السرديات المضادة والبحث عن الهوية تحت وطأة الإبادة
السرديات المضادة والبحث عن الهوية تحت وطأة الإبادة "قناع بلون السماء" نموذجًا
تسعى هذه المقالة إلى استجلاء دور الرواية كسردية مضادة في مقاومة الإمبريالية الاستعمارية، وهو الدور الذي لعبته الرواية منذ نشأتها، فلم تقف عند رصد التحولات الاجتماعية والسياسية في المجتمعات المنتجَة فيها، وإنما قامت بدور إيجابي في مقاومة آليات المستعمِر ضد الشعوب المقهورة / المستعمَرة، لمحو هويتها، واستبدال هوية تتفق مع أيديولوجيا المستعمِر، عبر وسائل كاللغة وطمس التراث الثقافي والمادي، وعلى النقيض تمامًا قدمت الرواية سردية مضادة، تهدف أول ما تهدف إلى تفكيك المرويات الزائفة، والاعتداد بالهوية الوطنية، والتمسّك بكل ما يُحافِظ على الموروث الثقافي. وتتخذ المقالة من رواية "قناع بلون السماء" لباسم خندقجي نموذجًا لاختبار الافتراضات النظرية التي وضعتها كآلية للاختبار، والرواية موضع البحث - على نحو ما هو مفترض - سعى مؤلفها إلى كشف سياسة الإبادة التي قامت بها الآليات الصهيونية بغرض محو الهوية الفلسطينية، والتأكيد على الهوية الوطنية، عبر اعتماده على بعض الآليات الكتابية التي اعتمدها المؤلف في بناء مرويته، كالميتا سردية، والاقناع وتفعيل الذاكرة الجمعيّة، وهو ما جعل من نصه نموذجًا للمقاومة بدءًا من كتابتها تحت وطأة الأسر والاعتقال، وما تعرض له من إذلال وقهر، ثمّ ما قدمه من تمثيلات تُحافظ على الذاكرة الجمعيّة وتنشيطها بتخليد أسماء الأماكن والأحياء القديمة التي سعت الإمبريالية لطمسها بتهويدها، وتغيير هويتها وجغرافيتها بأسماء بديلة.
مقدمة
لم تكن الرواية مجرد فضاء اجتماعيّ يعكس علاقات بين البشر محكومين بأماكن وأزمنة مختلفة وفقط، وإنما لعبت دورًا مهمًا على مستوى العلاقة الإشكاليّة بين المُستعمِر والمُستعمَر في الوقت ذاته، بالنسبة للأول كانت (الرواية) بمثابة عُنصر إغراء للتوسعات أو (الفتح بالمفهوم الإمبريالي) التي لم يكن هدفها الأرباح والأمل بمزيد من الأرباح وفقط، بل كان ثمة التزام بهما (أيضًا) يتجاوز الربح ويربو عليه، التزام بتغذية خُلق قويم لرجال ونساء على تقبُّل مفهوم أن الأراضي القصيّة وسكّانها ينبغي أن يخضعوا، هذا من جهة، ومن جهة ثانية، العمل على "تغذية الطاقات الحواضرية وتجديد مخزونها إلى درجة تسمح لهؤلاء البشر المحتشمين بأن يفكّروا بالفضاء الإمبراطوري بوصفه واجبًا مديدًا، ميتافيزيقيا تقريبًا، للقيام بحكم شعوب خاضعة، أو أدنى مرتبة، أو أقل تقدمًا" .
وكتأكيد لحقيقة الإمبريالية وأهدافها، بعيدًا عن الشعارات (الزائفة) التي رُوّجت من قبل على أنها رديفٌ للتنوير والمدنيّة، بالانتقال بالشعوب الفقيرة (المغلوبة على أمرها بفعل حكّام استبداديين) من عصور الجهل والتخلّف إلى عصور العلم والتقدّم، فخلف هذه الشعارات البرّاقة تكمن حقيقة الإمبريالية المستترة؛ وقد سادت ثقافة التطلُّع إلى السيادة والسطوة والسيطرة بحكم التراتبية بين الأعراق التي كانت دافعًا للسياسات الإمبريالية في التوسّع وإخضاع الشعوب، من باب أفضلية الجنس الأبيض، وانتمائه إلى "العرق والحضارة المتفوقيْن"، وما ترتب على هذه التفوقيّة من منح الجنس الأبيض حقوقًا في مقابل واجبات صارمة يلتزم بها الجانب الضعيف / المستعمَر، للغالب المستعمِر، بحسب الداعيّة الفرنسي المدافع عن الاستعمار "جول هارمان" (1910) جاعلاً "المشروعية الأساسية للفتح والغلبة على شعوب أصلانيّة تكمن في الإيمان بتفوقيتنا، لا الآليّة والاقتصاديّة فحسب، بل الأخلاقيّة أيضًا (وهي ما تُحتم) أن نوجه بقية البشر ونقودهم، وما القوة المادية سوى وسيلة إلى تلك الغاية"، وبذلك تتضح معالم الأهداف الإمبريالية المستترة والمعلنة في آن واحد، فهي ليست "مجرد فعل بسيط من أفعال التراكم والاكتساب، إنما فعل معزّز مدعم من قبل تشكيلات عقائدية مهيبة تشمل مفاهيم فحواها أن البقاع والشعوب (العالم الثالث بالطبع ) تتطلب وتتضرع أن تخضع للسيطرة، وهو ما انعكس في صورة مفردات الثقافة الإمبريالية العريقة في القرن التاسع عشر التي حفلت بألفاظ وتصورات مثل: (دوني، أعراق تابعة محكومة، شعوب خاضعة، تبعية، توسع، سلطة)".
فعلى مستوى المُستعمِر، والدور الذي لعبته الرواية في التوسعات الاستعمارية يربط إدوارد سعيد بين الخطاب الروائي وتعزيز الرؤيا الإمبرياليّة، فيشير صراحة إلى التواطؤ بين نشأة الإمبراطورية الاستعماريّة وتطوّرها وتوسّعها، ونشأة الرواية الحديثة في الغرب واكتمال خصائصها الفنيّة، فالرواية (عنده) أكثر الأشكال الأدبيّة الجماليّة التي لم تُعبّر عن التوسعات الاستعمارية فحسب، وإنما ارتبطت بها؛ حيث يشتبك الخيال بالأيديولوجيا الإمبريالية حول الاستيطان والأرض والأهالي، فكما يقول: ".. إن القصص تكمن في اللباب مما يقوله المكتشفون والروائيون عن الأقاليم الغريبة في العالم"، وهو ما يكون بمثابة الحافز لـ(القوة أو السلطة - فوكو) في تمثيل (الآخر/ التابع - سبيفاك) العاجز عن تمثيل نفسه، والمتضرّع لأن يخضع للسيطرة (ريموند وليمز).
