيّة في تفاعلها مع المتن الرّوائيّ، وإبراز دورها في إنتاج المعنى وتوجيهه.
ينبغي الوقوفُ على عنوان الرّواية وغلافِها؛ لأنّ العنوان في المنظور السّيميائيّ النقديّ يُشكّلُ عتبةً، يَستشرفُ منها القارئُ آفاقَ الرّواية، ويبدأ منها فهمُ البناء الفنّيّ للعناصرِ الرّوائيّة، فالعنوانُ إطلالةٌ لغويّةٌ تختزلُ عصارةَ الرّسالة، أو الغاية الّتي تنطوي عليها أحداثُ الرّواية. ولأنّ الغلافَ صورةٌ بصريّة وعلامة سيميائيّة تتعالقُ حتمًا مع دلالةِ العنوان، وأيّ انفصالٍ بينهما يُفضي إلى خصام بينهما وبين مضمون الرّواية، فالعملُ الأدبيّ ثالوثٌ إبداعيّ يتكوّن من عنوانٍ وغلافٍ ومضمون.
واستئناسًا بما تقدّم، فإنّ « العائد إلى سيرته» رواية عبد العال الأولى الّتي تطالعك بغلافها الأزرق مع سنديانة تطل علينا بأوجه ثلاثة: أولها طاعن في السّن قد تخلى عن كلّ أوراقه وأصبحت أغصان رأسه عارية، أمّا الثّاني فهو أكثر شبابًا، يليه الأخير حيث نرى الأوراق الخضراء الّتي ما تزال نضرة فوق رأسه. هذه الوجوه الثّلاثة تنظر نحو البحر شامخة الرّأس، غير حانية تتشارك جذعًا واحدًا صامدًا في التّراب رغم اشتداد الرّياح. ولا تقف هذه الصّورة عند حدود التّمثيل البصريّ، بل تنفتح على أفق رمزيّ عميق، إذ تحيل هذه الوجوه إلى تعاقب الأجيال، وتحوّلات الذّات عبر الزّمن، من الشّيخوخة إلى النّضج ثمّ إلى البدايات المتجدّدة. أمّا السّنديانة، بما تحمله من دلالات الرّسوخ والتّجذّر، فتغدو صورةً للأرض والهويّة، الّتي تبقى ثابتة رغم تبدّل الوجوه وتقلّب الرّياح، وكأنّها تجسيد حيّ لذاكرة لا تذبل، وإن تعرّت بعض أغصانها. ويكتمل هذا البعد الدّلاليّ مع توجّه الوجوه نحو البحر، ذلك الفضاء المفتوح الّذي كثيرًا ما ارتبط في الأدب بمعاني الحنين، والعبور، والعودة المؤجّلة، فيتحوّل إلى أفقٍ بصريّ يستدعي الوطن الغائب، ويُغذّي حلم العودة الّذي لا ينطفئ. وهنا تتكثّف العلاقة بين عناصر الغلاف لتشكّل خطابًا بصريًّا متماسكًا، تتجاور فيه مفاهيم الصّمود، والاقتلاع، والانتظار، في توازٍ واضح مع ما ستفصح عنه الرّواية لاحقًا.
أمّا العنوان الّذي اختار له اسم الفاعل «العائد» ففيه من الدّلالات الكثير، فالعودة ليست حدثًا واقعًا انتهى بل هي حركة متجدّدة تتناقلها الأجيال، فاسم الفاعل الذّي يعرف بأنّه «صفةٌ تُؤخذ من الفعل المعلوم، لتدلّ على معنًى وقع من الموصوف بها أو قام به على وجه الحُدوث لا الثّبوت» وقد يكون ذلك بسبب وصفه لأشكال التّجدّد والصّفات التّفاعليّة التّي تتميّز برحلة العودة أو حلم العودة أو الأمل بالعودة. ومن هنا، تغدو العودة في هذا السّياق فعلاً مفتوحًا على الأزمنة، يتجاوز الفرد ليصير تجربةً جمعيّةً تتوارثها الذّاكرة، ويتغذّى من حلم لا ينفد، وأمل لا ينكسر.
