الرواية الشهودية وجدلية التخييل والتوثيق
الرواية الشهودية وجدلية التخييل والتوثيق:
قراءة في روايات النكبة ما بعد أوسلو
مقدمة الدراسة
أصبح أدب الشهادة من الأنواع السردية الشائعة المعترف بها عالميا، وذات الانتشار الواسع، خاصة مع زيادة التوترات الإقليمية والعالمية والصراعات الدولية، نظرا لارتباطه بمعاناة الإنسان وما يتعرض له قطاع كبير من البشر من عنف واستغلال وتهجير دفاعا عن حقوقه وهويته، حتى غدت رواية الشهود أداة للمقاومة والرد بالكتابة؛ لتقدم وعيًا تاريخيًا مغايرًا. هذا الوعي يخاتل الشهادة ويستعين بالوثيقة، ويؤطر الوقائع بإطار سردي يعطي الواقعة معناها بعيدًا عن ثنائية الصدق والكذب، وينظمها في سيرورة سردية لها معنى فليس هناك ما هو أكثر قدرة من السرد على امتلاك التجربة الإنسانية.
يتوقف الباحث أمام روايات النكبة الفلسطينية ما بعد أوسلو، والتي تتوسل بالشهادات الشفوية والمسجلة لتجعل منها تقنية سردية، وآلية تواصلية تعيد ترسيم الميثاق السردي، وتغيير في أدوار الرواة والمروي والمروي عليه، لتمثل مرحلة جديدة في تاريخ حضور القضية الفلسطينية في الرواية العربية المعاصرة، وذلك من خلال قراءة مجموعة من روايات النكبة الفلسطينية الصادرة بعد اتفاقيات أوسلو 1993. تلك الاتفاقيات التي شكّلت منعطفا خطيرا في مسار القضية الفلسطينية. حيث أفرزت واقعًا فلسطينيا وعربيا مركبا اتسم بتراجع الأفق السياسي واستمرار ممارسات الاحتلال الاسرائيلي. ويمكن القول إن اﻻﻧﺘﻬﺎك اﻟﺬي مثله هذا الاتفاق المجحف ﻻ ﻳﻨﺒﻊ ﻣﻦ ﺣﻘﻴﻘﺔ أﻧﻪ ﻳﺘﻄﻠﺐ ﻣﻦ اﻟﻔﻠﺴــﻄﻴﻨﻴﻴﻦ اﻟﺘﻨﺎزل ﻋﻦ ﺣﻘﻮﻗﻬﻢ المشروعة، وإﻧﻤﺎ ﻣﻦ كونه أن اتفاق أسس لشطب التاريخ الفلسطيني وتبنى السردية الصهيونية للتاريخ والتشويه الحقيقة، الأمر الذي دفع كثير من الروائيين إلى إعادة مساءلة النكبة الفلسطينية، في ظل خلط الأوراق وتغول السردية اليهودية بين العرب أنفسهم، وذلك من خلال شهودها الباقين، لا بوصفها حدثًا ماضيًا فحسب، بل باعتبارها تجربة مستمرة ومتجددة في الوعي الجمعي الفلسطيني الذي ما زال يعاني آثارها وصدماتها.
إشكالية البحث
تتمحور إشكالية البحث حول نوع سردي يتتبع الباحث مقوماته الفنية والجمالية ويبرز أهميته في حفظ الهوية ومقاومة التهويد، ودوره في كشف المسكوت عنه في أحداث النكبة الفلسطينية المستمرة ومساراتها؛ وأثر هذا النوع السردي في بناء سردية مضادة ودالة تكشف بذور النكبة الفلسطينية وجذورها من خلال عدد من الروايات التي ظهرت في نهاية القرن العشرين وبدايات القرن الواحد والعشرين، بما يتيح لنا مساءلة التاريخ الرسمي واستعادة أصوات المهمشين واللاجئين ممن عاينوا النكبة وأحداثها وما ترتب عليها. ومن ثم تطرح الدراسة الأسئلة التالية حول الرواية الشهودية ومفهومها في إطار ثنائية التخييل والتوثيق، وما التغيير الذي يتركه التخييل في الشهادة الموثقة وما طبيعة الراوي الشاهد ووظائفه وغاياته، وما أثر ذلك في ترسيمة السرد وميثاقه على الخطاب السردي وتشكله، وكيف تؤثر شهادته في توجهات القارئ وأثرها في توجهاته وأحكامه السردية والأخلاقية والجمالية، حيث ينبه السرد" نشاطين رئيسيين هما: الملاحظة والحكم"
ومن خلال منهج بيني يجمع بين السردي والثقافي والاجتماعي تقارب الدراسة الحالية جدلية التخييل والتوثيق في سرد الشهادة، بوصفها علاقة لا تقوم على التعارض، بل على التكامل والتحاور؛ إذ يمنح التوثيقُ السرد مصداقيته، في حين يرفده التخييل بالقدرة على التأثير وإعادة تشكيل المعنى. ومن ثمّ، بدا السرد الشهودي أداة لإعادة كتابة التاريخ من منظور إنساني، يستعيد أصوات المهمّشين، فلا يقتصر الأمر على مجرد جمع الشهادات وإعادة ترتيبها أو صياغتها بصيغة أدبية جمالية، بل يتجاوز ذلك في بناء شهادات أدبية لا زمنية متعالية عن وقائعها التاريخية، إلى رحاب إنسانية ترتكز على الذاكرة وعلى المشترك الإنساني في التأثير على القارئ وإيقاظ وعيه. فهذا النمط من الكتابة التوثيقية المتخيلة لا تقدم تاريخاً للأحداث فحسب، بل تقدم تاريخاً للعواطف الكامنة في أعماق الحوادث والكوارث، عبر عنايتها بالتاريخ الشفوي وجماليات كولاج من الأصوات البشرية، وبناء وثائق فنية مضادة لما يريد الآخر تسييده وهيمنته. إنها رواية تحول الهامش إلى مركز والمركز إلى هامش، وتحول رد الفعل إلى فعل، مؤسسةً لتاريخ جديد هو تاريخ الإنسان الفلسطيني في عاديته وأحلامه وأحزانه وأخطائه، وأثر التحولات الكبرى عليه وعلى هويته.