أهمية الرواية
نالت رواية الأسير الفلسطيني باسم خندقجي ❝قناع بلون السماء❞ (دار الآداب، 2023) جائزة البوكر العربية في دورة 2024، وقد سبق تتويجها بالبوكر احتفاء نقديًّا كبيرًا، لم يقتصر على قطر عربي دون الآخر، بل شمل جميع الأقطار، وعلى المستويات الرسمية (النقاد) كافة، وغير الرسمية (الجمهور/ القراء) حيث نالت الرواية تقيمات عالية على منصات التواصل الاجتماعي ومواقع القراءة.
يمكن تفسير أسباب هذا الاحتفاء الرسمي وغير الرسمي، أنه يرجع إلى عوامل سوسيوثقافية في المقام الأول، فحرب السابع من أكتوبر- التي انتهت بتوقع اتفاقية السلام بشرم الشيخ في 13 أكتوبر 2025 - كانت عاملاً جوهريًّا وراء الإقبال على قراءة هذه السردية التي كتبها أحد الواقعين عليه ظُلم الكيان كنوع من تأكيد الانتصار على جبروت المحتل، لا يقل أهمية عن انتصار المقاومة في السابع من أكتوبر، فمثلما حققت المقاومة انتصارًا على المحتل وكسرت أسطورة الجيش الذي لا يُقهر، وأكدت شرعية الأراضي الفلسطينية، وضرورة التشبث بها، فعلى الجانب الآخر فإن الرواية هي الأخرى كانت بمثابة انتصارًا للمؤلف الذي تحدى (وهو الأسير) القيود (أو الجدران) التي فرضتها الإمبريالية البغيضة عليه، واستطاع أن يقاوم الأخبية والسجن بالكتابة، وليست أي كتابة! بل كتابة في أصلها فضح للإمبريالية، ودحض لكافة ادعاءاتها في حق التملك، ومقاومتها للتهويد والتزييف وتغييب الحقائق، فمثلما كانت المقاومة صراعًا بين التشبث بالهوية وحق الحياة، ومحو الهوية والتشريد تارة والإبادة تارة ثانية، فإن الرواية في أحد جوانبها، هي أيضًا صراع بين الاستسلام والمقاومة؛ الاستسلام بالأمر الواقع ورضوخ البطل لأوامر السجان، والمقاومة بالكتابة، والتحرّر عبر أجنحة الكتابة والإبداع، وكذلك مقاومة التهويد بإعاد الأراضى لأصحابها، أو على الأقل إحياء ❝الذاكرة الجمعيّة❞ وتنشيطها بتخليد أسماء الأماكن والأحياء القديمة التي سعت الإمبريالية لطمسها بتهويدها، وتغيير هويتها وجغرافيتها بأسماء بديلة.
ثمة أهمية أخرى للرواية على الرغم من أن المؤلف كان أسيرًا خارجًا لتوه من سجون الاحتلال، فالمؤلف تجاوز سردية السجن والسجان ومعاناة الأسرى الفلسطينين في سجون الاحتلال، وهي سردية وحدها كفيلة بإنتاج سرديات كثيرة للكشف عن هذه المعاناة، وكيفية مقاومة الأسرى لسلطة السجان، على نحو ما فعل ناصر أبو سيف في "حكاية جدار" (دار الآداب، 2022) هنا عين المؤلف أو الراوي الضمني تتجاوز الهمّ الذاتي إلى الهمّ الجمعي، فالذات الفردية تندمج (و/أو تنصهر) في الذات الجمعيّة، فتغيب محنته الشخصية وما يعانيه، في مقابل أن تتصدر محنة وطنه الأسير في قبضة الاحتلال؛ لتكون في بؤرة العالم، فيتفاعل مع الخارج الفلسطيني، ويقدّم سردية تكشف عن معاناة الفلسطينين من جرّاء الكولونياليّة، ولا يقف على الحاضر حيث تهجير حي الشيخ جرّاح وفقط، وإنما يوغل في التاريخ ليكشف عن جرائم الاحتلال منذ أحداث النكبة (1948)، وعكس الخارجي على حساب الذاتي هو نوع من التسرية عن الذات بأن محنته/ الأسر، أقل بكثير من محنة بنى جلدته، الذين يعانون التنكيل اليومي في أعمالهم، والتشريد من بيوتهم، وطمس ملامح هويتهم بتهويد قراهم، وغيرها من وسائل يعمدها الاحتلال لتجريد الفلسطيني من هويته التي يتمسك بها بقوة واستماتة، وهنا الهمّ الذاتي/ الفردي يتوارى أمام الهمّ الجمعي. وهو ما يحسب للروائي.
كما إن شخصية مراد الأسير، وقدرته على الصمود ومقاومة السجن، والتي تتوازى بشكل أو بأخر مع صورة المؤلف الضمني (والحقيقي)، تبدو بمثابة طاقة أمل في المقاومة والصمود، ليس أمام غشامة العقاب والتنكيل، وإنما من خلال مقاومة أقبية السجن، وفتح نوافذ للحياة رغم سدّ طاقات النور، فمراد رغم كل الحصار المفروض عليه، إلا أنه كان رمزًا لمقاومة الإمبريالية بصور متعدّدة، فعلى المستوى الشخصي استطاع أن يواجه حديد المعتقل بإرادته الفولاذية، فالتحق ببرنامج البكالوريوس الخاص بالأسرى في سجون الاحتلال الصهيوني، ليتخرج حاملاً شهادة في العلوم السياسية، ألحقها بعد عدة سنوات بشهادة الماجستير في الدراسات الإسرائيلية من كلية الدراسات العليا التابعة لجامعة القدس" (الرواية: ص 24)، وكما إنه منهمك بإعداد دراسة بحثية حول "البنية الكولونيالية للنظام الصهيوني"، وكذلك بتأثيره في الآخرين، حيث كان بمثابة المحرّض لنور وهو في داخل السجن، بأن ينصرف عن اهتمامه بمريم المجدلية، وينهمك "بقضايا معاصرة بحاجة للبحث"، وأن يشبتك مع مُحدّدات الاحتلال السردية والفكرية.