هذه الصّورة ستقودنا إلى مضمون الرّواية الّتي يتقاسم بطولتها ثلاث شخصيات هي على التّوالي «العجوز عمود الخيمة، الرّجل الكهل كاتم الصّوت وابنه ابن كاتم الصّوت كما أسماهم الكاتب». وكأنّي أمام وصية أو رسالة يتوارثها الأجيال الثّلاثة من عجوز فكهل إلى طفلٍ يافع. في امتداد زمنيّ يعيد إنتاج الحكاية ذاتها، لكن بصيغٍ متجدّدة. فلا تعود الشّخصيّات مجرّد أفراد داخل حبكة، بل تتحوّل إلى رموز لمراحل وجوديّة، تحمل عبء الذاكرة، وتنقلها من جيل إلى آخر، في مواجهة النّسيان والاقتلاع.
جاء في الصّفحة الأولى تحت العنوان «العائد إلى سيرته»، أنّها رواية واقعيّة، ممّا يعني أنّ علينا الأخذ بعين الاعتبار هذا الأمر، غير أنّ هذه الواقعيّة لا تبدو تقريريّةً مباشرة، بل تتداخل مع أبعاد رمزيّة وتأويليّة تفتح النّصّ على أكثر من احتمال، فنسأل ترى هل هي سيرة أحد الشّخوص الثّلاثة التّي جاءت في رسمة الغلاف؟ أم أنّها سيرة الكاتب الذّاتية بما أنّ ضمير الأنا هو المتحدث في الرّواية؟ أم أنّها رواية كلّ الفلسطينيين تقال على لسان كاتبنا؟! وهكذا، تتعدّد مستويات القراءة، ويتحوّل العنوان والغلاف من مجرّد عتبتين نصيّتين إلى مفتاحين أساسيّين لفهم البنية الدّلاليّة للرّواية، واستكشاف أبعادها الوجوديّة والوطنيّة.
وانطلاقًا من هذا التّوازي الدّلاليّ بين العنوان والغلاف، حيث تتجسّد فكرة الامتداد الزّمنيّ وتعاقب الأجيال عبر صورة الوجوه الثّلاثة، ومن خلال مفهوم «العائد» بوصفه فعلاً متجدّدًا لا ينقطع، ينتقل النصّ من البعد البصريّ والرّمزيّ إلى مستوى بنيويّ أعمق، فهل يتجلّى هذا الامتداد نفسه في تقسيم الرّواية؟ وهل يعمد الكاتب، كما تشترك الوجوه الثّلاثة في جذعٍ واحد وتتوارث العودة جيلاً بعد جيل، إلى تشييد عمله على نسقٍ عدديّ ودلاليّ يُحيل إلى فكرة التّدرّج والنّموّ، بحيث لا يبدو البناء السّرديّ اعتباطيًّا، بل محكومًا بمنطق رمزيّ يوازي منطق العتبات النّصيّة ويعمّقه؟
بنية النّطق ورمزية الأعداد في تشكيل الهوية السّرديّة
يُعَدّ الرّمز من الوسائل الفنيّة المهمّة في الأدب، يعمد فيه الأديب إلى الإيحاء والتّلميح بدلًا من اللّجوء إلى المباشرة والتّصريح، فهو آلية للتّجاوز والاستحضار، تجاوز للواقع اللّغويّ الحاضر واستحضار للغائب الأدبيّ المُحْتَمَل، ويذهب إحسان عبّاس في توصيفه للرّمز على أنّه: «الدّلالة على ما وراء المعنى الظّاهر، مع اعتبار المعنى الظّاهر مقصودًا.» وإذا كانت العتبات النّصيّة، من عنوانٍ وغلاف، قد شكّلت مدخلًا أوليًّا لاستشراف الدّلالات، فإنّ الرّمز يغدو الأداة الأعمق الّتي تتكثّف فيها هذه الدّلالات وتتوسّع داخل المتن الرّوائيّ.
