انتصار الكتابة للمهمش في السرد التونسي
فقدت الساحة الأدبية والثقافية في اليوم الرابع من حزيران 2025 عن عمر ناهز 75 عاما أيقونة من أيقونات الثقافة العربية عامة والتونسية خاصة، الروائي والقاص والناقد حسونة المصباحي الذي قرأت له وأنا لازلت طالبا في الجامعة مقالات عديدة في مجلات عربية فوجدت فيها حس الناقد المالك للرؤية الثاقبة والبصيرة المتقدة وهو يطالع المتون المختلفة في السرد العربي، فكان لقائي الأول بحسونة المصباحي عبر بوابة النقد المتناثر في مجلات هنا وهناك ثم ازدادت علاقتي به أكبر عبر روايته الأولى هلوسات ترشيش التي أصدرها سنة 1995، فعرفت حينها أنني أمام روائي مخضرم ناضج التجربة اتخذ من واقعه مجالا لاختبار تفكيره ومعركة خاضها من أجل الانتصار للمهمش في الواقع التونسي، فأعادني إلى تجارب نجيب محفوظ وحنا مينة ويوسف إدريس في عالمنا العربي وإلى تشيكوف وتولستوي في الأدب الروسي وبلزاك وزولا وهوجو في الأدب الفرنسي، فكانت هلوسات ترشيش نافذة فتحت من خلالها عيناي على الأدب التونسي بعدما كات الصلة به قاصرة على مدونة الشعر من بوابة الشابي فقط، لكنها إعادة مختلفة من حيث البناء السردي لا تعيد اجترار الأنساق السردية المألوفة، في اتجاه تجريب روائي جديد يتسم بالانفتاح ويُضَفِّرُ الأجناس ويركبها تركيبا جماليا في معماره السردي.
لقد كان لانفتاح حسونة المصباحي على الثقافة الغربية منذ وقت مبكر خاصة الثقافة الألمانية، حيث قضى في ميونيخ أزيد من عشرين عاما قبل العودة إلى تونس ليستقر بمسقط رأسه قرية"الذهيبات"سنة 2004 في ريف مدينة العلاء بمحافظة القيروان أثر كبير على تكوين شخصيته الأدبية والإنسانية وكان اطلاعه الواسع على الأدب الفرنسي في الجامعة التونسية طريقا فتح مداركه على الأدب الغربي بشكل عام، ما أسهم إيجابا في إنضاج وعيه السردي الذي أفرز منتجا متنوعا تراوح بين النص الروائي والقصصي وأدب الرحلات والمذكرات والسير الذاتية والترجمات، وكانت"هلوسات ترشيش"بوابة حقيقية فتحت أماه حسونة المصباحي أفق الكتابة الروائية بغير انقطاع بعد مراكمته لقراءات كثيرة استغرقت أزيد من أربعين عاما لتثمر نصا روائيا فاز بجائزة Toucan لأفضل كتاب للعام 2000 في ميونيخ، مثلما أثمرت قبلها بعشر سنوات مجموعته القصصية الأولى ـ باكورة أعماله ـ"حكاية جنون ابنة عمي هنية"1985 التي التقط شخوصها من عالم الريف الذي ولد فيه سنة 1950، فكانت هذه المجموعة توثيقا للمهمش من الواقع التونسي والمغيب في الكتابة القصصية التي ركزت اهتمامها على الفضاء المتحضر وهي المجموعة التي تحصلت على جائوة وزارة الثقافة التونسية سنة 1986 وتوالى منتجه السردي القصصي في الغرباء والسلحفاة سنة 1997 التي صدرت عن دار جلجامش في باريس وقد ترجمت قصة السلحفاة في هذه المجموعة إلى الانجليزية ونشرت في مجلة بانيبال وتم اختيارالمجموعة ضمن أفضل خمس مجموعات قصصية في جائزة كين للأدب الإفريقي، وكتب مجموعة"الأميرة الزرقاء"2006 و"محنة الأمير عزيز وحكايات أخرى"2021 وفي باب السير ألف"ذهب العصر: سير لشعراء ومختارات من القرن العشرين"1998 وفي الرواية ألف"الآخرون"و"وداعا روزالي"2001 و"نوارة الدفلى"2004 و"لا حداد على أمي أو حكاية تونسية"2008 و"رماد الحياة"2011 