المتيا سردية
تبدأ الرواية التي لا يتجاوز زمنها الروائي شهرًا، وإن كان زمنها الفعلي يمتد إلى أزمنة ما قبل النكبة، بل يوغل إلى أكثر من ذلك باستدعاء التاريخ والحروب والصراعات التي دارت على هذه الأرض (تحتمس الثالث / صلاح الدين / الحرب العالمية الثانية / نكبة 1948)، وما أظهره أصحاب الأرض من بسالة وصمود لهذه الجحافل التي جاءت غازية ومغتصبة للأرض؛ تبدأ الرواية بمغامرة شكلية، إذْ يُسجّل الراوي الأنا، الذي يعلن عن رغبته في كتابة رواية معارضة لمروية دان براون ❝شيفرة دافنشي❞ وما جاء فيها من أباطيل لقصة ❝مريم المجدليّة❞، في إشارة ذات مغزى إلى اختفاء الحقيقة وغيابها بسبب "الحضور الباهت وشبه المعدوم للمجدليّة في متون التاريخ الرسمي، والتاريخ المسكوت عنه أيضًا".
يسجّل الراوي أحداث النص المزمع كتابته في بطاقات صوتية عبر برنامج التسجيل الصوتي في هاتفه المحمول، وهي تقنية حديثة، لم تألفها الرواية العربية (حسب علمي) من قبل، وحضورها البازغ في النص يؤكد استجابة الخطاب الروائي للمتغيرات الحديثة، وقدرته على استيعاب التقنيات التكنولوجيّة التي تعكس سمة العصر الحديث ومنجزات ما بعد الحداثة، والأهم هو حُسْن توظيفها داخل متنه الروائي، ومن ناحية أخرى يشير إلى قدرة الرواية على استيعاب كافة الأشكال السّردية وغير السّردية في بنيتها، باعتبارها نصًّا مفتوحًا على كافة الأجناس الأدبيّة وغير الأدبيّة. فالراوي الأنا يبدأ مرويته وهو يُسجّل البطاقة الصوتيّة (رقم 12)، في إشارة دالة إلى أن ثمة بطاقات سابقة لهذه البطاقة.
محور البطاقة الصوتية، يشير إلى رغبة الراوي في أن يعيد كتابة التاريخ من جديد، بالأحرى إعادة تصحيح التاريخ، متخذًا من روايته المتخيّلة نموذجًا لكتابة سرديّة مضادة لـ "شيفرة دافنشي"، لبيان ما جاء فيها مِن مغالطات ومعلومات تاريخيّة خَاطئة، سردية مضادة تقوم بتفكيك المرويات الزائفة، وتبحث عن أصل الشخصية وعلاقتها بالشخصيات القريبة منها، ولا تتوقف المروية في بحثها عند حدود المرويات المسيحية لهذه الشخصية، وهل هي واحدة أم أكثر من مريم؟ كما تبحث في كتب التفاسير والآيات القرآنية التي ورد فيها اسم مريم المجدليّة، وهي حيلة ذكيّة اعتمدها الروائي، ليقوم - على الجانب الموازي أثناء بحثه وتنقيبه عن مكان الرواية الأصلي - بتسجيل وتوثيق أسماء القرى والمدن الفلسطينيّة المنكوبة التي هُجِّر أهلها، وتمّ تهويديها، وطمر معالمها وتغيير أسمائها، حتى تضيع من الذاكرة الجمعيّة للأجيال الجديدة، وهي سياسة إمبريالية تلعب على محو الذاكرة التاريخية والثقافية، واستبدالها بذاكرة من سردية المحتل أو الغاصب.
فالرواية بهذا المنحى وتلك الآلية تتحوّل إلى سردية مضادة لمحاولات طمس وتزييف الذاكرة الجمعيّة، بإعادة كتابة السردية الحقيقية وفقًا للتاريخ والشواهد والأدلة. وفي ضوء هذه المعارضة يسعى البطل / المؤلف إلى الانتصار لصورة مريم الأنثوية التي سعى تراث المسيحيّة الذكوريّة بقيادة بطرس الرسول إلى تشويهها، وهي الصورة التي ترسخت في العقلية الذكورية وصولاً إلى دان براون ومرويته، وتوازى نضال هذه المرأة في إثبات حقيقتها بعيدًا عن ركام التزييفات التي لاحقت صورتها، مع صورة أم صديقه مراد الأسير، وهي تجاهد في رحلة لا تقل معاناة للوصول إلى ابنها الأسير. وإن كان انسلّ الخيط الرابط فيما بعد من الراوي.
يخبرنا الراوي الأنا (العائد على نور بصفة مؤقته، ثم ينفصل - لاحقًا - إلى راوٍ عليمٍ يسرد أحداث الرواية بالتناوب بين سرده عن الرواية المتخيّلة والسرد المتنامي، موزعًا سرده على شخصيات الرواية: نور - أور، مراد، والد نور، أيالا، سماء إسماعيل) بتفاصيل روايته (المتخيّلة) المزمع كتابتها، والتي تكون بمثابة الواعز لما سيُقْدم عليه نور فيما بعد، وتساؤلاته المشروعة حول عمله من قبيل: كيف سأكتب الرواية؟ وما الأسلوب الذي سأعتمده؟ وكذلك أبطالها نسيم شاكر ومرام، وعلاقتهما ببعض وتحركاتهما في السرد، وكيف تولّد الصراع سواء على مستوى العلاقة بينهما "فهما صديقان منذ أيام الدراسة، لكن لم يتوحدا بزواج هانئ" هي تزوجت ثم انفصلت لتعود بعدها لنسيم شاكر، وكذلك عن الزمن التاريخي الذي ستدور فيه روايته المتخيلة "بعد صلب يسوع وظهوره الأول في رؤيا لمريم المجدلية".
مثلما يستعرض الراوي أحداث روايته المتخيلة، يستعرض علاقته بالأسير مراد المسجون في سجون الاحتلال، ويبدأ بالخيط الأول أمه في رحلة ذهابها إلى زيارته، فتكون بذلك واسطة العقد بينهما عبر الرسائل التي تنقلها منه - إليه والعكس، وصولاً إلى استحضاره كشخصية رئيسيّة في السرد عبر تقنية الحوارات التخيليّة من خلال التسجيلات الصوتية، والتي في معظمها انتقاد وتقويم لما يقوم به، وعبر علاقة نور بمراد تبدأ أزمة نور في الظهور تدريجيًّا في السّرد، وهي في المقام الأول أزمة هُويّة.