يتخذ البحث من ثلاث روايات نموذجًا للتطبيق، هي وفقا لتاريخ طبعتها الأولى:
باب الشمس إلياس خوري1998
زمن الخيول البيضاء إبراهيم نصر الله2007
الطنطورية لرضوى عاشور2010
إن دخول الرواية معترك تمثُّل النكبة ما بعد أوسلو هو أمر فرضته القضية الفلسطينية ذاتها وتحول مساراتها مع الحضور الدائم للقتل والطرد والتشريد، فلم يعد الأمر ملتبسا أو يحتاج إلى مراجعة تاريخية إذ إن حضورها كسردية برز لدى كثير من المؤرخين الإسرائليين أنفسهم، ولم تعد وقائع المجازر والاغتصاب التي حدثت في الطنطورة وسعسع وأبوشوشة وعيلبون بغائبة أو قابلة للمجادلة باعتبارها حوادث ملتبسة قابلة للتأويل والمراجعة. بيد أن الصراع الحقيقي حولها أصبح صراع سرديات يتأكد بها قول القائل إن النكبة المستمرة، وبرز ذلك بوضوح بعد اتفاق أوسلو المعيب للحكم الذاتي الفلسطيني إذا قاد هذا الاتفاق إلى استمرارية النكبة وتعقدها، ، بصورة أوضحت طابع النكبة وصيرورتها في ظل سيادة سردية أسطورية وحاضر فلسطين يتم اختزاله والسيطرة عليه لغة وواقعا، ومن الخطأ القول إن النكبة حدثا توقف عن 1948، " فالنكبة ليست ذاكرة فحسب، بل إنها حاضر مستمر لم يتوقف منذ سنة 1948 والتعامل معها بصفتها من الماضي هو طريقة لحجب الصراع بين الحضور والتأويل الذي لم يتوقف"
1- مفهوم الرواية الشهادية
يبرز السرد الشهودي بوصفه آلية جمالية ومعرفية تستند إلى استثمار الشهادات الشفوية والمكتوبة، وإعادة تشكيلها ضمن أطر سردية تخييلية، بقصد تجاوز حدود التوثيق التاريخي الصارم نحو أفق إنساني أرحب، تُستعاد فيه الوقائع لا كما حدثت فحسب، إنما كما يتم تذكرها وحكيها وتأويلها. إنه سرد لا تكتفي بتسجيل الأحداث، بل تعتمد على التأثير وتحقيق الاستجابة الأخلاقية الإنسانية.تنتمى الرواية الشهادية إلى ما يعرف بأدب الشهادةtestimonio ، وهي عبارة عن رواية أو قصة بطول الرواية القصيرة يوردها الراوي بصيغة المتكلم، والذي هو أيضا البطل الحقيقي للأحداث التي يرويها أو شاهد عليها، وعادة ما تكون وحدة الحكي حياة أو حدثا مهما في حياة ما، بيد أن الجانب التوثيقي والقائم على استنطاق الشخصيات لا ينفي عن أعمالها التخييل بوصفه شيئا انتقاليا يقع بين الواقعي والخيالي، فهو لا يقطع الصلة بالواقع، وإنما يشتغل به من خلال مجموعة من الأفعال تظهر بصورة واضحة من خلال الرواة / الشهود.
إن الواقعة هي البؤرة التي تتمركز حولها الشهادات المختلفة مع أو ضد، وهي تختلف عن الحدث في كونها تحمل معنى،"فالوقائع أحداث أضفينا عليها معنى، والبناء الروائي يميز بين الحدث وبين الواقعة اليومية، إن الواقعة بهذه الصفة كيان معطى بشكل سابق على الذات المبدعة لأنه جزء من سلوك مألوف، أما الحدث الفني فبناء تصوغه عين الفنان وترسم حدوده وفق تناظرات قيمية بعينها"
تقوم الرواية الشهادية بتفكيك التاريخ الرسمي ومساءلته عن المسكوت عنه وعن المطموس وعن المهمّش، أي أنها تمثل التاريخ الذي لم يكتب، تاريخ الناس الذي تم تزويره أو تهميشه عمدا وزورا، "من هنا كانت أهمية الشهادة الشفوية أو المكتوبة فاستردت اعتبارها بوصفها ذاكرة ً مُصَحِّحة للتاريخ." ، باعتبار أن الأدب عموما والرواية خصوصا "من أهم ّ أفعال التذكر التي تؤثر في الذاكرة الجماعية، لما توفّره من منافذ إلى مسارات مختلفة للفهم والتأويل. فالمقومات الفنية والجمالية التي يمتلكها، قياسًا على خطابات أخرى، تؤهله للاقتراب أكثر من المناطق الداجية في الذات الإنسانية، والتعبير عن المواقف والتصورات المتعددة عن الأحداث في شكل حواري يحتضن القول ونقيضه، بعيدًا عن الأدلجة أو الاستعمالات المغرضة للذاكرة." . فإذا كان التاريخ هو ماضي يتراجع فإن الرواية تجعل منه ماضيا مستمرا، كما إن دمج الشهادات الشفاهية في أطر تخييلية من شأنه ألا يقدم مغزى أخلاقيا في أطر معلبة أو مباشرة، إنما يقدم القيمة من خلال النموذج والنموذج المضاد، لبناء المعنى، فميزة السرد الرئيسة هي قدرته على النمذجة وتقديم المثل للاعتبار وإبراز البعد الأخلاقي من خلال الحدث الذي لا يوصف بالصدق أو الكذب؛ ذلك لإن التعويل على التخييل من شأنه أن يحرر الواقعة من مجال إلى مجال، ويضيف لها بُعدا رمزيا يكسبها ديمومة تواصلية، وتتحول الواقعة إلى مجاز، ويتعمم من خلاله الخاص، وتخصيص العام، وانفتاح التجربة على الوطن والأمة والكون، هنا يلعب السرد المتخيل دوره في بلورة هذا البعد بصورة واضحة، من خلال طرح الوقائع، والأحداث، والأعلام، وأسماء الشخوص والأماكن التاريخية، لا بوصفها بؤرة أو مركز للوصف وبناء المتخيل من حولها، إنما تُجلب لتعضيد المتخيل وتمركزه؛ كي لا يصبر سردا معلقا في الهواء، وبدلا من أن يملأ التخييل ما يتركه سرد الوقائع من ثقوب أصبح الأمرُ معكوسا، إذ أصبح على الوقائع أن تقوم بذات الدور من خلال إتمامها لأبعاد التخييل، من خلال قيامها بوظائف أخرى، لا لمجرد ربط السرد بالواقعي والتاريخي، وإن كان ذلك إحدى وظائفها. فالواقع لا يدرك إلا من خلال الخيال، كما إن الخيال لابد له من واقع يرفده ويقويه. إن الشهادة تروى لتصدق إذ تحاول " تقديم دليل مقنع على صدق الأحداث اعتمادا على أن خير من يروي الحدث هو من شارك في صنعه أو يشهد وقوعه... والحقيقة أن مشاركة الراوي في صنع الحدث أو شهادته ليست دليلا مقنعا على صدقه".
يرسم جون بيڤيرلي خارطة بمعالم خطاب أدب الشهادة، مركزا فيها على الأوضاع المادية التي تنتج هذا النوع من التعبير وكذلك الطرق التي تقوم بها تلك الأوضاع بتقييد وتوسيع دائرة الاستقبال. ويؤكد بيڤيرلي أن الأشكال الأدبية التي تطورت في فترة التوسع الاستعماري لا تعكس العلاقات الاجتماعية فحسب بل تلعب دورًا وسيطًا في صياغة الهيمنة، وبالتالي يرى بيڤيرلي أدب الشهادة كجزء من الصراع القائم لمقاومة وتقويض الخطاب الكولونيالي للأدب. ومن هنا يمثل أدب الشهادة تحديا للفئات ذات المكانة السامية مثل فئة المؤلف الواحد الأوحد، والجماليات الأدبية، والصياغة الثقافية النخبوية لـ "الأعمال العظمى".
