بنية «العودة الفلسطينية المتخيلة» في الرواية العربية المعاصرة
بنية «العودة الفلسطينية المتخيلة» في الرواية العربية المعاصرة (1967-2000)
دراسة تقابلية في ضوء المنهج البنيوي التكويني
(روايتي "عائد إلى حيفا" و"باب الشمس" أنموذجاً)
أولاً: الملخص
تستقصي هذه الدراسة تحولات بنية "العودة الفلسطينية" في المتخيل السردي العربي المعاصر خلال حقبة تاريخية مفصلية (1967-2000)، متخذةً من المنهج البنيوي التكويني أداةً إجرائية لفحص العلاقة بين جماليات النص والوعي الجماعي. تركز الدراسة على روايتي "عائد إلى حيفا" لغسان كنفاني و"باب الشمس" لإلياس خوري، لترصد انزياح مفهوم العودة من "الفعل المادي" المصطدم بوعي النكسة، إلى "الفعل الحكائي" المرمم للهوية في الشتات.
الكلمات المفتاحية: النكسة، الانتفاضة، حق العودة، الرواية الفلسطينية.
Abstract
This study examines the transformations of the structure of the "Palestinian Return" in the contemporary Arab narrative imagination during a pivotal historical period (1967-2000), employing the genetic structuralist approach as an operational tool to scrutinize the relationship between the aesthetics of the text and collective consciousness. The study focuses on two novels: Ghassan Kanafani’s "Return to Haifa" and Elias Khoury’s "Bab al-Shams", to trace the shift in the concept of return from a "material act" colliding with the consciousness of the setback (nakset 67), to a "narrative act" that reconstructs identity in diaspora.
Keywords: Naksa, Intifada, Right of Return, Palestinian Novel.
ثانياً: أهمية الموضوع
تنبثق أهمية هذه الدراسة من كونها:
تؤصل لمفهوم "العودة المتخيلة": بوصفه بنية مقاومة لا وهمية، محولةً المصطلح من سياقه السياسي الضيق إلى رحاب الفلسفة والجماليات السردية.
تجسد شمولية الرواية العربية: عبر تقديم قراءة تقابلية تجمع بين قلم فلسطيني (كنفاني) وقلم لبناني (خوري)، مما يؤكد وحدة "الرؤية للعالم" تجاه القضية المركزية.
ثالثاً: إشكاليات البحث
تتمحور الإشكالية المركزية حول السؤال الآتي: كيف تشكلت بنية "العودة المتخيلة" في الرواية العربية كبديل موضوعي لاستعصاء العودة الجغرافية؟
وينبثق عنها التساؤلات الآتية:
• كيف ساهمت نكسة 1967 في تحويل "العودة" من حنين رومانسي إلى "وعي نقدي" صادم يُعيد تعريف الهوية عند كنفاني؟
• إلى أي مدى نجح السرد الملحمي عند إلياس خوري في جعل "الحكاية" وطناً موازياً يحقق العودة الرمزية للاجئ في الشتات؟
• ما هي التحولات البنيوية التي طرأت على "رمزية العودة" بوصفها أداة لمواجهة السردية الصهيونية ومحاولات تغييب التاريخ؟
• رابعاً: فرضيات البحث
تتبنى الدراسة الفرضيات الآتية:
• إن "العودة المتخيلة" هي آلية دفاعية سردية نجحت في ترميم "الزمن المنكسر" للفلسطيني، محولةً إياه من "رقم" في سجلات اللجوء إلى "سيد" لحكايته وتاريخه.
• إن المكان في الرواية (حيفا/الكهف) تحول من حيز جغرافي إلى "بنية وجودية"؛ فالمكان عند كنفاني هو "مختبر للوعي"، وعند خوري هو "خزان للذاكرة".
• إن الرواية العربية استخدمت "حق العودة" كأيقونة رمزية لمواجهة "قانون العودة" الإسرائيلي، معلنةً انتصار "شرعية الذاكرة الحية" على "زيف الأوراق الرسمية".
المقدمة
تعد القضية الفلسطينية في جوهرها صراعاً مريراً على "الزمان" و"المكان"؛ صراعاً بين ذاكرة عصية على الانكسار وآلة محو استيطانية تسعى لتغييب الحقيقة التاريخية. ومنذ "النكبة" عام 1948، التي لم تكن مجرد اقتلاع ديموغرافي بل كانت زلزالاً وجودياً، تمثل العودة النواة الصلبة والمركز المغناطيسي الذي يدور حوله السرد الفلسطيني والعربي. فالحكاية الفلسطينية لم تبدأ من فراغ، بل ولدت من رحم الحاجة الماسة لتوثيق الحق في وجه الضياع، وتحويل "اللاجئ" من رقم في سجلات الإغاثة إلى سيد لقصته وهويته.