تبدو أزمة نور مع المكان / رام الله أزمة وجود، فهو يُعاني من تقييد حريته كلاجئ (بسبب الاحتلال) لا يشعر فيه بذاته، فقط ذكريات باهتة، صمت أبيه وموت أمه، فيه شعر باليتم، لم يلمس فيه أثر الأبوة إلا مرة واحدة عندما سُخِر منه في المدرسة بسبب شعره الطويل، فاصطحبه أبوه إلى المدرسة في اليوم التالي، مُهدّدًا ومتوعدًا المدير، بأن العقاب سيكون وخيمًا، إذا عاد ابنه إلى البيت مرة ثانية شاكيًّا باكيًّا.
تبدأ معالم شخصية بطل الرواية نور مهدي الشهدي تنفكّ، ومن ثمّ يكون هذا النثار السردي عن أزمته، وأزمة أبيه، وعلاقته بمراد بصديقه الأسير، تفسيرًا منطقيًّا للتحولات التي سيُقدم عليها فيما بعد. فهو ابن مخيم في رام الله يعيش فيه بلا ذكريات "ليس ثمة أنات وأنين وجعلكة فراش وحب وحنين، لا شيء هنا..." (ص: 72)، في رام الله لا توجد أقنعة كما لا توجد ملامح، فقط صمت أبيه الذي ورثه، وجرّاء أزمة أبيه وعدم حبّه للمكان حيث "لا حياة في رام الله" تتضاعف أزمته فهو كما يقول الراوي واصفًا علاقته بالمكان فهو فيه "نور أقل من إنسان وأكثر من كائن تهالكت هويته، وطوردت واصطيدت والتهمت" (ص: 73).
لا تبدأ حكايته مع جولاته في المخيم، أو حتى تفكيره في كتابة رواية، وإنما حكايته تبدأ وتتقاطع في نفس الوقت مع حكاية أبيه مهدي الشهدي؛ فالأب مناضل أُفرج عنه من سجون الاحتلال عام 1995، بعد أحداث أوسلو، خرج من السجن صامتًا وظنه مَن حوله أنْ "موازينه خفّت أو جُنّ"، ولكنه كان ساخطًا وناقمًا من تبدُّل الأوضاع، فصار في معسكر بمفرده بعد أن باعه رفاق الجهاد، وقبضوا الثمن بمغانم هزيلة، أما هو فقد اكتفى بعد سجنه حفاظًا على تاريخه الثوري والنضالي بعمل "قهوة وشاي" على عربة لائذًا بصمته وغموضه.
صورة الأب تجسيد لنوع بليغ من أوجه المقاومة؛ هو المقاومة بالصمت بعدما خذله الجميع وتخلّوا عن أسرته بعد سجنه، مقاومة تبدو استنكارًا من السنوات التي ضاعت هدرًا في غياهب المعتقلات، وخذلان أصدقائه ورفاق دربه في النضال والانتفاضة الذين انشغلوا بمناصبهم الجديدة بعد أكذوبة السّلام، ثم كانت ثالثة الأثافي في إجباره بعد الخروج على التوقيع على تعهُّد بنبذ العُنْف وعدم العودة لممارساته السّابقة من النضال، واحترام اتفاقية أوسلو. حالة من الهوان والتجريد مارستها السياسات الإمبرياليّة، أوصلت بطل الانتفاضة والمقاومة، لأن يشعر وكأنّه عائد من أهوال الجحيم، فأصيب "بالصمت الفادح والخسران الطافح". وبقدر ما بدت صورة الأب انهزامية، إلا أنها في المقابل كشفت عن معنى إيجابي على مستوى رسالة النص المضمرة؛ فصورة الأب المهزوم والمغدور كشفت عن أنانية الرفاق، وتكالبهم على المناصب، وبيع القضية، وهو ما يكشف من زواية أخرى عن الصراعات المستترة بين أفراد البيت الفلسطيني، الذي يجب أن يكون متضامنًا وهو يواجه عدوًا يتربص به، ويسعى إلى تفكيك وحدته، وتفتيت أرومته، بشق وحدة الصّف بمساومات ومكاسب وهميّة، وكأن هذه الصورة بمثابة تفكيك لرجال السلطة.
لعبة الأقنعة
نجح الراوي في إظهار حالة الانقسام التي ظهر عليها بطله نور، ليس فقط عبر قناع الشخصيتيْن النقيضتيْن في الاسم والهوية، حيث انقسام ذاته بين شخصيتيْ (وهويتي) نور الفلسطيني، وأور اليهودي بعد أن عثر على هويته في معطف اشتراه من يافا من باعة العاديات القديمة، وعبره يبدأ ما أسماها الولادة الحاسمة، وإنما أيضًا عبر قناع شخصيتيْن أخرييْن هما؛ مراد وسماء إسماعيل. فتبدو لي شخصية صديقه مراد المسجون صورة من صور انقسام ذات نور، فتحضر دائمًا شخصية مراد على الرغم من أنها غائبة خلف أسوار السجن، لتكون رمانة الميزان لنور، أو المرآة التي يقف أمامها ليقيّم تصرفاته، وأفعاله، فيدخلان معًا في حوارات متخيّلة، عبر تقنية التسجيلات التي يقوم بها نور لتدوين خططه من أجل الرواية التي يُحضّر لها، والرسائل الافتراضيّة التي يجيب عن كثير من أسئلتها نور.
فحضور مراد السجين الأسير في سجون الاحتلال يتجاوز حضور الصديق المفتقَد بسبب حبسه، وإنما هو حضور فاعل، ومؤثّر على كافة المستويات، فيحضر داخل الرواية عبر الرسائل، وعبر الحوارات المتخيّلة التي يتبادلها مع صديقه، وبالأفكار التي تتعلّق بالحياة اليوميّة وبمشاعر نور المتناقضة وآماله ومخاوفه، وكذلك أفكاره وآرؤه عن الاحتلال والكولونيالية؛ وعبر نصائحه لصديقه، بأن يهتم بقضايا معاصرة تتصل بأفعال الكولونيالية، من قبيل إخلاء بيوت الشيخ جرّاح، والحفريات المستمرة تحت المسجد الأقصى، وهي في الأصل شخصية مقاومة وعنيدة تسلحت بالكثير من أجل المقاومة، عبر الكتابة تارة، والقراءة تارة ثانية، خاصة الكتب التي يرسلها له نور، وهي جميعها تتصل بوسائل مقاومة الكولونيالية.