أما لوجون فيتحدّث عن نص الشهادة بوصفه "نصًا (علائقيًا) ويقترح إقامة علاقات مع القارئ، ليست بصيغة (التصديق) أو (إني الموقع أدناه) كما في السيرة الذاتية التقليدية، بل هي (اقتراح) قابل لملامسة فضول القارئ وإثارة شهيته، بهذا تخلق الشهادات (أثرًا) في القارئ، لا يقل عن السيرة الذاتية المجنسة.. وتصبح الشهادات تنويعًا آخرَ على كتابة السيرة..إن الشهادات المكتوبة غالبًا بدعوة ما أو اقتراح، هي أفضل مناسبة لبروز (الأنا)" كما نجد أن عملية التمثيل السردي تفرض إكراهاتها على كل نوع فما يميز بين أسلوب الشهادة وإكراهات السيرة الذاتية وبين منطق السرد التخييلي، هو أن"الأول والثاني محدودان في الفضاء وفي الزمان لأنهما نتاج ذات معروفة مسيجة بمجموعة من الإكراهات لعل أهمها التقيد بالوقائع التي تمت فعلًا، ولهذا فهي تتعامل مع التجربة من خلال إحالتها على عوالمَ يمكن التأكد من واقعيتها، كما يمكن إثبات صدقها أو كذبها أما التخييل فهو من نظام المحتمل الذي يبني قوانينه استنادًا إلى العوالم الممكنة لا إلى حدود التجربة الواقعية"
نخلص مما سبق إلى أن الرواية الشهودية يمكن أن نصفها بالوقوف على الأعراف بين الخبر والإنشاء، حيث تخرج بالشهادة من دائرة الصدق والكذب، إلى دائرة التمثيل، بما تحمله من طبقات دلالية متراكبة، فلا يصبح الأمر مجرد مشهد أو تشخيص لحدث يروى بتفاصيله وشخوصه، إذ ما يلبث أن "يتحول إلى حامل لدلالات من طبائع شتى لا يمكن أن تستكين إلا في المفاهيم. فهي وحدها قادرة على رصد حالات التحول والاستقرار والنمو في الوجود" ، ومن هنا تكتسب قدرتها على التغلغل في الذاكرة الجمعية وبناء الحس المشترك حيال النكبة ووقائعها وتؤكد المغزى الأخلاقي للمقاومة بشتى طرائقها.
2- العتبات النصية
تقدم العتبات خطابا مستقلا عن المتن النصي، ومؤشرا دالا على قراءته في آن، وتنبع أهميته من سبقه ومغايرته، إضافة إلى توجهه المباشر إلى القارئ في المقام الأول ومن ثم تسمح له بالمساهمة في إنتاجه، وبناء أفق توقع قد يؤكده المتن أو ينفيه
في الروايات الثلاثة محل الدراسة يقابلنا على الغلاف المؤشر النوعي الدال على طبيعة النص بوصفه سردا تخييليا(رواية) فيما تضيف الإشارات الختامية بعدًا آخر يتصل بطبيعة السرد في رواية باب الشمس، باعتماده على " عشرات النساء والرجال، في مخيمات برج البراجنة وشاتيلا ومارالياس وعين الحلوة..."، ليحيلنا على عشرات الشهادات الشفاهية والمذاكرات المكتوبة لمن عايش النكبة، ومن هنا تبرز مخاتلة النوع وطبيعة المسرود جمعه بين التخييلي والتاريخي. في الطنطورية لرضوى عاشور تحدث المخاتلة ذاتها، ولكن يضاف إلى المؤشرات النوعية في جمعها بين الشهادة والتخييل، مثل رسم خريطة لفلسطين وموقع قرية الطنطورة فيها، إضافة لشجرة العائلة بدءا من الأخوين أبو الصادق وأبو أمين للوصول إلى الأبناء والأحفاد، عبر ثلاثة أجيال تشكل شخصيات الرواية عبر مسارات النكبة المختلفة. كما تختم الرواية بقاموس لكثير من مفردات اللهجة المحكية الفلسطينية. يتكرر الأمر ذاته في رواية إبراهيم نصر الله(زمن الخيول البيضاء) بالجمل بين المؤشر النوعي التخييلي والإشارة إلى طبيعة المادة المؤسسة لها من خلال تقديم التحية" لعشرات الشهود الذين لم يتوانوا عن تقديم خلاصات ذكرياتهم، حكاية الدير مع قرية الهادية حكاية حقيقية من أولها إلى آخرها إنها حكاية قريتي، أسماء الشخصيات والعائلات غير حقيقية، وإذا ورد تشابه بينها وبين شخصيات حقيقية فذلك محض صدفة"
إن العتبات الثلاثة تكسر أفق توقع القراء، وتقوم بنقض الميثاق القرائي الذي صنف النوع ثم خاتله، ولكنها تفتح أفق التوقع لقراءة أخرى يتحول فيها القارئ إلى شاهد جديد، عليه مسؤولية أخلاقية حيال المسرود، ولا ضير من مخاتلة العتبات النصية سواء أكان عنونة أو مقدمات أو ما شابه؛ لأن الكتابةَ الشهودية لها مقتضياتها التي تتصل بالبناء السردي للنص وطرائق تعالقه بالشهادات التي يختارها ويضمنها في مسار السرد وشخوصه،كما إن الميثاق النصي ليس بالضرورة أن يكون صريحًا، فقد يكون خفيَّا يستنتجه القارئ أثناء القراءة، إذ تتحوّل عملية قراءة الرواية الشهودية ذاتها إلى بناء، وهو ما يتضح جليا بعد الانتهاء من عملية القراءة، فرواية رضوى عاشور تنطلق من ميثاق تخييلي بامتياز، ثم ما نلبث أن نكتشف أنه شهادة مكتوبة كتبتها رقية بوصفها شاهدا على ما حدث لأسرتها ولقريتها الطنطورة.
إن الروايات رغم اعتمادها على عدد ضخم من الشهادات المتنوعة ليست مجرد حكايات لمجموعة الشهود، إذ إن دور المؤلف هو دور الوسيط الروائي الذي يقوم بلضم هذه المادة الأولية في عمل روائي لا تشكّل الشهادات والذكريات إلاّ عنصرًا واحدًا من عناصره المتعددة، حيث تظل البنية الروائية المتماسكة هدفا أساسيا تنضوي تحته فني هذه الأكوام الهائلة من الأصوات والشهادات والذكريات، والتي لا تمثل سوى بذرة صغيرة لشجرة سردية وارفة .
3-ترسيمة التواصل السردي
تمر الشهادة بمرحلتين، الأولى يمثلها الفعل (يشهد) الذي يتصل بالإدراك المباشر للتجربة، فيما تأتي الشهادة كسردية في مرحلة تالية مرتبطة بالتذكر والحكي حول الواقعة، وهو فعل اجتماعي يشير إلى" شيئين معا: النشاط الشخصي الذي يسمح لقصة الفجيعة أن تظهر، وتأثير الفجيعة على المجتمعات التي تحدث فيها" . ويترتب على ذلك تغيرٌ رئيسي في ترسيمة التواصل يتعلق بطبيعة الفعل (يشهد) السابق لفعل (يحكي)، وعليه فإن السرد الشهودي يتضمن شهادتين: شهادة للذات حيث تحكي تجربتها الشخصية، وشهادة للنص ذاته عابرة للتاريخ والثقافة نحو قراءة متأخرين في الرواية الشهودية، كذلك يمتد التغير إلى عملية التواصل السردي بمختلف عناصرها، فتتحول من الراوي والمروي والمروي عليه إلى الشاهد والمشهود والمستمع الذي يقع على كاهله كثيرا من المهام تتجاوز المروي عليه العادي.
تعتمد الرواية الشهودية على الذاكرة باعتبارها معيارا للهوية الفلسطينية، حيث تمثل هشاشة الذاكرة هشاشة لتلك الهوية،فالهوية الفلسطينية هوية سردية محضة مع استمرار نزوحها واقتلاعها من وطنها، ومع التباعد النسبي للنكبة وصيرورتها كان خطر النسيان هو المؤرق الأساسي للشخصيات الرئيسة في الرواية الشهودية وهو ما دعا حسن في الطنطورية أن يلح على أمه في كتابة شهادتها أو تسجيلها، وهو ذاته الدافع الذي حدا بخليل أن يجلس من الغائب عن الوعي يونس، ويحكي له حيث يمثل السرد قعل مقاومة رئيس بعد أن توارت المقاومة الفعلية على الأرض.