إلا أن هذه البنية السردية لم تكن ساكنة، بل شهدت تحولات جذرية فرضتها المتغيرات التاريخية والسياسية العاصفة. ففي المرحلة الأولى التي تلت النكبة، غرق الأدب في فضاء الرثاء الرمزي والوعي العفوي الذي ينتظر معجزة العودة المادية، لكن انكسار حزيران 1967 أحدث خلخلة عنيفة في الوعي العربي العام والفلسطيني الخاص. لقد كانت النكسة هزة وعي أخرجت الرواية من حيز البكاء على الأطلال إلى فضاء النقد والمواجهة، حيث لم تعد العودة مجرد حنين رومانسي، بل أصبحت ضرورة معرفية لإعادة صياغة الهوية الفلسطينية في ظل الهزيمة.
من هنا، تبرز قيمة حق العودة ليس فقط كبند سياسي أو قانوني تكفله المواثيق الدولية، وعلى رأسها القرار 194، بل بوصفه مبدأً وجودياً ومحركاً جمالياً في الرواية العربية المعاصرة. لقد استطاع الأدب أن يحول حق العودة من شعار إلى بنية متخيلة سيادية، فالفلسطيني الذي استحال عليه العبور الفيزيائي عبر الأسلاك الشائكة، اخترع لغة العودة السردية ليستعيد مدنه وقراه المغيبة.
تأتي هذه الدراسة لتقارب المسافة الجمالية والمعرفية بين جيلين ورؤيتين ومرحلتين تاريخيتين؛ رؤية غسان كنفاني الذي قدم في "عائد إلى حيفا" (1969) عودةً تصادمية نقدية، ترفض الحنين السلبي وتُعيد تعريف الوطن بالحق والمستقبل والفعل المقاوم، ورؤية إلياس خوري في "باب الشمس" (1998) الذي صاغ عودةً ملحمية ممتدة عبر "الحكي" بوصفه آلية للترميم وبناء وطن موازٍ من الكلمات والذاكرة الشفوية في الشتات.
إن البحث في بنية العودة المتخيلة عبر هذين النموذجين هو في جوهره بحث في جدلية البقاء؛ فهو يستنطق كيفية استعادة المكان السليب عبر اللغة، ويحلل آليات تحويل الجغرافيا المسلوبة إلى بنية هوياتية عابرة للزمن، مؤكداً أن الرواية العربية كانت، ولا تزال، هي الحصن الأخير الذي يحمي حق العودة من التفتت، ويُبقي الجرح مفتوحاً على أمل الاستعادة، ويثبت أن الحكاية هي الوطن الذي لا يستطيع أحد احتلاله.
1- سوسيولوجيا النكسة وتحولات البنية السردية:
يرى غسان كنفاني أن الهزيمة أدت إلى تآكل البنى القديمة للوعي. حيث يقول على لسان سعيد: «أتعرفين ما هو الوطن يا صفية؟ الوطن هو ألا يحدث ذلك كله» . هذا الاقتباس يمثل جوهر الرؤية للعالم في المنهج البنيوي التكويني. إذ لم يعد الوطن جغرافيا موروثة، بل أصبح مسؤولية أخلاقية ونضالية. إن كنفاني هنا يُفكك بنية اللاجئ المستسلم ليخلق بنية الفدائي الواعي.
وتتجلى قمة الفهم البنيوي في مواجهة سعيد لابنه دوف الذي صار جندياً في جيش الاحتلال. هنا يطرح كنفاني إشكالية الهوية: هل هي بيولوجيا أم ممارسة؟ يقول سعيد مواجهاً دوف: «إن أكبر جريمة يمكن لأي إنسان أن يرتكبها، كائناً من كان، هي أن يعتقد ولو للحظة واحدة أن ضعف الآخرين وأخطاءهم هي التي تشكل حقه في الوجود على حسابهم» يحلل فيصل دراج هذا التحول في الوعي الكنفاني بقوله: «لقد انتقل كنفاني بالبطل من موقع الضحية التي تندب حظها إلى موقع المحاور الذي يُسائل التاريخ والعدو والذات في آن واحد».