وتحضر كذلك ذات مراد عبر التساؤلات التي يطرحها عليه البطل نور، ردًّا على ما جاء في رسائله، (راجع ص: 25)، ولتأكيد هذا الحضور نراه يشعر بالانزعاج من ملاحظاته لعمله ففي أول تسجيل يعترف البطل هكذا: "لقد أزعجني مراد بسبب استخفافه بجهدي البحثي، أزعجني كثيرًا"، ومقولاته التي أشبه بالحكم على نحو: "السجن كثافة يا صديقي نور... السجن كثافة" (الرواية: ص 23)، وقوله ❝إن الكولونيالية تفاصيل صغيرة، إنها هوس السيطرة والتفاصيل الصغيرة التي تشيّد بنية شاملة متكاملة... تفاصيل معرفيّة وتاريخيّة وثقافيّة ونفسيّة... لهذا يجب أن نحاربها بالتفاصيل ذاتها ❞.
وأيضًا تتجلّى صورته عبر توجيه البطل ودفعه إلى البحث عن مسارات مختلفة عن تلك التي هو مقتنع بها، ويريدها، فها هو يخاطبه هكذا: "ويسرني أن أعلن، أيضًا، أنني عزمت على إحالة البحث إلى رواية سأزوّدك بفحواها، وتفاصيلها، كما إنني سأعتمد جزءًا من نصيحتك وعتابك، لهذا سيكون قسم من الرواية معاصر" (ص: 25) وأيضًا بالكتب التي يطلبها من صديقه، وهي تعكس شكلاً من أشكال مقاومته للسجان والاحتلال، وبحثه وهو داخل سجنه عن آليات لمقاومة الانتهاكات الإمبريالية، ومحاولات المحو والتهويد وسلب الأرض، فمعظم الكتب التي يطلبها من صديقه نور، هي عن مقاومة المحتل أيًّا كانت هويته، كما عبرت كتابات فرانز فانون "بشرة سوداء، أقنعة بيضاء"، و"الثقافة والإمبريالية" لإدوارد سعيد، و"دراسات ما بعد الكولونيالية" لبيل أشكروفت، ورواية "أولاد الغيتو: اسمي آدم" لإلياس خوري. وتكثيف هذا الحضور بهذه الطرائق يكشف عن معنى مضمر يقوّض آليات السجان في القمع والسحق للمسجون، فهذا الحضور البازغ نقيض لما يريده السجان بأدواته القهريّة من ضياع للشخصية، وخوف وتردد وانسحاب، وسحق للذات بصفة عامة.
الشخصية الثانية النقيضة لشخصية أور، تتجسّد في صورة سماء إسماعيل، فقد منحها المؤلف كل سمات الشخصية الإشكاليّة، يلتقيها أور في الكيبوتس بعد انضمامه لبعثة معهد أولبرايت لأبحاث الآثار للتنقيب عن الفيلق السادس الروماني إبّان صلب المسيح وثورة باكوخيا بين 130 - 136م. هي طالبة دراسات عُليا في حقل الآثار، فلسطينيّة من حيفا، تُشارك في أعمال التنقيب بهويتها الفلسطينية. سماء بمواقفها النقيضة وإصرارها على إعلان هويتها الفلسطينية، ورفضها الوجود الصهيوني، هي صورة أخرى لقناع نور حتى لا يتماهى أكثر مع شخصية أور، فهي دائمًا تتوازى مع صوت مراد، على أكثر من مستوى، أولاً، فلئن كان مراد رغم وجوده في السجن يقاوم الكولونياليّة، ويسعى لمحاولة تفكيك أسطورتها، وتزيفها للتاريخ، ولقد اتخذ أكثر من مسار لذلك سواء بدارسته التي تَسلّح بها وهو خلف القضبان، وقراءاته المتعمّقة في تاريخ الكولونيالية على نحو ما يظهر في استدعائه لكتابات تتصل بالكولونياليّة، وأيضًا في بحثه عن أصل الغيتو، فإن سماء إسماعيل تفكّك المزاعم الكولونياليّة على الأرض، وتخوض صراعًا مع الصهيونية أيالا بما تثيره من محاولات تشكيك في أحداث النكبة، والترويج للرواية الصهيونية المغايرة لحقيقة لما حدث في النكبة للقرى الفلسطينينة المغتصبة، التي تمّ تهجير أهلها قسرًا، ومحاولة الاحتلال إخفاء جرائمه بوجود زراعة الغابات فوقها لطمر الحقائق، وهو ما راحت نيكول الباحثة البلجيكيّة نفيه بدلائل الآثار، بل عملت سماء على نشر الرواية الفلسطينية للنكبة بين أوساط البعثة، وبذلك كوّنت جبهة مضادة لرواية أيالا المزيفة.
ومن جانب ثانٍ فلئن كان صوت مراد المتخيّل عبر الحوارات التي يجريها نور معه، الذي يُعنِّفه على أفعاله ومواقفه، فإن سماء هي الصوت الحقيقي الذي يُعنِّف أور حتى ولو لم يكن الحديث معه مباشرة، عبر مواجهتها الدائمة للعاملين معها في البعثة من الإسرائيليين والأميركيين بموقفها من هويتها، فتصرّح بها، وتُعلن بوضوح أنها فلسطينيّة عربيّة، وأنّ الهُويّة الإسرائيلية مفروضة عليها، وأنها تتعاطف مع ضحايا النازية، ولكن ليس مع الصهيونيّة التي استغلت الضحايا لتصنع ضحايا آخرين من الشعب الفلسطيني.
وعندما سئلت من أين؟ قالت: من هذه البلاد دون أن تنسبها إلى إسرائيل، في إنكار تام لوجود هذا الكيان، وأثناء حوار لها مع الطالب الكندي العامل في بعثة الحفريات، رفضت للمرة الثانية الاعتراف بالكيان أو الانتساب له، فقالت في شبه حزم: "كوني أعيش هنا، فإن هذا لا يعني أنني إسرائيلية أو يهودية ... كلا... فهناك فرق شاسع بين كوني عربية فلسطينية وكوني إسرائيلية!" (ص: 176). أمام هذا التصميم من سماء بعدم الاعتراف بالكيان الصهيوني، يدور الصراع الداخلي بين نور وأور حول موقفه هو، في لوم لنور الذي تخلّى عن جنسيته، عندما أراد أن يتدخل في الحوار بين الطالب الكندي وسماء فيتوجه نور لأور قائلا: "هل ستقول له: إنك فلسطيني، ولكنك تلعب لعبة الأقنعة، في الليل نور وفي النهار أور؟" (ص: 176). وفي إحدى ملاحظاته التي يسجلها يتوجه إلى مراد تحضر سماء بطريقة تشي أنها صارت بمثابة الحبل الذي يطوّق رقبته، قائلا: "هل حسدتها؟ ويجيب نعم حسدتها، ويضيف لقد كرهتها قليلا، لأنها لم تكن مثله، وتمنى أن يكون مثلها" (ص: 182).