كما يتمظهر التغير في عملية التواصل السردي وحضور الراوي كشاهد في كمية المعلومات التي يقدمها، ومن ثم تظل نزعة الشك تتسرب لما يقوم بروايته، هذا الشك لا يقوم بخلخلة مصداقية الحدث بقدر ما يقدم مصداقية جديدة قوامها الاحتمالية وترك مساحة للمتلقي، والحركة في مساحات الرؤى والمشاعر والإدراكات أكثر من الركض وراء الخبر والنقل فأنا كشاهد "ينظر للأحداث من المحيط عوضا عن المركز" ، كما إن بناء الرواية الشهودية يخرجها من دائرة الاشتباه وإمكانية النقض بشهادة مضادة، إذ تمثل عملية التأطير التخييلي للشهادة عملية استباقية مجابهة، تنقله من الخبر إلى الإنشاء حيث تصبح شهادته الروائية غير قابلة للتكذيب.
من بين الخصائص العديدة المهمة التي يستشهد بها بيڤيرلي بوصفها من صميم أدب الشهادة عموما والرواية الشهودية خصوصها نجده يورد كلا من: خاصية التأليف الجماعي وإعادة توكيد الشفاهية في مواجهة سيادة الكتابة في الثقافة الأدبية. وهذا الطابع الشفاهي حاضر بقوة في السرد الموازي في زمن الخيول البيضاء وفي آلية الحكي داخل باب الشمس فيما يتحول إلى شاهد كتابي مع شخصية رقية في الطنطورية وهو ما سنفصل فيه القول.
في رواية خوري(باب الشمس) طرفان أساسيان للسرد، خليل الطبيب ويونس الأسدي الغائب عن الوعي، ومن خلال أسلوب الالتفات السردي بضمير المخاطب، وهذا الالتفات من شأنه أن يحدث تذبذب بين المتلقي والسامع والمخاطب والمستجيب، وينوع الوظائف التي يقوم بها الرواة، ليضيف إلى الراوي وظائف عديدة، تتجاوز وظائفه العادية، أو يبرز وظيفة على حساب أخرى، ويونس بناء على ذلك له أكثر من دور، مثلما كان له أكثر من اسم.
يونس(القصة) السامع
يونس(الخطاب) المستجيب
هذا على مستوى التلقي، أما على مستوى السرد، فيتبدل الحال مع تعدد مستويات السرد داخل الرواية، ليصبح يونس محكيا عنه وحاكيا في الوقت ذاته، فالخطاب السردي يجمع بين المباشر وغير المباشر من خلال الرواي الرئيس خليل الممرض/ الطبيب الذي توافرت له صيغة خطابية شفاهية يلقي من خلالها على مسامع يونس حكاياته وحكايات يونس ذاته، بهدف إيقاظ الحواس واستحضار الذاكرة واستنطاق التاريخ، والحفاظ على توازنه الذاتي قبل استعادة وعي يونس من خلال الحكي الشفاهي، إذ يطرح خليل في أحد مناجياته ليونس الميت سريريا فكرة الرواية وعدم قدرته على كتابتها مقارنة بقدرته على الحكي" . وثم مستوى آخر كتابي لا يقوم به خليل بل يقوم به راو عليم يتماس مع المؤلف الضمني، وهذا الالتفات السردي كما يحقق هذا التنوع الآخاذ في مستويات الحكي والتلقي، يستدرج القارئ للمشاركة بصورة متدرجة من خلال الانصراف في بدء الرواية عن محور القصة المخاطب فيها، وإنما يحيله إلى موت شخصية أخرى( أم الحسن) يسترسل في وصف وقائع موتها و أثره، " ماتت أم حسن. كل الناس كانوا يعرفون أن صباح هذا الاثنين 20 تشرين الثاني 1995، سوف يكون موعد نبيلة بنت فاطمة مع الموت... ماتت نبيلة زوجة محمود القاسمي " . يسير السرد متدرجا لجذب القارئ شيئا فشيئا، فلم ينطلق من يونس إنما من القابلة أم حسن قابلة مخيم شاتيلا، يقدم فقرة فقرة اسمها وسيرتها، وهي من حضت خليل أن يحكي، فالحكي ولادة من جديد وليس ثمة انفصال بين حكي خليل وميلاد تاريخ يوشك أن يمحوه الزمن، بل لا ينفصل الأمر عن العتبة الأولى التي تروى عن الفقير وبئر الماء وعلاقته بشيخه، وكأن العلاقة بين خليل ويونس هي ذاتها علاقة المريد بشيخه بها يستطيع المريد أن يصل ويحقق المعجزات.
يبرز السرد الشهودي هنا كفعل تحفيزي أو كعلاج لعطب الذاكرة، وبوصفه أداة تنشيط لا لذاكرة يونس في فراشه فحسب، وإنما للوعي العربي كله، ذلك أن الرواية تمتلك الحرية المطلقة في قول أيّ شيء، يوجد دوما منفذ لإعادة معالجة الذاكرة الجمعية"
تقدم روايةُ الطنطورية وعيًا تاريخيًا مغايرًا في إطار سردي تخييلي؛ يجترح الشهادة ويخاتل التخييل والواقع معا، ويؤطر الوقائع بإطار سردي يعطي الواقعة معناها بعيدًا عن ثنائية الصدق والكذب، من خلال بنية سردية تتضمن الشهادات بداخلها في صورة كتابية أكثر منها شفاهية، وفي إطار علاقة تبادلية بين الشهادة التاريخية والسرد التخييلي، فهناك الرواية الشهادة/ بلسان رقية التي تضطلع بدور الراوي الشاهد الأصلي، فيما يندمج داخلها عدد من الشهادات والوثائق والرسائل والتسجيلات الصوتية تضاف إلى تلك الشهادة الروائية الإطار، التي لم يبرز طابعها الشهودي مباشرة على مستوى الخطاب إلا من خلال توجيه مباشر من ابنها حسن"يا أمي ما أطلبه ليس إنشاء بل شهادة. تذكرين ذلك اليوم الذي طلبت منك تسجيل شهادتك عما حدث في بلدنا" ، لتبدأ في تسجيل الشهادة/ الرواية بدءا من لقائها بالشاب(يحيي) الذي طرحه البحر، وإلى جوار الشهادة الكلية تتسرب أصوات رواة وشهود آخرين مثل: أبوصادق وأبو الأمين، وابنتها مريم وهنية وعبد وعز ووصال، حيث ظهر الطابع الشهودي على مستوى القصة جليا من خلال تلك الأصوات التي تحكي ما حدث لها أو عاينته بامتداد النكبة وتحولاتها، مع ما يترتّب على ذلك من آثار جمّة على مستوى بناء الهوية السردية للذات الساردة(رقية) بدءا من العنوان الذي يحمل اسم الرواية، وينسب صاحبتها إلى قرية الطنطورة الفلسطينية، حيث يجمع الاسم المنسوب بين الذات والمكان في بوتقة واحدة، ومن خلال دمج الشهادات في المتخيل وتحول الراوي وتحوله إلى شاهد عيان، والنص إلى شهادة متعددة الصيغ والأصوات في بوتقة واحدة، وهو ما يستلزم تحولا في دور القارئ ليكون في وضع المشاهد والشاهد معًا، وليتردد بين ميثاقين، قرائي حقيقي وآخر تخييلي، إضافة لتفاعله مع النص من خلال التقاطه تفاصيل الأفعال والعواطف ودمجها بمعارفه الشخصية وخبراته السابقة.