و"يتيم الدهر"2012 و"أشواك وياسمين"2015 و"محن تونسية"2018 ولا نسبح في النهر مرتين"2020 و"على أرصفة الشتات"2022 وروايته التي كان منكبا على إكمالها رغم الداء العضال وهي:"يوم موت سالمة"التي أتمها في فاتح ماي 2025، ولم تقتصر كتابات حسونة على الرواية التي أبدع فيها وخاض فيها بحس التجريب خوض السارد المتمرس والمتمرد،مثمرة حصوله على جائزة محمد زفزاف للرواية العربية عام 2016 فكتب في أدب الرحلة"كتاب التيه"دون فيه نصوصا عن بلدان ومدن زارها وفي"الرحلة المغربية 2022 لقاءات ثقافية وأحاديث عن شخصيات ومدن وأماكن عديدة زارها في المغرب وفي السيرة كتب"رحلة في زمن بورقيبة" 2012 وفي مجال الدراسات كتب"تجليات بورخيس"2021 و"أنوار الثقافة العربية"و"إشراقات الثقافة الغربية"2022، وكتب في أدب اليوميات"يوميات ميونيخ 2001 ـ 2004" سنة 2008 و "يوميات الحمامات" أما في مجال الترجمة فقد نقل إلى العربية من الفرنسية"أصوات مراكش"لإلياس كانيتي و"قصص للأطفال"ل"جاك بيير"و"الحب هو البراءة الأبدية"منتخبات من الشعر العالمي وترجم عن الألمانية"رسائل إلى صديقة من البندقية"للشاعر الألماني راينار ماريا ريلكه وترجم عن الفرنسية"حكايات ونصوص من أجل اللاشيء"لصموئيل بيكيت.
لقد ظل حسونة المصباحي كاتبا أصيلا على الرغم من عيشه خارج تونس لسنوات طوال بحكم عمله كمراسل ومتعاون حر منذ مطلع الثمانينيات مع الصحف والمجلات المهاجرة مثل الوطن العربي والدستور ومجلة المجلة والشرق الأوسط وكل العرب وعمل في سكرتيريا التحرير بمجلة"فكر وفن"التي كانت تصدر باللغة العربية في"ميونيخ"ورغم ذلك فإن فكره ظل مرتبطا بأرض وطنه التي ظل يستوحي منها مواضيع رواياته وقصصه ويومياته ورحلاته كما استوحاها من المناطق التي زارها وتشكلت في وجدانه، فكان تمرده على الأنساق السائدة في الرواية العربية واضحا في كل عمل قدمه جاعلا منه نصا مفتوحا عابرا للأجناس ينأى عن التقييد بالجاهز ما منح نصوصه تفردا جماليا دون أن يهتم بالحبكة التي أعلن كثيرا أنها ليست ضرورية في تشييد العلم الروائي؛ إن ما كان يهم حسونة المصباحي هو الكتابة عن المهمش والضائع في الكتابة الروائية والقصصية في تونس، مؤمنا أن الكتابة يجب ألا تنفصل عن الواقع والحياة والبيئة لأن أجمل ما كتب في التاريخ الإبداعي كان شديد الصلة بالمهمش والمنسي وبعالم الظل والشقاء الإنساني، من هنا انبثقت رؤية حسونة للسرد المفتوح مهتما بالتفاصيل النفسية والاجتماعية للشخوص الملتقطة من الهامش الاجتماعي، فكانت موضوعاته نابعة من عمق البيئة التونسية ومن الهامش الريفي الضيق الذي ظل بعيدا عن المفكرة السردية التونسية.
إن القارئ العربي ينعي اليوم رمزا من رموز الثقافة العربية التي اتسمت بجرأتها في التجريب واختراق الأنساق الجاهزة والانتقال بين ضفاف الكتابة تجنبا للرتابة التي قد تصيب الكاتب نتيجة التزامه بجنس وحيد والتعبيرعن مواقفها النقدية حول الثقافة والسياسة في البلاد العربية بكل حمية وصدق وجرأة واستقلالية، رمز ثقافي وصرح منيف في الرواية العربية التي ظل يتنفسها إلى آخر رمق من حياته في مدينة الحمامات التي تغنى به في"يوميات الحمامات"، تفتقده الساحة الأدبية جسدا دون الروح التي ستظل سابحة في رواياته وقصصه ورحلاته ومذكراته.