أما في "باب الشمس" لإلياس خوري ننتقل من بنية الصدمة إلى بنية الملحمة. العودة هنا ليست فيزيائية بل هي عودة سردية تهدف إلى ترميم الوعي الجماعي الفلسطيني في الشتات اللبناني، حيث يصبح الحكي أداة بقاء بيولوجية وهوياتية. يعتمد إلياس خوري على تعدد الأصوات لجمع شظايا الهوية. يقول الراوي خليل ليونس الغائب عن الوعي: «أنا أحكي لك كي لا تموت، ولكيلا تموت الحكايات التي تجعلنا بشراً» . يحلل شاكر النابلسي هذه البنية بقوله: «خوري لا يؤرخ لفلسطين بقدر ما يرمم إنسانها عبر لغة شهرزادية ترفض النهاية، لأن النهاية تعني الفناء التاريخي» . العودة في "باب الشمس" هي استعادة للحق في رواية القصة، وهي بنية تكوينية تربط الفلسطيني بماضيه المذبوح وحاضره المشظى.
عند إجراء المقابلة النقدية بين النصين، نكتشف تحولات بنية العودة عبر ثلاثين عاماً من الصراع. فبينما يركز كنفاني على الوعي القائم بالمواجهة المباشرة: «أنا أبحث عن فلسطين الحقيقية، فلسطين التي هي أكثر من ذاكرة، أكثر من ريشة طاووس، أكثر من ولد، أكثر من خراب يافا» ، نجد أن إلياس خوري يذهب نحو الوعي الممكن عبر تخليد التفاصيل الهامشية: «فلسطين ليست خارطة، إنها رائحة الخبز في القرى التي مُحيت من الوجود».
كما تؤكد المقاربة التقابلية أن الرواية العربية انتقلت من مرحلة تفسير الهزيمة كبنية صادمة (كنفاني)، إلى مرحلة مواجهة المحو كبنية ملحمية ممتدة (خوري). يقول إدوارد سعيد في تعليقه على هذا المسار السردي: «إن الرواية الفلسطينية هي التي منحت الشعب المطرود حق الوجود في الوعي العالمي قبل أن يحصل عليه في الواقع السياسي» .
2- التحولات البنيوية لمفهوم العودة (1967 - 2000)
لم يكن مفهوم العودة في الرواية العربية مجرد تكرار لموضوعة واحدة، بل هو بنية ديناميكية تطورت بتطور الصراع. ويمكن تقسيم هذا التحول بنيوياً إلى ثلاث محطات مركزية تترجم الرؤية للإنسان العربي والفلسطيني:
أ. مرحلة الحنين والوعي العفوي: العودة بوصفها "معجزة" (ما قبل 1967)
في هذه المرحلة، كانت العودة في الرواية تتسم بالبراءة الرومانسية، حيث يُنظر إلى الأرض المفقودة بوصفها فردوساً سُلِب في لحظة غفلة، وأن استعادته ستتم عبر تدخل قدري أو معجزة سياسية. اتسمت هذه المرحلة بما يسميه "لوسيان غولدمان" الوعي القائم، وهو وعي محبوس في عاطفة الحنين المكان في الرواية هنا ساكن، واللاجئ هو كائن ينتظر على أعتاب التاريخ.
كما كانت الشخصيات الروائية في هذه الحقبة ترتكن إلى مفتاح الدار كرمز مادي وحيد للعودة، دون طرح تساؤلات حول طبيعة التغير الذي طرأ على المكان أو الهوية. يقول الناقد فيصل دراج في توصيف هذا الوعي: «كانت العودة في الأدب المبكر نوعاً من الاستغراق في الرثاء، حيث يتماهى الوطن مع صورة الأم أو الحبيبة المفقودة، ويغيب الفعل النضالي لصالح البكائية التي لا تنتج حلاً».
ب. مرحلة الوعي النقدي: العودة بوصفها "مواجهة" (كنفاني نموذجاً - ما بعد 1967)
بعد زلزال النكسة، حدث تحول بنيوي خطير، فقد تحطم الوعي الرومانسي أمام صدمة الواقع. العودة هنا لم تعد حلماً بل صارت اختباراً قاسياً للذات وللقضية. وهنا ننتقل إلى الوعي الممكن في رواية "عائد إلى حيفا"، إذ تتحول العودة من رحلة استعادة للماضي إلى رحلة اكتشاف للمستقبل. كنفاني يطرح فكرة ثورية: العودة ليست استرجاعاً للجدران، بل هي استرجاع للإنسان.