ويتميز الراوي الشاهد(رقية) بأنه يقدم خطابا ميتاقصيا يشير من خلاله إلى عملية القص بوصفها شهادة، وصعوباتها وخطورة تذكرها "ورطني حسن. كان الدفتر ينتظر والعنوان يراود والصفحات البيضاء توسوع. ألست الطنطورية؟ غواية" بل إن رقية تنطلق من وعي يتماس مع المؤلفة لتصبح أقرب للميثاق السير ذاتي من خلال الإشارة إلى تشظي الشهادة واهتراء الذاكرة وبقايا نتف تحتاج إلى لمّ شعثها"حكيت النتفة التي عشتها، نتفة متشابكلة مع آلاف النتف، عاشها غيري في الشهور نفسها فهل تكتمل الحكاية إلا بهذه النتف جميعا" . وفي مرة أخرى تفكر أن تمزق ما كتبت وترسل إلى ابنها حسن تعبر عن صعوبة التجربة فيما يصر حسن ويطلب منها تسجيل شهادتها بالصوت" ، وفي مرة ثالثة تتحول هي ذاتها لمستمع لشاهدة ابنها المسجلة مع المؤرخة بيان نويهض الحوت. إن حالة الشك والحيرة والتردد والتساؤلات التي تسيطر على رقية يرتبط بطبيعة سرديات الصدمة وعنف وقائعها مما يفرض أحيانا على الشاهد الصمت أو الإنكار على نحو ما رأيناه في إنكار أمها لموت زوجها وولديها، مما يعرف ب"فوبيا الذاكرة الفجائعية" ومن ثم يأتي استمرار رقية في سرد شهادتها/ روايتها في إطار عملية الاستشفاء من الصدمة، وتضفي هذه الحالة بعدا إنسانيا على الشاهد لا يتوافر في الشهادة الموثقة، بل يتناقض مع طبيعتها التي تستدعي مستمعا مصدقا، لكن وصف حالة رقية يخرجها من هذه الدائرة الضيقة إلى رحابة التخييل السردي الذي يتمثل الواقع ولا ينقله، إذ إن الشك في الشهادة يتطلب خروجها من دائرة الصدق والكذب الأخلاقيين إلى دائر التخييل، ومن ثم تقديم حقيقة نسبية في إطار فني ومن خلال تصوير فني بدلا من التقديم المباشر مما يخرج عن دور السرد الشهودي ويضطلع به المؤرخ، ومن خلاله يتم تقديم صورة مغايرة للواقع" ليست " تسجيلا لسلسلة من الأقوال التي يفترض أن تتفق بحذافيرها مع مجال أحداث أو وقائع خارج النص... ولكن صورة الوقائع التي يبنيها الروائي على هذا النحو يُقصد بها أن تتفق في خطوطها العريضة مع مجال معين من الخبرة الإنسانية لا تقل حقيقتها أو صدقها عن المجال الذي يحيلنا المؤرخ إليه" ؛ لذا يبرز الطابع البشري للشاهد لا بوصفه مجرد ناقل أو مخبر، وهذا دور الخيال السردي الذي يضطله بمجرد النقل إنما يقدم صورة مقنعة لواقع ما أو لشيء خارجي ممكن، فالشهادة التاريخية تعد تمثيلا فعليا لما وقع، فيما يمثل الشاهد التخييلي وفقا لمقتضيات النوع تمثيلا للممكن.
في (زمن الخيول البيضاء) يبرز المتلقي كمستمع شفاهي لمختلف الأخبار والتفاصيل والتعليقات التي تكسر مسار السرد وتخلخله زمنيا، لكنها في الوقت نفسه تؤكد على فعل الشهادة والاستشهاد ومن ثم تدعو هذا المتلقي إلى التصديق المباشر، وأسهم التنوع بين السرد الشخصي واللاشخصي في تنوع وظائف السارد ما بين السارد التقليدي الذي لا يشير إلى ذات بعينها، إلى سردية شفاهية تقوم على المشاهدة والعيان، وتضيف وظائف أخرى للراوي بوصفه شاهد ومعاين للحدث ومن ثم يأخذ كل سمت الشاهد من حرصه على تأكيد المعلومات والقيام بوظيفته التوثيقية ودعوة المتلقي للتصديق تحت شعار: أنا كنت هناك، ومن هنا برز المتلقي في صورة أخرى بوصفها محاورا وليس متلقيا سلبيا، يقول في تعليق النهاية على الخروج من قرية الهادية فنجد يقول، عند انسحاب القائد الإنجليزي أمام القوات الإسرائيلية: ومنذ ذلك اليوم. لم يره أحد. أؤكد لك" ص501
"كانت الأسابيع التي عشناها على جانبي الشارع أكثر قسوة من أيام الحصار. صدقني"
كما يقوم الراوي الشاهد بالتعليق أو الاجتزاء أو الإحالة أو تقديم سردا تاريخيا محضا أو يعبر تعبيرا ذاتيا يبرز حضوره في السرد ومشاركته في الحدث فهو شاهد عيان يتنوع من فصل إلى آخر، فقد يتماس مع شخصية من الشخصية أو يتحول إلى صوت جمعي يبرز ما حضر في الذاكرة الجمعية الفلسطينية، فهو تارة ناجي وتارة عفاف، وهو جموع الفلسطنيين ممن بقوا على قيد الحياة أو هُجروا، هذا الراوي لا يرتبط بكونه مشاركا أو غير مشارك في الحدث إنما يرتبط بقدرته على التذكر وما لديه من مخزون متراكم حوله بوصفه الجزء الأكثر تأثيرا وحضورا، غير أن ما يثير الاهتمام هو أن هذا السرد الشهودي أقدر على تأكيد الهوية من السرد الموضوعي؛ لأنه – بعيدًا عن الصدق والكذب- ذو مرجعية ذاتية خاصة بالراوي / الشاهد، فنجد أنه يتضمن شخصيات تاريخية وقيادات ومجاهدين وشهداء تاريخيين يتم الاتكاء عليهم وفقا لأدوارهم التي جاءت في الشهادات والوثائق والمذكرات.
إن السرد الموضوعي يتعلق بالوقائع والأحداث في إطار عملية التحبيك السردي توافق مخاطبة المستمع الكلي العام اعتمادا على كفاءته العقلية ومن ثم يكون هدفها الاقتناعconviction، أما السرد الذاتي فهو لا يقصد سرد الوقائع بقدر ما يقصد تقييمها ورد فعل الذات الفردية أو الجمعية حيالها أي تبرز موقفه من النكبة وأحداثها ومن ثم تستدعي مستمعا شفاهي مباشرا، ومن ثم فهو سرد يهدف إلى الاقناعpersuasion. فالفئة الأولى تخاطب العقل الإنساني من خلال أشياء الواقع والحقائق والقرائن بغاية إحداث الاقتناع ،والفئة الثانية تخاطب قلب الإنسان من خلال القيم وتقويم الواقع وهو ما يترتبط بحجاجية السرد".