ويعني الرّمز اكتشاف تشابه بين شيئيْن اكتشافًا ذاتيًّا دون أن يشترط التّشابه الحسيّ بين الرّمز والمرموز، فالرّمز «بعد اقتطاعه من الواقع يغدو فكرة مجرّدة، ومن هنا لا يشترط التّرابط الحسيّ بين الرّمز والمرموز، فإنّ العبرة بالواقع المشترك المتشابه الذّي يجمع بينهما كما يحسّه الشّاعر والمتلقّي». فالأثر النّفسيّ والأدبيّ المشترك عند كلّ من الشّاعر والمتلقّي، إنّما هو تجل ٍلقصدية الرّمز المُتَجاوز للمعنى الإشاريّ، دون أن يلغيه، إلى المعنى الإيحائيّ الأدبيّ المُحْتَمَل. وقد أخذت رموز عديدة تشكّل معجمًا خاصًا ومشتركًا لأدباء الحداثة عامّة وأدباء فلسطين خاصّة، فما هي أهم الرّموز التّي اعتمد عليها عبد العال في بناء رؤيته الأدبيّة؟ وكيف استطاع أن يؤطّر لرمزيته بكلّ شفافيّة ورقيّ ودون تصنّع؟!
قسّم الكاتب عمله إلى تسعة فصول سمّى كلّ فصل بكلمة «النّطق»، فجاء النّطق الأوّل والثّاني، أمّا الأخير فأطلق عليه عنوان «النّطق الأخير»، وأتساءل: هل لهذا العدد رمز ما أيضًا؟ هل يدلّ على ولادةٍ جديدةٍ تعطي الفرد البطل حقّ الوجود والهويّة؟! هل تماثل عدد الأشهر الّتي يحتاجها الجنين لاستكمال نموّه ونضجه الكافي ليصرخ صرخة الحياة؟! أم أنّها تشير إلى كاتم الصّوت، الّذي بدأ نطقه يتحسّن في النّطق الثّالث، أي في سنّ الثلاثين، استنادًا إلى أنّ سنّ الرّشد والنّضج هو في العقد الثّالث؟
ولعلّ هذا التّقسيم لا يأتي اعتباطًا، بل يوحي بمسارٍ تصاعديّ يوازي تشكّل الذّات وتدرّجها من الصّمت إلى القول، ومن الكتمان إلى الإفصاح، بحيث يغدو «النّطق» فعلًا وجوديًّا يعبّر عن استعادة الهويّة بقدر ما يعبّر عن استعادة الصّوت. فهل يمكن أن نقرأ هذه «النّطقات» بوصفها مراحل عبور، ينتقل فيها البطل من حالة الضّياع إلى حالة الوعي، ومن التّشتّت إلى التّماسك، في مسار يشبّه إلى حدّ بعيد مسار الولادة الجديدة، لا بوصفها حدثًا بيولوجيًّا فحسب، بل بوصفها تشكّلًا رمزيًّا للانتماء والذّاكرة؟
كما تمرّ معنا أعدادٌ أخرى، فهل السّتّ والسّبعون غيمة الّتي مرّت على الخيمة هي نفسها سنوات النّكبة الّتي لحقت بالشّعب الفلسطينيّ المهجّر في مخيّم البارد (مكان يعيش فيه الكاتب اليوم)؟ وهل في هذا التّطابق العدديّ محاولة لإعادة ترميز التّاريخ داخل النّصّ، بحيث تتحوّل الأرقام إلى شواهد حيّة على زمنٍ لم ينقضِ بعد؟ وهل وفاة العجوز «عمود الخيمة» في عقده الثّمانين مرتبطة بعدد السّنين الّتي دامت فيها الحضارات اليهوديّة عبر التّاريخ، أم أنّها مجرّد مصادفة سرديّة تخفي وراءها قصدًا رمزيًّا أعمق؟
بل لعلّ هذه الأعداد، في مجملها، لا تؤدّي وظيفة إحصائيّة، وإنّما تنفتح على أفقٍ تأويليّ يجعل منها علامات دالّة على تشابك الزّمن الفرديّ بالزّمن الجمعيّ، حيث تتقاطع سيرة الفرد مع سيرة شعب، وتتداخل لحظة الميلاد مع لحظة الاقتلاع، فيتحوّل العدّ من مجرّد رقم إلى ذاكرة، ومن زمنٍ محسوب إلى زمنٍ معيش.
وهكذا، تتكاثر الأسئلة وتتشعّب، لتؤكّد أنّ البنية العدديّة في الرّواية ليست تفصيلًا عابرًا، بل عنصرًا دلاليًّا فاعلًا يستدعي القراءة والتّأويل. وهذه أسئلة أضعها بين يديّ القارئ، ليشارك في إنتاج المعنى، لا في تلقّيه فحسب.