بل كانت سماء أكثر تأثيرًا في كسب مؤيدين لموقفها من القضية، عندما دخلت الطالبة الكندية في حوار مع أيالا، وأخبرتها الرواية الحقيقية عن الأرض وأصحابها كما روتها لها سماء، على الرغم من محاولات التشويه والتزييف بالروايات المضادة وتغيير المعالم، وتكرّر الأمر ثانية عندما اعترضت ناتان وهو يلقي محاضرة عصماء عن معالم الكبيوتس، محاولاً تزييف الجغرافيا، ونسب المكان لليهود، وتأكيده بأن الغابات زرعها السكان الأوائل بعد حرب الاستقلال، فهو يسعى بتزييفه إلى "إحالة المستوطنة إلى كيبوتس، والمستنقع إلى جنة، والكهف إلى فضاء، والمقبرة إلى غابة، والقبور إلى حجارة، وأصداء عويل معلق على أغصان الأشجار إلى هتافات نصر مؤزر" (ص :211)، ومع كل محاولاته للتزييف فإذا بها تسأله: وماذا عن هذه الحجارة... إنها تشبه بقايا بيوت، أليس كذلك؟" (ص: 209)، وما إن يبدأ في المراوغة والتزييف حتى فاجأته بالأدلة الأثرية بأن هذا المكان على أنقاض قرية عربية مهجّرة في حرب استقلالكم.
كانت سماء في النهاية بمثابة الحلقة الأهم في لعبة الأقنعة، وهي كشف وتعرية القناع، ورده إلى ذاته الحقيقية، وهو ما تجلّى بصورة واضحة في المشهد الأخير، بعد خروجه من موقع البعثة، فإذا سيارة هيواندي تقف له، ومن بداخلها تنادي عليه اصعد أيها المجنون... ولن أتركك وحدك" وبعد أن يشاهد من بداخل السيارة يتأمّل سماء إسماعيل لحظة ثم، ينتصب واقفًا مرة أخرى، ينزع قلادة نجمة داود من عنقه، يلقيها بعيدًا نحو السهل المحاذي للرصيف، ينتشل بطاقة الهوية المزوّرة من جيبه، هوية أور شابيرا، يستعرضها أمام ناظري سماء، ثمّ يمزقها بعنف ليحلقها بالقلادة ... تدمع عيناه، يخرج هاتفه من جيبه، يعيد برمجته إلى اللغة العربية... يتنهد بحرارة، ثم يصعد جالسًا بجانبها، يحدّق بها بتأثّر عميق، يغلق الباب، ثم يقول لها قبل انطلاقهما معًا هامسًا بكل ما أوتي من لغته العربية المستعادة: أنت هويتي ومآلي". (ص: 238).
بين القناع والقرين
مثلما كان مراد بمثابة القناع الذي يظهر للبطل في كل أفكاره، بعد أن ينتقل إلى القدس باسم أور، ويتقمص شخصيته الجديدة، نفاجأ أن شخصية نور (الحقيقية) تظهر في صورة القرين، فتنقسم ذاته بين ذات نور وذات أور، والشخصية القرين نور تخرج وتحتد، وترفض الكثير من تصرفات شخصية أور، وظهور القرين بمثابة الخيط الذي يرده عن أفعاله، خاصّة وقد أخبرنا بأن المراسلات بينه وبين مراد قرينه الأول سوف تتأخر لغيابه عن رام الله، بسبب التحاقه بالبعثة في القدس تحت اسم أور. فنرى القرين يظهر ويرفض أن يقبل أن يعمل مع البعثة قبل الموعد الرسمي، ومرة ثانية عند لقائه بأيلا شرعابي زميلته اليهودية في البعثة، يعلن بصوت حاد: "اللعنة ... ابتعد عنها قليلا. لا تتحدث بالعبرية، قد يكشف أمرك" (ص: 103)، وقد يصل التحدي بين القرين والشخصية إلى التهديد، فيهدده عندما يذهب إلى المكتبة لشراء الكتب التي طلبها مراد: سأفضحك ... سأقول لصاحب المكتبة إنك محتال، وتنتحل شخصية ليست لك... شخصية يهودية.(ص: 107)
الصراع الدائر بين الشخصيتين الأصلية والمزيفة، أو الهوية الحقيقية والهوية القناع، يصل إلى الاتهامات على نحو مهاجمة أور لنور: "لقد انتحلتني... لقد قمت باختلاق أشياء وصفات ألصقتها بي ولم تكن بي يومًا". (ص: 133). وفي كثير من المواضع ينسحب التفوق إلى صالح الشخصية الأصلية، على الرغم من كافة الإغراءات التي حصل عليها بسبب هذه الهوية المزيفة، فأثناء قيامه بدور المرشد للسياح الذين يأتون إلى المناطق، ويروى لهم تاريخ المنطقة، وهو تاريخ مزيف، كتبه الاحتلال، لينسب لنفسه الأصالة والعراقة وحقه في امتلاك الأرض، فجأة وهو يقوم بعمله، إذ ينفض عنه قناع أور، ويرتدي قناعه الأصلي، ويتحدث بخطاب حماسي مثير عن أصل الحكاية، وينفي التزييف الذي قاله قبل قليل، معيدًا الحق لأصحابه، وأن هذه الأراضي عربية، أطلال قرية صرعة الفلسطينية، نُكِّبت وهجّر أهلها في شهر تموز 1948، وشيد فوقها كيبوتس صرعة، لا يكتفي بهذا بل يرد الأماكن لأصولها، فيشير إلى مكان مختار القرية، ومقام الشيخ الذي كان يتبارك به أهل القرية والقرى المجاورة، مقدمين له النذور والقرابين طلبًا للحبل والذرية، نافيًّا أن يكون للمكان أية علاقة بشمشون وغيره، هنا الهوية الأصلانية لا تكتفي باستعادة ذاتها، أو حتى تصحيح التاريخ، وإنما أيضًا تقوم بتوثيق الأماكن، في تأكيد على أحقية أهل الأماكن لها، في إشارة دالة وبليغة أن الذاكرة الفلسطينية ذاكرة قوية، تُوْرث أبناءها حفظ الأماكن، بل والحكايات الفولكلورية كي تكون سردية بديلة تقاوم سردية الإمحاء والتهويد والتشريد. (ص: 66).