يظل السرد الموازي بطابعه الشهودي مع الجزء الثاني من الرواية تزداد مساحته في الثالث فيما اختفى تماما في الجزء الأول، وفيه نلحظ تنوعا ما بين سرد بضمير متكلم وآخر مخاطب، وتارة مفرد وتارة جمعا ؛ليمثل الذاكرة الجمعية الفلسطينية، كما إن يأخذ شكل التعليق المنفصل عن السرد ليقوم بدوره في خلخلة النسق السردي التقليدي ويضفي بعد شهودي ينظر من محيط الأحداث لا مركزها، " كانت الحياة بحاجة للجميع كي تستمر بهم ويستمروا بها" .كما إنه يبني ميثاقا سرديا شفاهيا يجترح متلقيا مباشرا تتم مخاطبته في إطار من الحكي الشفاهي، فنجد هذا التعليق الذي يتخلل سردية زواج محمود من عفاف، و محاولات سمية إتمامه وما قامت به من رقى وأحجبة والخروج للاستسقاء" صدقني كانت السماء أيامها تستجيب لغنائنا أكثر مما تستجيب لصلواتنا هذه الأيام" وتارة نجده بصوت عفاف(ص257) وتارة أحيانا راويا مجهولا(فلان)، والملاحظ أن نصر الله لا يقصر هذا الخط السردي على الشهادة التاريخية الموثقة بل يقوم بتنويعها حتى تستغرق فصلا كاملا على نحو ما نجده في شرفة النار(ص303 )، ورصاصة في القلب (ص318 )، وصف جنازة عز الدين القسام (ص296)، وأحزان العزيزة (340)، يقول الراوي الشاهد فى حادثة موت ابني العزيزة" اللي بدي أحكيلك إياه، رأيته بعيني هاتين وسمعته بأذني هاتين: وصلت العزيزة بيتنا..." . هنا يأخذ الراوي سمت الشاهد تماما بحاستي السمع والبصر، وقد يظهر هذا الخطاب الموازي في صورة تعليق
كذلك يعتمد هذا المستوى من السرد على المخالفة الأسلوبية والسردية سواء على مستوى الرواة فهو مشاركون في الحدث أو شهود عليه، وفي الأسلوب إذ اعتمد على جملة من الأساليب الإخبارية والتقريرية واللغة الفلسطينية المحكية، واستخدام ضمير المخاطب ليبرز المخالفة من جهة، ويتسق مع الطابع الشفاهي للسرد الشهادي الذي يمثل رؤية الشاهد ومحدودية معرفته، ومحلية تجربته من جهة أخرى.
ولجأ نصر الله إلى تفعيل الفضاء النصي بوضع هوامش في روايته، هذه التقنية لا تكتفي بكسر خطية السرد فحسب، إنما تضيف أبعادا جديدة للتجربة تتسق مع ملحمتيها، حيث تجمع الهوامش بين الاجتماعي والشعبي والتاريخي والتراثي، ومن خلال هذا الهامش " يسلط على حركة السرد قوة المعلومة التاريخية والاجتماعية والموروث الشعبية الإبلاغية وصدقها ونفاذها إلى جوهر المسار السردي في الحكاية" كما نلحظ أنه يدير حوارا بين الهامش والمتن وهي هوامش لا تخلص للسرد التاريخي إنما تتنوع تنوعا واضحا، ما بين التعليق والتأريخ والترجمة للشخصيات والإشارة الموضحة للحدث داخل المتن
3- المقاومة بالحكي(أنا أحكي إذن أنا موجود)
إن الذاكرة السردية لا تتمظهر إلا من خلال فعل الحكي، وعليه فإن سرديات النكبة تقوم بعدة أداور على مستوى الفرد والجماعة، حيث يتحول الحكي لأداة للشفاء من خلال تحويل الخبرة إلى سرد، وعلى مستوى الجماعة يمثل أداة للمقاومة ضد المحو النسيان، حتى يكتب للحكاية التمدد عبر الزمن بوصفها سردية تشكل توجهات المجتمع ورؤيته وإيديولوجيته، وهذه المقاومة تستدعي مستمع متعاطف ومشارك بسبب ما، وهذا ما نجده في سرديات النكبة، حيث يمثل فعل الحكي لدى الشخصيات أحد الأفعال المركزية التي توازي الفعل الواقعي على الأرض، ومن ثم تتناثر عبر الرواية الشهودية شخصيات ذات قدرات متفردة على الحكي من جهة، وذات ذاكرة حاضرة وإن شكت النسيان أحيانا من جهة أخرى، إضافة إلى مروي عليه متعاطف يمثل راوية مستقبليا بحيث تكتسب السردية ديمومتها وقوة حضورها قولا وفعلا وتأثيرا. " ومن دون شاهد تحكى معه القصة، ستطل الفجيعة على السطح مجرد عرض في انتظار من يحكيها، مجرد تمثلات غير مستوعبة" ، وبناء عليه تتشكل ثنائية (الحكي / الحياة) القديمة قدم ألف ليلة وليلة، حيث تحولت إلى تقنية تتوسل بضمير الخطاب لمخاطبة مريض أو غائب عن الوعي بقصد شحذ الذاكرة و إيقاظ الوعي.
تتأسس هذه الثنائية في (باب الشمس) على نوع من الالتفات السردي من خلال تبادل الضمائر الساردة، حيث يحكي خليل(الطبيب/ الممرض ) على يونس الأسدي حكاية يونس ذاته وزوجته وغزواته وحروبه ويصعد به إلى مصاف البطل الأسطوري، ويهبط به إلى هوة الجبن والخذلان. هذه التقنية هي بمثابة التفات شعري وسردي في الوقت ذاته، شعري في شكله من خلال مخاطبة من لا يرد ، وسردي في أنه يقوم بالسرد من خلاله حكايات يونس وزوجته وآله، وغيره من معاصري النكبة، ويرى فخري صالح أن هذه التقنية كانت ضرورية رغم أنها لا تشكل جوهر الرواية، بل هي مجرد وسيلة لتغريب التعبير المباشر عن قضية الشعب الفلسطيني المشحونة بالسياسي والشعاري والأيديولوجي، وهي عناصر كانت ستفقد باب الشمس شرطها الروائي لو أنها تسربت بصورة مفرطة إلى شبكة الحكايات التي يقيمها إلياس خوري في هذا العمل الروائي المركب" ، والعجيب أن خليل الراوي يشير إلى هذا التوازي بين الحياة والحكي، حيث يقول" استخدام هذه "الأو" التي تجعل الذي كان كأنه ما كان، والذي ما كان كأنه كان، فتتساوى القصة بالحياة، فالقصة هي الحياة التي ما كانت، والحياة هي القصة التي ما رويت" ولأنه فعل حياة ضد النسيان والموت والتلاشي؛ لذا نجد أن شخصيات الرواية على كثرتها تقوم بفعل الحكي عبر تقنية توالد الحكي، كحكي أم حسن لإيللا اليهودية وأم عيسى عن ابنها، والدكتور أمجد يحكي عن أمين والمرأة الكردية...إلخ، في الظاهر هذا حكي من الدرجة الثانية يقوم بها خليل للمستمع الميت سريريا يونس، لكن في مستوى أعمق هو سيرة تغريبة الشعب الفلسطيني وخروجه من بلاده وهويته.
في الطنطورية جاءت دعوة حسن لأمه كي تحكي لتفتح المجال لأكثر من شهادة لتصبح شهادة رقية جزءا من شهادات آخرين وأخريات تجسد أيضا وقائع النكبة ومسارات استمرار التغريبة الفلسطينية، ورغم تعلل رقية بعدم القدرة على الكتابة، نجد أن الدعو تلقى صدى يجاور أصداء أخرى وشهادات أخرى وإحلات لكتب وشخصيات تاريخية رئيسة في مسار الحق الفلسطيني الضائع، فتتوقف أمام كتاب بيان نويهض الحوت(صبرا وشاتيلا1982) لتكتب شهادتها كإحدى الناجيات من المجزرة، وما إصرار حسن على تسجيل شهادة أمه إلا إدراكا لخطورة الشهادة وأهميتها في كشف المحتل. وما رحلة كتابة الطنطورية كرواية شهودية إلا رحلة استشفاء رقية من صدمة النكبة وفجيعة الفقد والنزوح.