يؤكّد عبد العال من خلال روايته على الهُويّة العربيّة والهُويّة التّراثيّة من خلال ما قدّمه من فصولٍ تدعم المقاومة وتدعو إلى الالتحام بالأرض، والصّمود، والتّمسّك بالتّراث والقوميّة العربيّة. ولا يقتصر هذا التّأكيد على مستوى المضمون فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى البنية العميقة للنّصّ، حيث تتحوّل هذه القيم إلى نسيجٍ داخليّ يحرّك السّرد ويوجّه دلالاته، فتغدو الرّواية مساحةً لاستعادة الهويّة لا بوصفها معطًى جاهزًا، بل بوصفها فعلًا مستمرًّا من التّذكّر والمقاومة.
وقد استخدم الرّموز المختلفة في صوره هذه، صور استمدّها من التّراث والأساطير؛ فجاءت هذه الرّموز محمّلة بطبقاتٍ دلاليّة تتجاوز ظاهرها إلى عمقٍ ثقافيّ وحضاريّ، بحيث لا تُقرأ بوصفها عناصر جماليّة فقط، بل بوصفها أدوات تأويليّة تعيد ربط الحاضر بالماضي، وتمنح التّجربة الفرديّة امتدادًا جمعيًّا. ومن هنا، فإنّ استدعاء التّراث لا يبدو حنينًا عابرًا، بل ضرورةً وجوديّة تُسهم في تثبيت الهويّة في مواجهة التّشظّي والاقتلاع.
وحيث يتصل المعجم اللّغوي للكاتب، عمومًا بما تراكم من ألفاظ الأمة على مرّ العصور، غير أنّه ينمّي مفرداته الخاصة تبعًا لتجربته، فضلًا عن تأثّره بالتّطوّرات الحضاريّة وتحصيله المُكْتَسَب. فإنّ هذا التّداخل بين الموروث والمكتسب يمنح لغته طابعًا مزدوجًا، يجمع بين الأصالة والتّجديد، ويجعلها قادرة على احتواء التّجربة في أبعادها المختلفة. وإنّ شيوع ألفاظ معيّنة في انتاجه يشير إلى تجربة خاصة تكوّنت لديه تحتاج إلى شبكة لفظيّة ذات دلالات معنويّة ونفسيّة تناسب هذه التّجربة وتعبّر عن تلك الحالة الانفعاليّة التّي تسيطر عليه، ثمّ إنّ إلحاح تلك الألفاظ واختيارها يؤكّد هذه الحالة التّي تضغط عليه ويكشف عن وعيٍ لغويّ يسعى إلى تطويع المفردة لخدمة الرّؤية لا العكس. ومن هنا كان هذا المثلث المعجميّ الذّي شكّل التّجربة الأدبيّة لدى عبد العال في حديثه عن العودة وأهمية التّمسّك، حيث تظهر لنا الحقول المعجمية التّالية: ثنائية الرّيح/ الطّبيعة البحريّة، وثنائية الذّاكرة/ النّسيان وثنائية الحلم/ اللّغة. ولا تبدو هذه الثّنائيّات مجرّد تقسيمات لغويّة، بل هي بنى دلاليّة تعكس صراعًا داخليًّا بين الثّبات والتّحوّل، بين الحضور والغياب، وبين ما يُراد حفظه وما يُخشى ضياعه، وهو ما يمنح النّصّ طاقته التّأويليّة وعمقه الإنسانيّ.