يتطوّر الصراع بين القناع والقرين (الشخصية الحقيقية - نور) ويصل إلى ذروته عندما حاول ناتان في محاضرته تزييف الجغرافيا، ونسب أرض قرية أبو شوشة إلى اليهود، فإذا نور (القرين) يحتج (ولو داخليًّا) في أذن أور (القناع)، ويسمّى المكان بمسماه الطبيعي، ويقول: إن موقع الكيبوتس هو أرض لقرية منكوبة اسمها أبو شوشة.. وأن هذا الكهف المقحم في نصوصكم القومية المقدّسة، ليس سوى مرتع لهوٍ لأطفال القرية المهجّرة ... بل أيضًا يستخدم زريبة للبهائم" (ص: 208). بعدها مباشرة يشيد القرين بما فعل، مؤكدًا على أنه ما فعله بداية على الطريق الصحيح: “ها قد بدأت ترى ملامح وجهك الحقيقيّة بالمرآة” (ص: 208).
ينتهي به هذا الصراع - وقد بدأ بالفعل القرين يُهمين على تصرفاته - إلى فضّ القناع خاصّة بعدما تعرّى أمام ذات سماء، فلم يبقَ إلا أن يكشف نفسه، وبالفعل يكشف لها نفسه، ولكن لا تصدقه، فنراه في مونولوج ذاتي يكشف ما هو أكثر عن ذاته الممزقة هكذا: “أنا لا أرتدي قناعًا، أنا أرتدي مسخًا ... بل أنا هو المسخ الذي وُلد من رحم النكبة والأزقة والحيرة والغربة، والصمت: صمت أبي وموت أمي ومطاردتي في أزقة المخيم بلقب السكناجي … أنا المسخ يا صديقي فهل من رحم تلدني مرة أخرى إنسانًا؟ هل من سماء أتجلى بها نورا ونارا”.
لعبة الكتابة
تتوسّد الرواية بالعديد من التقنيات الحديثة، كإيمان من المؤلف بأن الرواية ليست مجرد حكاية، وإنما في كيفية كتابة الحكاية، وأوّل هذه التقنيات هي التسجيلات الصوتيّة التي يقوم بها البطل نور، ويحكي فيها طريقته في رسم كتابته للرواية، وهي تقنية حديثة مستفادة من التطورات المذهلة في التقنيات الرقميّة. وثمة تقنية أخرى أشبه باللعبة تقوم عليها الرواية منذ بداياتها، تتمثّل في الحوارات المتخيّلة، والتي يستخدم لها خاصية التسجيلات الهاتفية، وهي حوارات بين الأنا والآخر: نور / مراد، وبالأحرى الشخصية ومعادلها الموضوعي، أو قناعها المتزن، وبين الأنا والأنا المنفصلة عنها / نور / أور، وهي حوارات تكشف عن صراع الهوايات، وهيمنة الهويّة الوطنية على الهوية البديلة أو الهوية المنتحلَة. إضافة إلى الحوارات الحقيقية التي تضيء النص وخاصّة حول مفهوم الهوية والاستيطان والاحتلال، وتكون بين أور الشخصية المنتحلة وأيالا شرعاني زميلته الصهيونية في التنقيب، وبين أيالا وسماء إسماعيل، والرواية بهذه الحوارات تُقدّم صورة مصغرة لصراع الأفكار حول عملية التطهير العرقي والأحقية في الأرض، والإمبريالية الصهيونية، وغيرها من أفكار تكشف أن الصراع ليس صراعًا على الأرض فحسب، بل هناك صراع أكثر خطورة يتمثّل في صراع الأفكار، ومحاولة تكريس أفكار مغايرة للحقيقة كنوع من آليات المحتل لتزييف التاريخ والجغرافيا.
تنتهي التخيّلات إلى ردّ أور إلى شخصية نور الحقيقية خاصّة بعد مسيرة الأعلام في القدس التي تُنهي عمل البعثة بسبب توتر الأوضاع، فهاجس البحث عن البئر ومريم المجدلية، يخايل نور في أحلامه فيحلم بأنه ذهب إلى البئر التي تجاور الكيبوتس، وعثر على مريم المجدلية عبر سرداب في قاع البئر، لكن المفاجأة أنها تشبه تمامًا سماء إسماعيل، بالضوء المنبعث منها ومن مريديها، فيسجل رسالة لصديقه مراد مؤمناً بموقفه المبدئي "أظلمت آفاق روايتي المجدلية، وحلت محلها تجليات سماء"، كما أن الراوي يستعين بالرسائل التي تكون وظيفتها استحضار شخصية مراد من السجن، وغرضها كسر قيود السجن وأغلاله التي يظن المحتل بأنه يعيق بها البطل أو ما يوازيه من إنسان حرّ، فعبر الرسائل (المتخيّلة) المتبادلة بين البطل نور وصديقه مراد، يفتح نافذة مقاومة لشخصية مراد، وهو ما يتضاهى مع شخصية جرامشي في رسائل السجن، حيث قاوم قيوده برسائله إلى العائلة، وما تضمنته من رؤية حول الكثير من المسائل المتعلّقة بالحرية والديموقراطية وبناء الدولة وغيرها.
اعتمدت المروية على آلية التسجيل والتوثيق كـآلية مقاومة للتهويد وطمس الهُوية، ومحاولة إثبات الانتهاكات الإمبرياليّة، والاعتداءات على الأرص، والمواطنين، فالبطل في عادة يوميّة يتجوّل في بعض المواقع الإخبارية ويقوم بإثبات ما تقوله وسائل الإعلام، من جرائم يقوم بها المحتل ضدّ أصحاب الأرض، فيسجل وقائع تبدو متكرّرة من فعل المحتل، أي فعل يومي بامتياز، تثبت حالات العدوان الصراخ الفجّ، الذي يصل في أحد مراحله إلى محاولة طرد وتهجير الفلسطينين من حي الشيخ جرّاح وإحلال عائلات يهودية مكانهم، فنرى هنا عين المؤرخ الذي يوثّق، وبلغة أقرب إلى الخبر الصحفي، منها إلى لغة النص الروائي:
الاحتلال يعتدي على المزارعين في الأغوار الشماليّة.
الاحتلال يُجبر مواطنًا مقدسيًّا على هدم بيته على نفقته الخاصّة بحجة عدم الترخيص.
صاعد التوتر في القدس بعد إعلان بلدية نيتها إخلاء العائلات المقدسية من بيوتها في حي الشيخ جرّاح.( ص: 34 - 35).
وتتابع عين المؤرخ في مشاهد لاحقة قمع قوات الاحتلال من الشرطة وحرس الحدود لأهالي الحي، والمتظاهرين من المتضامنين مع قضيتهم". (ص: 57). ومرة أخرى ينقل في حيادية:
"تتصاعد حدة العنف والإخلال بالأمن العام في أورشليم من قبل عشرات مثيري الشغب". (ص: 96).