وفي (زمن الخيول البيضاء) يتشكل المتن السردي بجناحيه، الموضوعي والذاتي من ثلاثة كتب(الريح والتراب والبشر) يمثل الجزء الأول وثيقة قائمة بذاتها على زمن الرجال تتجسد فيه شخصة خالد التي تكتسب أبعادا أسطورية تمتد في الجزءين التاليين مع مقاومة الإنجليز واليهود، في الجزء الأول لا تحضر الشهادة إلا من خلال تشكل حياة كلية قائمة للفلسطينيين على أرضهم لتنفي أسطورة اليهود (أرض بلا شعب) لذا تتشكل زمانيا عبر قرن من الزمن قبيل وعد بلفور وقبيل احتلال الإنجليز لفلسطين والشام، ومن ثم يقدم شهادة تخييلية لعصر رجالاته مثل الخيول التي تمثل معادلا موضوعيا لهذا العصر المشبع بالجمال والفروسية، ولتأكيد طبيعة شهادته جاء السرد موضوعي بصوت راو خارجي عليم يتتبع عادات وتقاليد شعب موغل في القدم، مولع بالطقوس، وغابت أصوات الشهود لتترك الشهادة للحياة وطبيعتها ونسقها الفريد بصورة مباشرة. وكانت النهاية بظهور الضابط الإنجليزي في يوم ريح شبهه الحاج الحاج محمود والد خالد بيوم القيامة. في الجزئين الثاني والثالث برز السرد الذاتي وظهرت أصوات الشهود والرسائل والقرارات والتعليقات مع حضور الإنجليز واليهود بكثافة تستدعي توثيق كثير من الأحداث المتسارعة. والتي سرعان ما تجرف قرية(الهادية) بكل بيويتها وحكاياتها، ومن ثم كثر السرد الاسترجاعي والوصف الموسع لطقوس القرية وأغانيها بمثابة وثيقة وشهادة على أن شعبا كان هناك، وتكررت الحكايات بوصفها حجة، فالسرد -عموما- لا يعرف الحياد، أيا كانت شكله فهو يتضمن موقفا ما يتخذه المخاطب ويبتغي به التأثير في متلقيه، وهو يتخلل كثيرا من عناصره بطرائق وأشكال مختلفة، فقد يبنى على حجج عقلية من قبيل القيم المتفق عليها والأمثال السائرة والأفكار النمطية والأقوال الشائعة، كما قد يقوم على شخص هذا المخاطَب فقد يلجأ السارد أو شخصية من شخصيات الرواية إلى إقناعه بوساطة إثارة أهوائه وانفعالاته وهو ما ظهر في الكتاب الأول(الريح) من تحيز واضح لشخصية خالد وأسطرته هو وحصانه الحمامة، و بناء صورة إيجابية في مقابل المناوئين لها مثل الهباب وغيره. هذا التحيز بني على أفعال الشخصيات بقصد بناء تصوراتنا حولها. مع ملاحظة أن السرد لا يتمركز حول شخصية بقدره اهتمامه بالقرية في كليتها وفي طبيعة حياته وتبدل أحوالها بحضور الإنجليز ثم اليهود، هذه الحكايات تقف حجة على حضور إنسان الهادية وتاريخه بتراثه وطقوسه وأفراحه وحكايته، مع بروز السرد بضمير المتكلم وحضور المتلقي الشفاهي تزايد دور الحكي في بناء الشهادة الروائية، ذلك لأن الانتقال من الغائب إلى المتكلم يرتبط بحجاجية الشخصيات وإقناعها للمخاطب ومن وراءه القارئ. في إطار ثنائية الحكي والوجود أو الحكي المؤسس لهوية البديلة، فلم تعد حكايات الهاوية وأهلها مجرد سرد استعادي لما وقع وانقطع إلى الأبد بل هي محاولة مستمرة لبناء الذات وتأكيد الهوية .
4- شعرية التوثيق
الوصول إلى الماضي لا يتم إلا من خلال الوثائق والسجلات وشهادات شهود العيان والقرارات. ويتم تمثيلها من خلال عمليات استقراء وتفكيك وربط وحذف، لذا يمكن القول إن باب الشمس رواية تكتب تاريخا جديدا، يقوم على دمج الشهادات بالمرويات التاريخية في إطار نسق متخيل، ولم يكن الكاتب بحاجة لما يقوله كثير من الكُتاب من عبارات تليدة في مطالع رواياتهم عن نفي أي تشابه بين شخصياتهم والواقع، إذ إنه أعاد تخليق الواقع وقدم الواقع الكتابي على الواقع التاريخي، رغم أن بذرته موجودة وقارة، لكنها في قاع الخطاب، من خلال التكسير المستمر للسياق السردي، والتكرار والنقض والإبرام بحكي القصة نفيها أو التشكيك فيها ، والتفرع الحكائي بصورة شجرية أصلها فلسطين وفروعها في شتى بقاع الأرض، وبناء على السرد الالتفاتي المتشذر تضيف الرواية للتاريخ ذاكرة أخرى وثائقية فنية؛ لتتحول حكايات يونس ونهيلة إلى حكايات العرب الفلسطينيين الذين كانوا يحاولون العودة إلى فلسطين بعد تهجيرهم إلى بيوتهم القديمة التي سكنها آخرون.
وتلجأ رضوى عاشور إلى التوثيق من خلال شجرة العائلة التي هي ذاتها شجرة الطنطورة، وكل قرية فلسطينية تم محوها، كما نراه في زمن الخيول البيضاء من خلال ثلاثة أجيال توازي ثلاثة أشكال من الاحتلال، لكنها توثق حضور الإنسان الفلسطيني على أرضه، ويعكس الامتداد التاريخي للرواية الشهودية هذا السمت التوثيقي. فكاتب الرواية الشهودية لا يكتفي بأن يخرج الوثائق والشهادات إلى النور بل تقوم باصطناع وثائق جديدة، ذات حقيقة تاريخية مغايرة، تحمل معنى مغايرًا، ورغم تجذرها في الوثائقية إلا إن لها منظورها الخاص، فيظهر لنا أن ما هو وثائقي قد مسّه المتخيل والمشكل والمبتدع مسّا لا مفر منه"
ووما يلفت الانتباه في السردية الشهودية الاحتفاظ بعدد غير قليل من المشترك السردي الذي تفرضه طبيعة الأحداث ومجرياتها، وما له وقع وأثر يصعب محوه من الذاكرة، إن أحداث النكبة تمثل كلها وقائع ممكنة أي إمكانية سردية تنتظر من يختارها للسرد ليضفي عليها معنى، فالشهادة تقترب من معنى الحدثEvent أو واقعة عند المستوى الأول، فيما تقوم الرواية الشهودية بتحويلها إلى واقعة Fact، من خلال دمجها في سياق اجتماعي وثقافي أكثر اتساعا لتصبح واقعة أكثر قبولا ومصداقية لا صدقا. فجنائز الثوار الكبار لها حضورها كجنازة عبد القادر الحسيني في الطنطورة وجنازة عز الدين القسام في زمن الخيول البيضاء. كذلك العملاء- على سبيل المثال- ممن يعرفون برجال الخيش فهو في باب الشمس أبو كيس" كان على عبد العزيز يضع على رأسه كيس خيش له ثلاثة ثقوب" موضوعة تتكرر في الطنطورة" رجل يقف بجوار معسكر اليهود ورأسه مغطى بكيس من الخيش به ثقبان" ، وأحداث عزل الشباب والرجال وإطلاق الرصاص عليهم، والحرص على التسمية تسمية القرى والطرق والعائلات ترتبط بدور الرواية الشهودية في الحفظ على التراث الفلسطيني ومقاومة المحو.