فنرى أنّه استخدم 370 مفردة تحضن الحقل المعجميّ للطّبيعة (70 %) تخصّ البحر ودلالاته، و352 مفردة للتّعبير عن النّطق، ثمّ 294 مفردة لوصف النّسيان/ الذّاكرة، فـ 212 للرّيح و131 كلمة للحلم. في حين لم ترد الخيمة إلّا 45 مرة. وفي تحليل هذه الأرقام تظهر الطّبيعة في طليعة الحقول ارتبط معظمها بالبحر كأنّه السّبيل الوحيد الّذي يمكن للكاتب من خلاله أن يصل إلى وطنه وهو في الغربة، أو كأنّه الجسر الخفيّ الّذي يصل بين المنفى والأصل. ولا يبدو هذا التّصدّر مجرّد صدفة إحصائيّة، بل هو اختيار دلاليّ واعٍ، يعكس مركزية البحر في تجربة الكاتب ووعيه. هذا البحر الذّي قد يحمل نقطة ماءٍ اختلطت بعرق ترابٍ فيتنشّق عبير الأرض الحبيبة لتحيي روحًا أتعبها الفراق. فيغدو بذلك وسيطًا حسّيًا ورمزيًّا في آنٍ واحد، يجمع بين المادّيّ والمتخيّل، بين الواقع والحنين. هو رمز الوطن، فالكاتب من عكّا، ونحن نعلم جيدًا علاقة أهل عكا ببحرهم فهو الرّئة الّتي كان يتنفس منها العكاويون، فهو مصدر رزقهم، ولعبهم وضحكاتهم، كاتم أسرارهم ومجمع شملهم، والأصل وراء حبّهم وفرحهم، ضحكهم ودموعهم. ومن هنا، لم يعد البحر مجرّد خلفيّة مكانيّة، بل تحوّل إلى كائن حيّ يشارك في بناء الدّلالة، ويحمل عبء الذّاكرة والحنين. فكان لا بدّ له أن يشيد مكان روايته على شاطئ بحرٍ يحضن أحلامه ويمسح آلامه وينمّي آماله.
أما النّطق، فالرّواية بكامل أحداثها تدور حوله، فكان لزامًا أن يستعين الكاتب بمفردات تغني معجمعه وتفيد معناه؛ بحيث يصبح اللّفظ ذاته جزءًا من تجربة التّشكّل والوعي. ومن تشابكه مع باقي الحقول الدّلالية، تظهر أمامنا الأسئلة التّالية: هل النّطق الأول هو تعلّم لسان أهل البلد والتّمسّك القوي بلهجاته؟ (حيث إنك إن دخلت إلى المخيمات الفلسطينيّة، ما ستلاحظه هو تمسّك أهله الشّديد بلهجة قراهم إضافة إلى اللهجة الفلسطينيّة الجامعة). وهل النّطق الثّاني هو حمل العادات والتقاليد وحفرها داخل الذّاكرة (أسماء الرّيح الّتي فصّلها وأودع لها مقطعًا كاملًا في الصّفحة رقم 21-22) مع حفظ أسمائهم وأسماء قراهم (أعيدوا إلينا سيرتنا كي نستعيد أسماءنا الأولى ص 20)؟ وهل يتمّ النّطق الثّالث بعد أن يتمّ الإنسان حمل الذّاكرة الحضارية بكلّ ما تحمله من مستويات لغوية وتاريخية، طعام وملبس، مساكن ودراسات (أهل الريح لهم عاداتهم في تمسّكهم بالثوب الّذي يميل إلى رائحة الأوراق المعلقة)؟! هذا التّعلم ينحتك حتى تصبح ناطقًا في المستوى الرّابع والخامس حيث تتعلّم المقاومة بالتّذكر والحلم لتنتشل بقوة الوجود والصّمود النّطق السادس نطق الحرية، الّذي لا يعود مجرّد قدرة على الكلام، بل يصبح إعلانًا عن الوجود وتمسّكًا بالهويّة في وجه الطّمس والنّسيان.!؟
توسيعًا لهذا التّمركز الهشّ للذّات في القول: «وأنا لم أكن سوى أنا.. كلامي المعلّق في الحنجرة، لا تعريف يدلّ عليّ سوى الرّمل، لا أعرف شيئًا عني سوى أني من أهل الريح (ص: 3)»، تتجلّى صورة الذّات بوصفها كائنًا معلّقًا بين النّفي والإثبات، بين ما يُقال وما يُحبس في الحنجرة. إنّها ذات لا تستند إلى هوية ثابتة، بل إلى عناصر الطّبيعة الأكثر زوالًا وتحوّلًا: الرّمل والرّيح، حيث يغدو الرّمل أثرًا للانمحاء، وتصبح الرّيح فضاءً للانتماء الملتبس.