الصدمة التي تلقاها سعيد حين وجد بيته مسكوناً وابنه خلدون صار صهيونياً كانت ضرورة نقدية لتفكيك مفهوم "الوطن/الذكرى". يقول كنفاني معيداً تعريف العودة: «إنني أعرفها يا صفية، حيفا هذه، ولكنها لا تعرفنا. العودة ليست رحلة إلى الوراء، إنها اكتشاف لخطئنا الكبير» . هنا تصبح العودة فعل رفض للواقع المهزوم وبحثاً عن هوية مقاتلة.
ج. مرحلة الملحمة والترميم: العودة بوصفها "طقساً سردياً" (إلياس خوري)
مع استطالة أمد الشتات وتراكم الانكسارات (اجتياح بيروت 1982، صبرا وشاتيلا...)، تحول مفهوم العودة إلى بنية ملحمية. لم تعد العودة رحلة نحو الداخل الجغرافي (كما عند كنفاني)، بل صارت ترميماً للداخل النفسي والذاكرة المشتتة.
العودة في "باب الشمس" هي بنية الاستمرار الثقافي. الحكاية هنا هي التي تحقق العودة. وبما أن الجغرافيا مغلقة، فإن اللغة تصبح هي الأرض البديلة. هذا ما يسمى في المنهج البنيوي بـتجاوز الفرد لنفسه عبر الانصهار في الذاكرة الجماعية.
هكذا تصبح العودة طقساً يومياً؛ فاللاجئ يعود إلى قريته المدمرة (الكويكات أو دير الأسد) في كل مرة يحكي فيها قصتها. يقول إلياس خوري موضحاً هذه البنية الملحمية: «نحن نعود لأننا نحكي، الحكاية هي بيتنا الوحيد الذي لا يستطيع الجندي أن يطرنا منه» . ويؤيد إدوارد سعيد هذا التحول بقوله: «إن السرد في "باب الشمس" هو استعادة سيادية للأرض عبر المتخيل، حيث تتحول الذاكرة الشفوية إلى وثيقة ملكية أبدية لا تقبل المصادرة».
3- رمزية "حق العودة" وصناعة المتخيل المقاوم
لم يعد حق العودة في الرواية العربية المعاصرة مجرد مطلب قانوني يستند إلى القرار الأممي رقم 194، بل استحال في البنية التكوينية للسرد العربي إلى رمزية وجودية تختزل الصراع الكوني بين الضحية والجلاد، وبين الذاكرة والمحو.
أ. تحول "العودة" إلى بنية رمزية جامعة:
في المنهج البنيوي التكويني، يمثل الرمز تكثيفاً لـرؤية العالم. لقد تحول حق العودة في الرواية من فعل فيزيائي إلى هوية قتالية. ففي عائد إلى حيفا، لم يعد الحق هو البيت بل الإرادة. يقول كنفاني بصياغته الرمزية المدوية: «إنني أبحث عن فلسطين الحقيقية، فلسطين التي هي أكثر من ذاكرة، أكثر من ريشة طاووس، أكثر من ولد.. إنها السلاح».
هنا تتحول العودة إلى رمز لمواجهة الزيف الصهيوني. الاحتلال يحاول سرقة "المكان"، والرواية تستعيده بـ "الرمز". إن رمزية العودة هنا هي التي تمنح الفلسطيني شرعية الوجود في مواجهة احتلال إحلالي يسعى لإلغائه من الزمان والمكان معاً.
ب. المفتاح" و"الخارطة": سيميائية الرفض في مواجهة الاحتلال:
استخدمت الرواية العربية رموزاً مادية لتحويل حق العودة إلى عقيدة بصرية وسردية. المفتاح الذي يظهر في ثنايا الروايات ليس مجرد أداة لفتح باب، بل هو بنية رمزية للحق الذي لا يموت بالتقادم. في باب الشمس، نجد أن إلياس خوري يرفع من شأن الرمزية ليجعل من الحكاية ذاتها هي المفتاح. يقول يونس لنهيلة في الكهف: «فلسطين ليست خارطة معلقة على الحائط، إنها نحن حين نرفض أن ننسى».
الاحتلال الإسرائيلي يراهن على موت الكبار ونسيان الصغار، لكن رمزية العودة في الرواية تجعل الصغار أكثر تشبثاً بالرمز من آبائهم، لأن الرمز في الأدب لا يشيخ. يحلل إدوارد سعيد هذه القوة الرمزية بقوله: «إن حق العودة هو النقطة المركزية التي تمنع الرواية الفلسطينية من التلاشي؛ إنه الرمز الذي يحول الشتات من تشرذم إلى وحدة مصير في مواجهة آلة المحو الإسرائيلية».