عملية التوثيق التي يقوم بها الراوي من خلال بطله الذي يتجوّل في أزقة المخيم، ثمّ تتاح له الفرصة بأن ينتقل إلى الجانب الآخر، هي في أصلها نوع من المقاومة بمحاربة التجريف والتزييف، فسلطة الاحتلال تنتهج أساليب مختلفة لمحو الهوية ومن أهمها طمس معالم المدينة باستبدال أسمائها القديمة بأسماء يهودية، وتجريف الذاكرة بكتابة تاريخ جديد مغاير للحقيقة، والراوية بوصفها ذاكرة حيّة، استغلّ المؤلف هذه الوظيفة في مقاومة التجريف التي تقوم بها سلطة الاحتلال، بتغيير أسماء الأماكن، بإثبات الأسماء القديمة، فحي صرعة يصير بعد التهجير القصري والطرد كيبوتس صرعة، وهي العملية التي تتكرّر طيلة سنوات الاحتلال، وسيصير حي الشيخ جرّاح حي شمعون هتصديق، والراوي وهو يتوسّد التوثيقية يسعى إلى مقاومة المحو، بالتخليد. وجامعة بار إيلان المشيدة على أنقاض الشيخ مؤنس الساحليّة (ص: 101).
التوثيق اليومي بعين الراوي أو المؤرخ هو سردية موازية لمعاناة الفلسطينيين اليوميّة من جرائم الاحتلال، فيطارد العمال الفلسطينيين الذين يتسللون إلى مخيمات العدو في المستوطنات للعمل، وما يحدث لهم عندما يحدث التفتيش على تصاريح العمل، حيث الضرب والحجز في أقسام الشرطة لعدة أيام، ومن صور التعنت ما تقوم به سلطة المحتل من هدم للبيوت، بل وإجبار أصحابها بهدمها على حسابها، بحجة عدم وجود تصاريح، وتتوسع سياسة الهدم والإبادة بمحاولة تهجير حي الشيخ جرّاح، وهدم منازلهم .فهذا الرصد المتوالي لما يحدث على الرغم من أن المؤلف محبوس في زنزانة، يكشف أن الهم الخارجي لم يفارقه، وأنه لم يتوحّد مع ذاته، فما زال الألم الذي يُعانيه الآخرون في الخارج يؤرقه، فمع تواجده داخل محبسه، إلا أنه أعار عينيه لبطله نور، كاسرًا جدران السجن، وراح يتجوّل معه في الأحياء والأزقة والمستوطنات، ليرصد الحياة اليومية والمعاناة التي يُعانيها أبناء الشعب الفلسطيني المسلوب حقّه.
خاتمة
سعت الدراسة منذ عنوانها إلى الكشف عن عن مفهوم جديد للرواية يتمثل في "مقاومة المستعمِر"، وتحديد الآليات السرديات المضادة التي اتخذتها الرواية في مقاومة المحتل، عبر إستراتيجيات كتابية كان لها بالغ الأثر في تأكيد مسعى المؤلف. ومع أهمية العمل ونُبل مسعاه في كتابة مضادّة لمحاولات تزييف الجغرافيا والتاريخ والثقافة، وكذلك تقديري للسياق الاجتماعي والسياسي الذي أُنتج فيه العمل، لكن تبرير تقمص البطل للهوية اليهودية كدافع لكشف التزييف، لم يَرُق لي، خاصّة وأن السبب الحقيقي وراء التقنُّع بهوية عدوه، كان كتابة الرواية على نحو ما أعلن نور في أكثر من موضع، وهو في الحقيقة هدف لا يستحق مثل هذه المجازفة، خاصة وأنه لم يتم لأنه لم يتفرغ له لأن "جدول أعمال العمل كان مكتظًا" (ص: 171). فأمر تلبس الهوية الصهيونية لم يقتصر على هذه المرة، فقد سبقها مرات عندما كان يتقمص هوية يهودية ليحضر محاضرات وندوات عن التاريخ والآثار، واضطر إلى أن يبدّل في كثير من الأسماء التي استعارها اعتمادًا على ملامحه القريبة من ملامحهم، فالملامح "تصنيف مسبق في تل أبيب" (ص: 70).
الهوامش والمراجع
– آنيا لومبا، في نظرية الاستعمار وما بعد الاستعمار الأدبية، ترجمة: محمد عبد الغني غنوم (سوريا: دار الحوار للنشر والتوزيع، ط أولى، 2007).
– أحمد، إعجاز ""في النظرية، طبقات، أمم، آداب"، ترجمة: ثائر ديب (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسات السياسات، سلسلة ترجمان، ط 1، كانون الثاني (يناير) 1999).
– إبراهيم، عبد الله، السردية العربية وتفكيك الخطاب الاستعماري وإعادة تفسير النشأة " (المغرب: المركز الثقافي العربي، ط: 1، 2003).
– ثربانتس:"دون كيخوته"، ترجمة: عبد الرحمن بدوي (سوريا: دار المدى للثقافة والنشر، ط: 3، 2009).
– خندقجي، باسم، قناع بلون السماء (بيروت: دار الآداب، ط 1، 2023).
– ديفو، دانيل، "روبنصن كروزي: أول رواية معربة 1835"، ترجمة: مجهول، تقديم: خيري دومة، دراسة: محمد سيد عبد التواب (القاهرة: ميراث الترجمة، المركز القومي للترجمة، ع 2358، 2015).
– ديك، فان، "النص بنياته ووظائفه مدخل إلى علم النص"، ضمن كتاب "نظرية الأدب في القرن العشرين"، ترجمة وتقديم: محمد العمري (المغرب: أفريقيا الشرق، ط 1، 1996).
– سعيد، إدوارد، "الثقافة والإمبريالية"، ترجمة: كمال أبو ديب (بيروت: دار الآداب، ط 4، 2014).
– لكلرك، جيرار، ""الأنثروبولوجيا والاستعمار"، ترجمة: جورج كتورة (بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، ط 2، 1990).
– معلوف، أمين، "الهويات القاتلة، قراءات في الانتماء والعولمة"، ترجمة: نبيل محسن (سوريا: ورد للطباعة والنشر والتوزيع، ط 1، 1999).
– وولفـ، فيرجينيا (وآخرون): "اكتمال العالم: الأدب - المعرفة - السعادة"، ترجمة: لطفيّة الدليمي (سوريا: دار المدى للنشر والتوزيع، ط 1، 2019).