ومن هنا ينتقل النّصّ إلى مفردة الرّيح الّتي لا تأتي بوصفها مجرد عنصر طبيعي، بل بوصفها علامة كبرى للانتماء الوجوديّ، إذ يجعل منها الكاتب هوية بديلة، فيغدو «من أهل الريح» كانت الرّيح منذ كلكامش، قوّة غيبية تقتلع مدناً برمّتها مرّة، أو تُجير عدلاً مهضوماً. فهي بهذا المعنى قوّة واعية، أو مدفوعة بقوّة واعية. لا تهبّ إلاّ في الملمّات الكبرى، أوحين يبلغ السّيل الزّبى. لكنْ مع خفوت الأساطير والاستيطان في المدن، لم تَعُدْ للرّيح تلك السّلطة الفيضانية الجائحة. بيد أنّ الاحتدامات السّياسيّة وركود الحياة في العالم العربيّ في الثّلث الأوّل من القرن الماضي، أعادت للرّياح بعض هيبة في الشّعر، وإنْ كانت هيبة رومانسيّة، فباتت رمزاً لقُوى غاشمة يتحدّاها الشّاعر، أو هي طاقات مخزونة في الشّاعر يفجّرها بوجه السّدود والحيلولات الّتي تقف في طريق تقدّمه. وهكذا لم تعد الرّيح مجرد ظاهرة كونيّة، بل تحوّلت إلى استعارة كثيفة للعنف والانبعاث والتّمرّد في آن.
من أهمّ هذه الدّلالات لمفردة الرّيح في النّصوص الأدبيّة هي العذاب، والدّمار، والخراب، والعقم، والجدب، وأحياناً الرّحمة والخير. هي معانٍ تتجاور وتتناقض في آن، وكأنّ الرّيح تختزن داخلها إمكان التّحوّل الدّائم بين الهدم والإنقاذ، بين الفقد والإغاثة، وهو ما يبرّر جمع الكاتب لهذه الدّلالات في لفظة واحدة هي «أهل الرّيح»، لتترجم هذا التّعدد الدّلاليّ والانفعاليّ في آنٍ.
من هنا أخذت الرّياح، سواء ببعدها الغيبيّ، أم ببعدها السّياسيّ، ثقلاً نوعيّاً وأهميّةً متفوقة ولو على درجات. وهي بهذه المثابة لا تختلف عن أيّة مادةٍ خام، تكمن أهميّتها في استعمالاتها المصنّعة بالدّرجة الأولى. وهنا يبرز السّؤال المركزي من هم أهل الرّيح؟ أهم أهل الضّياع المبعثرون في البلاد بعد أن طردوا من دياراهم؟ هل هي العدو الذّي أجبرهم على التّشرّد والتّرحال؟ أم أنّ الرّيح عند باسل عبد العال هي كلّ ما سبق، أي كيانٌ جامع للمنفى، والاقتلاع، والقوة، واللّااستقرار، بحيث تصبح الهوية نفسها مكوّنة من حركة لا تهدأ لا من ثبات يُعرّف؟
من يحارب الكاتب وماذا يحارب؟ الرّيح؟ النّسيان؟ الشّبح القادم؟ طمس الهوية؟ المدارس الّتي ألقت القضية عتب الظلمات؟ أم الدّول العربيّة الّتي أرى أنها تشبه الطّبيب عالم الآثار الّذي اغتنى من وراء قضية أهل الرّيح ولمّا وصل إلى ما وصل إليه نسيهم ولم يعد يأبه لهم؟ أم أنّ المعركة أوسع من ذلك كله، لتصبح مواجهة مع نظام كامل من التّواطؤ والصّمت والتّجاهل؟
فهل المقصود هي جامعة الدّول العربيّة التّي خذلت فلسطين، تلك البلاد الّتي لم يذكرها باسل، رغم أنّ كل حرف من روايته يصرخ صمتًا بأحرف اسمها، سوى تلميحًا حين قال: «الخريطة الكاملة من البحر إلى النّهر» ، وحين ذكر البرتقال. عدا ذلك، كانت الرّواية تنبض بالرّموز الفلسطينيّة الصّارخة، وكأنّ النّصّ بأكمله يُبنى على ذاكرة مستترة تُقاوم المحو من خلال الإيحاء لا التّصريح.