ج. المواجهة الرمزية: العودة مقابل الاستيطان:
نستنبط من التحليل التقابلي أن الرواية العربية خلقت بنية مضادة لـقانون العودة الصهيوني. فبينما يمنح الاحتلال حقاً متخيلاً لأشخاص لم يطأوا الأرض قط، تؤكد الرواية العربية (كنفاني وخوري) على شرعية الذاكرة الحية.
العودة هنا هي الرمز الذي يفضح عقم المستوطن. ففي عائد إلى حيفا، يكتشف سعيد أن المستوطنة ميريام لا تملك جذوراً في البيت، بل تملك أوراقاً رسمية فقط. أما هو، فيملك الرمز والذكريات التي تنبض بها الجدران. يقول فيصل دراج في هذا السياق: «إن رمزية العودة في الرواية هي السلاح الذي يواجه به الفلسطيني الاقتلاع الاستيطاني؛ فهي تعيد تعريف المكان بوصفه رحماً للفلسطيني ومختبراً للمستوطن».
4- سوسيولوجيا المتخيل وأثر "بنية العودة" في صياغة الوعي الجمعي
لا يمكن حصر قيمة العودة المتخيلة في أبعادها الجمالية الصرفة، بل إن قيمتها الحقيقية تكمن في قدرتها على إحداث "تماثل بنيوي بين بنية النص الأدبي وبنية الطموحات الجماعية للشعب الفلسطيني. إن هذا المبحث يستقصي كيف استطاعت الرواية (كنفاني وخوري) أن تتحول إلى "خزان إيديولوجي ومعرفي" يغذي الوعي المقاوم ويمنع تآكل الهوية أمام صيرورة الزمن الاستعماري.
أ. الرواية بوصفها "مختبراً للوعي الممكن":
يؤكد لوسيان غولدمان أن العمل الأدبي العظيم هو الذي يعبر عن أقصى درجات الوعي الممكن للجماعة . وفي هذا السياق، لم تكن رحلة سعيد في حيفا مجرد مغامرة فردية، بل كانت مختبراً سوسيولوجياً وضع فيه كنفاني جيل اللجوء أمام مرآة الحقيقة.
لقد نقلت الرواية الوعي الفلسطيني من بنية الانتظار إلى بنية الفعل. إن الصدمة التي أحدثها النص في وجدان القارئ العربي عام 1969 كانت ضرورية لتهيئة المناخ النفسي لولادة "الفدائي". فالتحول الذي طرأ على شخصية سعيد في نهاية الرواية هو تمثيل رمزي لتحول الوعي من جيل النكبة إلى جيل الثورة، حيث يقول كنفاني: «كنت أظن أن الوطن هو الماضي، فإذا بي أكتشف أنه المستقبل، وأنه يُصنع بالبنادق لا بالدموع» وبذلك، فإن العودة المتخيلة هنا لم تكن هروباً، بل كانت هندسة اجتماعية لبناء إنسان جديد يرفض الهزيمة.
في الصدد نفسه يواجه الوجود الفلسطيني ما يسميه علماء الاجتماع المحو الثقافي الذي يحاول استبدال الجغرافيا العربية بجغرافيا صهيونية متخيلة. هنا، برز دور إلياس خوري في "باب الشمس" كباحث سوسيولوجي في ثوب روائي. فعبر تجميع آلاف الحكايات المبعثرة، قام خوري بعملية تأميم للذاكرة الجماعية".
إن العودة المتخيلة في "باب الشمس" هي عودة سيادية؛ فكل اسم قرية (الكويكات، دير الأسد، شعب) وكل تفصيل في نمط الحياة اليومية، هو بمثابة مسمار يُدق في نعش النسيان. يحلل شاكر النابلسي هذه البنية بقوله: «إن خوري لا يكتب رواية، بل يعيد بناء "أرشيف وطني" يتحدى سياسة المحو الإسرائيلية عبر لغة لا تقبل التفاوض على المسميات الأولى».
ب. التماثل بين السرد والواقع (الانتفاضة كتحقق للمتخيل):
نلاحظ أن الوعي الذي زرعته العودة المتخيلة هو الذي أثمر الانتفاضة الأولى وانتفاضة الأقصى. إن الشاب الفلسطيني الذي واجه الدبابة بالحجر هو الابن الشرعي لبنية الوعي التي صاغها كنفاني في خالد.