ومن بين هذه الرّموز، تبرز «السِّير المعلّقة على مِقصلة الخيمة»، والّتي وردت 45 مرة في السّياق، في إشارة كثيفة إلى سِير وذاكرة الآباء والأجداد، أبناء الشّعب الفلسطيني، وكأنّها ذاكرة معلّقة بين الحياة والموت، بين الحضور والغياب، لا تُدفن ولا تُستعاد كاملة.
فـ «مقصلة الخيمة» ليست مجرد تركيب لغويّ، بل هي صورة مكثفة للمأساة، حيث تتحوّل المقصلة، بوصفها آلة إعدام، إلى رمز للتّهجير والمذابح التّي لحقت بأبناء الشّعب الفلسطينيّ، وكأنّ الذّاكرة نفسها تُعلّق في فضاء مفتوح كي تبقى شاهدة على الفقد المستمر، وتظل ماثلة كي يتذكرها الجميع.
أمّا الزّهرة الحمراء المبلّلة بالدّمّ، فهي إحالة رمزيّة واضحة إلى زهرة الدّحنون الّتي تشتهر بها فلسطين، حيث تمتزج الطّبيعة بالدّم، والجمال بالمأساة، لتغدو الزّهرة نفسها شهادة على حياة تُكتب بالوجع.
ويأتي «الأثر المقدّس» و«الطّريق المقدّس» بوصفهما إشارة إلى فلسطين ذاتها، حيث يتحوّل المكان إلى قداسة، لا بمعناها الديّني فقط، بل بمعنى الامتداد التّاريخيّ والوجوديّ الذّي لا يُمحى رغم محاولات الطّمس.
أما «السّفينة المتحجّرة عند الشّاطئ»، فربما تحيل إلى سفن نقلت المهجرين من الوطن عند النّكبة إلى لبنان، لتصبح السّفينة هنا كائنًا متوقفًا في الزّمن، شاهدة على لحظة اقتلاع لا تنتهي آثارها.
ويبرز أيضًا رمز «الزّهايمر» أو «النّسيان الخبيث»، الّذي يُحيل إلى ما تزعمه إسرائيل من محوٍ تدريجيّ للذّاكرة الفلسطينّية، كأنّ النّسيان نفسه يصبح سياسة ممنهجة، تمارسها السّلطة عبر الزّمن، خصوصًا مع رحيل الجيل الأول وبداية تآكل الذّاكرة لدى الأبناء والأحفاد. وقد يكون ذاك سببا في أن الكاتب لم يستعن بالحقل المعجميّ للنّسيان قبل النّطق الخامس، أي العقد الخامس من عمره، حين تبدأ أيادي الزّمن بتشويه الذّاكرة وطمس الأحداث الماضية كأنّ الكتابة نفسها محاولة متأخرة لإنقاذ ما تبقى من الصّورة قبل انمحائها الكامل.
أما «سرير عمود الخيمة»، فقد يُقرأ بوصفه إشارة إلى غسان كنفاني ومجموعته «موت سرير رقم 12»، حيث يستدعي الكاتب هذا الأثر الأدبيّ ليضع “دواءً” لما أسماه المرض الخبيث، أي النّسيان، محيلًا القارئ إلى ضرورة العودة إلى الأدب الفلسطينيّ بوصفه فعل مقاومة، لا يقل أهمية عن الفعل السّياسيّ، من أجل إبقاء شعلة الذّاكرة متوهّجة لا تنطفئ.