العودة المتخيلة منحت هؤلاء الشباب خريطة ذهنية لفلسطين التي لم يروها، وهي عودة بالوعي سبقت العودة بالجسد. يرى إدوارد سعيد أن هذا النوع من السرد هو الذي خلق الجغرافيا البديلة قائلاً: «إن المقاومة الفلسطينية استمدت شرعيتها من قدرة الأدب على إبقاء فكرة العودة حية كاحتمال تاريخي لا كمجرد سراب أدبي» . وبذلك، فإن الرواية لم تكن تصف الواقع، بل كانت تستشرفه وتصنعه.
لقد استطاعت الرواية العربية أن تُدوّل مفهوم العودة عبر الرمز والجمال. فحين يقرأ القارئ العالمي مأساة يونس أو صدمة سعيد، فإنه ينحاز للعودة كـقيمة إنسانية. يحلل فيصل دراج هذا التحول العالمي للرمزية الفلسطينية بقوله: «إن العودة في الرواية العربية انتقلت من كونها صرخة لاجئ لتصبح ميثاقاً إنسانياً ضد الظلم العالمي، وهذا هو الانتصار الأكبر للمتخيل السردي».
العودة المتخيلة هنا تكسر العزلة الثقافية للاجئ؛ فهي تحول قضية مجموعة من المطرودين إلى قضية الإنسان في مواجهة القوة الغاشمة، منتصرة لمنطق الحق الجمالي والأخلاقي، وهو الدور الأسمى للنقد البنيوي التكويني في كشف كيف يصبح العمل الأدبي ضميراً جمعياً وميثاقاً وطنياً غير مكتوب.
5- آليات بناء "الواقع الموازي" في المتخيل السردي
في هذا القسم التطبيقي، ننتقل من التنظير السوسيولوجي إلى فحص "الميكانيزمات" الفنية التي استخدمها كنفاني وخوري لبناء بنية العودة، وذلك عبر ثلاث مستويات تطبيقية:
أ. تطويع الزمن (العودة بوصفها انتصاراً على التقادم):
في رواية عائد إلى حيفا، يطبق كنفاني آلية الزمن المتداخل؛ حيث لا يسير الوقت خطياً، بل ينكسر عند لحظة 1948. مثلًا حين دخل سعيد منزله القديم، لم يره بعين 1967، بل استعاد صورة المزهرية والستائر كما كانت قبل عشرين عاماً، معلقاً في ذهنه: «كل شيء كما كان.. إلا نحن، نحن الذين تغيرنا» . إن العودة المتخيلة هنا هي تجميد للزمن الفلسطيني في مواجهة الزمن الصهيوني. كنفاني يثبت تطبيقياً أن الذاكرة أقوى من التغيير المادي؛ وهذا التشبث بالصورة الأولى هو ما يسميه غولدمان التماسك البنيوي للرؤية للعالم. إن الفلسطيني يعود متخيلاً ليملأ الفجوة الزمنية، وبذلك يسلب الاحتلال قدرته على فرض الأمر الواقع.
ب. سيميائية الجسد (العودة عبر الالتحام الحيوي):
في رواية باب الشمس، نجد تطبيقاً لافتاً لفكرة "الجسد/ الوطن". فعودة يونس المستمرة إلى نهيلة في الكهف هي عودة متخيلة وفيزيائية في آن واحد؛ فنهيلة هنا هي جغرافيا الجليل الممنوعة. يطبق خوري هنا مفهوم تجسيد الحق، فالالتقاء الجسدي هو فعل عودة يُكسر فيه قرار التقسيم. يصف خوري هذا الالتصاق بالأرض عبر الجسد قائلاً: «كانت نهيلة هي الأرض، وكان يونس يدخل فيها ليختبئ من غبار اللجوء» . هذا التطبيق يقلب معادلة اللجوء عبر الأبناء الذين يولدون في الداخل وهم أبناء لاجئ، مما يخلق بنية وجودية تتحدى الفناء والتقادم التاريخي.
ج. لغة الاستعادة (تسمية المكان كفعل تحرر):
تطبق الروايتان إستراتيجية "التسمية" لمواجهة "العبرنة".