الخاتمة:
في ختام هذا المسار النّقديّ، يتّضح أنّ رواية العائد إلى سيرته لا تُقرأ بوصفها حكاية فردٍ يعود إلى ماضٍ شخصيّ، بل بوصفها نصًّا مفتوحًا على جرحٍ جمعيّ تتداخل فيه الذّاكرة بالتّاريخ، والذّات بالوطن، والرّمز بالفعل المقاوم. لقد بدا أنّ كلّ العناصر الّتي اشتغل عليها الكاتب، من العنوان والغلاف إلى النّطق والرّيح والبحر، ليست سوى دوائر متراكبة لإنتاج معنى واحد يتكثّف في سؤال الهوية: كيف يُستعاد ما يُراد له أن يُمحى؟ وكيف يُقال ما يصرّ العالم على تحويله إلى صمت؟
وهكذا، فإنّ ما بدأ في المقدّمة بوصفه سؤالًا عن علاقة الأدب بالواقع، وعن قدرة النّصّ على أن يكون مرآةً أو صرخةً أو موقفًا، ينتهي إلى يقينٍ نقديّ مفاده أنّ الأدب هنا لا يكتفي بتمثيل الواقع، بل يعيد صياغته داخل شبكة كثيفة من الرّموز الّتي تجعل من الكتابة شكلًا من أشكال المقاومة الرّمزيّة ضد النّسيان، وضدّ التّشظّي، وضدّ محاولات طمس الذّاكرة الجمعيّة.
وإذا كانت الرّواية قد انطلقت من عتباتٍ تُوحي بالعودة، فإنّها في عمقها تُحوّل هذه العودة إلى مشروعٍ غير مكتمل، عودةٍ تتأرجح بين الممكن والمستحيل، بين ما يمكن استعادته وما يظلّ معلقًا في الحنجرة كما قال النّصّ نفسه. فالرّيح ليست مجرد استعارة، بل هي فضاء وجوديّ للمنفيّين، والنّطق ليس مجرد تقسيم سرديّ، بل هو سيرورة تشكّل الهوية، والذّاكرة ليست ماضياً يُستدعى، بل صراعٌ دائم مع قوى المحو.
ومن هنا، يمكن القول إنّ الرواية تفتح أفقًا تأويليًّا يتجاوز حدودها النّصّيّة، لتغدو شهادة أدبيّة على زمنٍ عربيّ مثقل بالهزائم والتّحوّلات، وفي الوقت نفسه محاولة لإعادة بناء المعنى من داخل الرّكام. فهي لا تقدّم إجابات بقدر ما تزرع أسئلتها في وعي القارئ، وتدعوه إلى أن يكون شريكًا في إنتاج الدّلالة لا متلقّيًا لها.
ويمكن في الختام أن نعيد فتح أفق الإشكال بدل إغلاقه، إذ تظلّ الرواية، بما تحمله من كثافة رمزيّة وتداخل بين الذّاتيّ والجمعيّ، نصًّا يتهرّب من التّحديد النّهائي ّبقدر ما يدفع القارئ إلى إعادة مساءلته. فهل يمكن اعتبار العائد إلى سيرته سيرةً فردية تبحث عن اكتمال ذاتها، أم أنّها سيرة جمعيّة لأمةٍ تعيد كتابة جرحها عبر الرّموز والذّاكرة؟ وهل تمثّل العودة في النّصّ فعلًا ممكن التّحقّق، أم أنّها تتحوّل إلى وعدٍ مؤجّل يتجدّد مع كلّ قراءة دون أن يكتمل؟ وأخيرًا، إلى أيّ حدّ يستطيع الأدب أن يظلّ مساحةً لمقاومة النّسيان، حين يصبح النّسيان نفسه بنيةً سياسيّة وثقافيّة ممتدّة في الواقع والتّاريخ معًا؟.
المصادر والمراجع:
1- إحسان عبّاس، فن الشّعر، ط1، بيروت، دار صادر، 1996.
2- باسل عبد العال، العائد إلى سيرته، الأردن، دار الأهلية للنّشر والتّوزيع، 2023.
3- جان إيف تادييه، النّقد الأدبيّ الحديث في القرن العشرين، ت قاسم المقداد، ط1، دمشق، منشورات مؤسّسة الثّقافة، 1992.
4- زيتونة المنفى، لاط، لبنان، المؤسّسة العربيّة للدّراسات والنّشر ، 1997.
5- سعد اسماعيل شلبي، البيئة الأندلسيّة وأثرها في الشّعر: عصر ملوك الطّوائف، لاط، مصر، دار نهضة مصر للطّبع والنّشر، 1978.
6- محمّد فتوح أحمد، الرّمز والرّمزيّة في الشّعر المعاصر، ط 1، القاهرة، دار المعارف، 1977.
7- مصطفى الغلاييني، جامع الدّروس العربيّة، ط 1، المؤسّسة الحديثة للكتاب، لات.