في "باب الشمس"، يصر خليل على ذكر أسماء القرى بتفاصيلها (شعب، الكويكات، البروة...)، وهي تسميات يطبق فيها خوري مفهوم الأرشفة السردية التي يحللها شاكر النابلسي بوصفها «مقاومة بالكلمات لإثبات ملكية المكان» . إن ذكر الاسم هو فعل عودة؛ فالمكان الذي يُسمى عربياً هو مكان محرر في وعي القارئ. وفي "عائد إلى حيفا"، يرفض سعيد المسميات الجديدة، متمسكاً بالهوية اللغوية للمدينة: «هذه حيفا التي نعرفها، لا الأسماء التي وضعوها فوق جثث شوارعنا». اللغة هنا خالقة للواقع، وتضمن بقاء الخارطة العربية مرسومة فوق الخريطة الصهيونية في ذهن الأجيال.
بالتطبيق المقارن، نجد أن كنفاني اشتغل على عودة الوعي عبر صدمة المكان، بينما اشتغل خوري على عودة الذاكرة عبر تخليد الزمان. يرى فيصل دراج أن هذا التماثل هو الذي صان الهوية الفلسطينية من التذويب. والنتيجة أن الرواية العربية نجحت في تحويل فلسطين من أرض مفقودة إلى يقين سردي، وهذا هو التجسيد الأسمى لـلوعي الممكن الذي لا يرضى بأقل من الاستعادة الشاملة.
– الخاتمة:
في ختام هذه الدراسة التي قاربت بنية العودة الفلسطينية المتخيلة في الرواية العربية المعاصرة بين عامي (1967-2000)، من خلال نموذجي "عائد إلى حيفا" لغسان كنفاني و"باب الشمس" لإلياس خوري، يمكن استخلاص النتائج الآتية:
التحول البنيوي للوعي: أثبت البحث، عبر المنهج البنيوي التكويني، أن الرواية العربية انتقلت من "وعي الصدمة" المباشر بعد نكسة حزيران، والذي تجسد في نقد الذات وتفكيك مفهوم الوطن القديم (كنفاني)، إلى "وعي الملحمة" الذي يسعى لترميم الهوية الجماعية عبر استنطاق الذاكرة الشفوية (خوري).
المكان من الجغرافيا إلى الرمز: خلصت الدراسة إلى أن العودة في المتخيل الروائي لم تعد مجرد حركة فيزيائية نحو أرض مفقودة، بل تحولت إلى بنية هوياتية عابرة للزمن. فحيفا عند كنفاني أصبحت "موقفاً وفعل إرادة"، والكهف (باب الشمس) عند خوري أصبح حيزاً وجودياً تتحقق فيه العودة عبر الحكاية.
أنسنة القضية وترميم الشتات: نجحت الرواية العربية في تحويل القضية الفلسطينية من موضوع سياسي جاف إلى تجربة إنسانية ثرية. فبينما ركز كنفاني على البطل الرمز الذي يولد من رحم المواجهة، ركز خوري على الإنسان الهش الذي يقاوم الفناء بالذاكرة، مما جعل الرواية خزاناً للهوية يحميها من محاولات المحو الصهيوني.
النتائج والتوصيات:
لقد توصل البحث إلى أن الرواية العربية نجحت في تحرير مصطلح العودة من حصره في الفعل الفيزيائي (العبور)، وصاغت بدلاً عنه بنية سيادية سردية. هذه البنية جعلت من العودة حالة وعي دائم يعيشها الفلسطيني، مما أفشل مراهنة الاحتلال على عامل الزمن في تآكل الحق.
كما كشفت الدراسة عن تحول بنيوي في الرؤية للعالم؛ حيث انتقل المكان (حيفا/الكهف) من كونه مكاناً للبكاء والذاكرة الساكنة إلى حيّز لإنتاج الهوية. فالمكان في الرواية لم يعد مجرد مسرح للأحداث، بل أصبح شخصية نقدية تُسائل اللاجئ وتدفعه لتغيير أدواته لمواجهة الواقع.
وقد أثبت التحليل التطبيقي أن بنية الحكي عند إلياس خوري وبنية الصدمة عند كنفاني عملتا كآلية تأميم للذاكرة الجماعية والنتيجة هي صياغة وطن سردي محمول لا يخضع لقوانين الحدود أو المصادرات، مما حوّل الرواية إلى مرجع هوياتي يتفوق في ديمومته على الوثائق السياسية الهشة.
وأخيرًا خلص البحث إلى أن العودة المتخيلة كانت هي الوقود السوسيولوجي للانتفاضات الفلسطينية. فالرواية لم تكن مرآة للواقع بقدر ما كانت "قوة استشرافية"؛ حيث صاغت ملامح الإنسان المقاوم (خالد/يونس) قبل أن يظهر بكثافة في الميادين، مما يؤكد تماثل بنية النص مع بنية الطموح الجماعي. وأظهرت النتائج أن تحويل العودة إلى بنية جمالية عابرة للحدود قد ساهم في أنسنة المطلب السياسي. فالرواية نقلت حق العودة من كونه "قضية حدود" إلى كونه قضية وجود أخلاقية يفهمها القارئ العالمي، مما منح القضية الفلسطينية عمقاً إنسانياً كونياً يحميها من التشويه الإعلامي والسياسي.
توصي الدراسة بضرورة تجاوز القراءات النقدية التي تفصل بين شكل النص الروائي وبين سياقه الاجتماعي التاريخي. إن القضية الفلسطينية، بطبيعتها الوجودية، تفرض على الناقد استخدام مناج رصينة (مثل البنيوية التكوينية) القادرة على كشف كيف تتحول التحولات الكبرى في الواقع (النكبة، النكسة، الانتفاضة) إلى تقنيات سردية وبنى جمالية، بدلاً من الاكتفاء بالتحليل اللساني الصرف أو العرض السطحي للمضامين.
وتدعو الدراسة النقاد والباحثين إلى قراءة الأدب الفلسطيني كمنجز إنساني وجمالي عالمي، بعيداً عن حصر الرواية في قوالب أيديولوجية جاهزة أو شعارات سياسية مباشرة قد تُفقد النص قيمته الفنية. فالأدب يخدم القضية بـجمالياته وبقدرته على النفاذ إلى عمق المأساة البشرية، وهو ما يضمن له البقاء والتأثير عابراً للحدود والثقافات.
وأيضًا ضرورة استثمار الرواية العربية بوصفها خزاناً للهوية ووثيقة تاريخية بديلة. ويجب العمل على مشاريع نقدية ترصد جغرافيا المكان السليب في الرواية، لضمان أن تظل الأسماء والقرى والتفاصيل الإنسانية حية في ذاكرة الأجيال كفعل مقاوم ضد آليات المحو والنسيان.
أخيرًا وبناءً على تجربة "باب الشمس"، توصي الدراسة بالاهتمام بالدراسات التي تبحث في العلاقة بين الذاكرة الشفوية والبناء الروائي، وتشجيع الباحثين على استقصاء كيف يمكن للحكاية أن تتحقق كوطن موازٍ في الفضاءات الرقمية الجديدة، وكيف يمكن لهذه العودة المتخيلة أن تتحول إلى قوة ناعمة في المحافل الدولية.
قائمة المصادر والمراجع
أولاً: المصادر (المتون الروائية)
خوري، إلياس. (1998). باب الشمس (ط. 1). بيروت، لبنان: دار الآداب.
كنفاني، غسان. (2013). عائد إلى حيفا (ط. 1). قبرص: منشورات الرمال.
ثانياً: المراجع العربية والمعربة
• دراج، فيصل. (2002). ذاكرة المغلوبين: الهزيمة والصهيونة في الخطاب الثقافي الفلسطيني (ط. 1). الدار البيضاء، المغرب: المركز الثقافي العربي.
• رضوى، عاشور. (1977). الطريق إلى الخيمة الأخرى: دراسة في أعمال غسان كنفاني. (ط. 1) بيروت، لبنان: دار الآداب.
• سعيد، إدوارد. (1994). الثقافة والإمبريالية (تر.كمال أبو ديب، ط. 1). بيروت، لبنان: دار الآداب.
• غولدمان، لوسيان. (1993). المنهج البنيوي التكويني في نقد الأدب (تر. محمد سبيلا، لا.ط). بيروت، لبنان: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر.
• مرتضى، فيصل. (2003). فلسطين في الرواية العربية المعاصرة. (لا.ط) دمشق، سوريا: منشورات اتحاد الكتاب العرب.
• النابلسي، شاكر. (2005). مجنون التراب: دراسة في روايات إلياس خوري (ط. 1). بيروت، لبنان: المؤسسة العربية للدراسات والنشر.
• وادي، فاروق. (1981). ثلاث علامات في الرواية الفلسطينية: جبرا إبراهيم جبرا، غسان كنفاني، إميل حبيبي. (ط. 1) بيروت، لبنان: المؤسسة العربية للدراسات والنشر.