إن ما نقصده في التوقف أمام العلاقة بين الوثيقة بالمتخيل في الرواية هو أن خلخلة النكبة وتفكيكها إلى جملة من الأحداث والوحدات القصصية الصغيرة يمثل ضرورة سردية تتحلق من حولها، بل تتأسس عليها كل الخيارات السردية وكل الإمكانات الأسلوبية البلاغية المتاحة للكاتب، ومنها الالتفات بصور وأشكال مختلفة، وليس هدفها مجرد كسر السرد أو إيقافه، حيث السرد بطبيعته داخل الرواية متشذر، متقطع؛ إنما الأمر يتعلق بالخروج من أسر التاريخ أو التسجيل الواقعي للأحداث، وحث القارئ على الفعل والمشاركة وليس مجرد التأثر الانفعالي، فرغم أن الرواية الشهودية تعتمد على عشرات الشهادات والوثائق عن تاريخ فلسطين إبان نكستها وتغريبة أهلها، إلا إن همها الأساسي هو كيفية تعشيق تلك المعارف والشهادات والحكايات في نسق لا يقبل المنازعة أو الدحض، نسق قابل للاستمرار والمقروئية، دون تشكيك، وهذا فارق أساسي بين الرواية والتاريخ، ولم يجد سوى السرد الروائي ليحقق له مقاصده الفنية وغير الفنية، ولنضرب مثلا بالتسمية في الروايات الثلاثة، فرغم وجود أسماء تاريخية في رواية باب الشمس بإحالتها للواقع التاريخي، إلا إن تصرف الكاتب في أسماء المتخيل منذ اللحظة الأولى للسرد يبرز الجانب التخييلي ويعليه عما سواه، فثمة تنوع واسع في الأسماء والأعلام، يربطه أحد الباحثين بالوظيفة الإيديولوجية للرواي بقصد الإفادة من النعوت والألقاب الراسخة في المورث الشعبي، وإشارة إلى انتشار الأسماء الحركية وتعددها لنشطاء الثورة الفلسطينية"
والاسم يضفي هوية ذاتية على الشخصية؛ وتنوُّعُه ذو دلالات تتجاوز مسألة الهوية إلى الرمز فهو علامة إيجابية وسلبية، كذا نجده يشير إلى بعد أسطوري يكتسبه المسمى بألقاب وكنى مختلفة، بناء على ما صدر من أعمال وبطولات، ولكن من جهة أخرى يشير إلى عدم الاستقرار واضمحلال الهوية وعدم ثباته، ويؤكد المشاكلة بين الدال والمدلول، أوالشخصية وواقعها، نبدأ من أم حسن القابلة التي ماتت في بدء النص حيث تتوزع أخبارها عبر كنيتها واسمها:" ماتت أم حسن... مات نبيلة زوجة محمود القاسمي... 20 من تشرين 1995 سوف يكون موعد نبيلة بنت فاطمة مع الموت" ، حيث انتقل الراوي من الكنية إلى العلم وقدم من خلال ذلك بعض الأخبار عن حياتها ووظيفتها، وأولادها بصورة تعبر عن عدة استراتيجيات للحكي سوف ينتهجها بطول الرواية، منها التكرار والتشذير ودمج التاريخي بالمتخيل والالتفات، أما الصورة الأوضح للتسمية ودلالاتها فهي شخصية يونس الأسدي( المروي عليه) الراقد على فراش الموت، حيث تشكل الأسماء ضرورة وجود، فما لا يسمى لا وجود له، ومن هنا كان التركيز على الأسماء أسماء الشهداء والأماكن والقرى كجزء من وظيفة السارد الأيديولوجية، ففي لحظة ما يسأل خليل يونس الأسدي" هل نسيت اسمي... ما اسمك؟ في المخيم يسمونك أبو سالم وفي عين الزيتون أبو إبراهيم، وفي المهمات البعيدة أبو صالح، وفي باب الشمس يونس وفي دير الأسد الرجل، وفي القطاع الغربي عز الدين. أسماؤك كثيرة وأنا لا أعرف ماذا أدعوك"، فكثرة مسميات يونس رغم أنها علامة شهرة ورمز تتسع دلالته لتشمل كل إنسان فلسطيني يحب وطنه ويدام العودة إليه، إلا إنه دال ارتحال ونزوح لا ينتهي، ودال تخفي واستتار خوف من بطش العدو، بل صار علامة تفسخ للشخصية حيث تفقد الأسماء دلالتها،
إن الأسماء هي إسقاطات ثقافية ذات مرجعيات مختلفة دينية وأسطورية واجتماعية وسياسية، والأمر نفسه يحكيه خليل عن نفسه": الاسم ليس مهما، ففي تلك الأيام كانت أسماؤنا كلها مستعارة أنا مثلا لم يكن اسمي خليلا، كان اسمي أبو خالد، رغم أني أردت تسمية نفسي جيفار". فالالتفات من علم إلى كنية إلى لقب رغم أنه تقليد بطولي على مستوى القصة إلا إن دلالته خلاف ذلك على مستوى الخطاب، بل إن الشخصيات في عدم اهتمامها بالتسمية في مرحلة تعبر عن خذلان حين ترى الشخصية فراغها وعدم قدرتها على الفعل، أو إيقاف الهزائم والتغريبات المستمرة، فكلاهما- خليل ويونس- لا يستطيع أن ينسب نفسه للفدائيين ممن تتغير أسماؤهم بتغير بطولاتهم وأماكنها، هنا يفقد الاسماء والألقاب معانيها وتخلو من شبهة الزهو والافتخار لصالح الشعور بالضياع والهزيمة. بل كان اختلاط الاسماء جزء من الفوضى العارمة التي أعقبت النكسة،" حتى الاسماء اختلطت، صار الاسم يطير من صاحبه ويغط على إنسان آخر، حتى الأسماء لم تعد تعني شيئا" ، وفي مقابل الحركية الاسمية ليونس نجد رسوخا تاما لمسميات الأمكنة والقرى المبادة والمخيمات والجبال بدءا من اسم المغارة التي عاشت فيها زوجته والمعنون به عنوان الرواية.
في رواية الطنطورة تبرز بطولة المكان بدءا من عتبة خريطة فلسطين في بداية الرواية مرورا بنسبة الراوي الشاهد إليها، ومع توالي سقوط القرى والمدن الفلسطينية يتواتر ذكر أسماء القرى والشوارع وأشهر المعالم من ساحات ومراكز ودور سينما ومدارس، بحيت تتحول الخريطة المرسومة كوثيقة في أول النص إلى خريطة مكتوبة ومنسوجة في إطار حياة اجتماعية لشعب على أرضه، ومع توالى أحداث النكبة، تصبح الطنطورة هي المركز الذي تعاود الشخصية استحضاره مع كل تغريبة سواء في مصر أو بيروت أو أبو ظبي، ومع التقاء عرب الداخل بالنازحين واللاجئين نجد أن التعارف لا يكون بالأسماء إنما بالقرى والأمكنة التي تم محوها أو تعرضت للتهويد، كاسترجاع صيدا ومعالمها والتعارف بالمكان" نحن من حيفة... من أم الفحم...من عكا...نحن من عرابة. ...من صيدا...من سخنين...من اللد...من الطنطورة" ، هذا الولع بأسماء الأماكن يعبر عن التشبث بالأمكنة ولو محيت ومحاولة بعثها عن طريق الشهادة وهو ما يبرز من منظور رقية التي لا تسترجع في نهاية الشهادة للاجترار أو البكاء، إنما تصطنع الأمل من خلال الحكي.
أما نصر الله في زمن الخيول فيجمع بين التخييل والتوثيق على مستوى الأسماء، وهو إن كان ينفي التشابه فإن ضخامة الحدث والامتداد الزمني ثم التوقف عن لحظة النزوح من الهادية أتاح تصليت الضوء على المدن الأساسية ومعالمها التي جاءت في الوثائق والمذكرات المعتمدة، إذ التركيز كان على الإنسان الفلسطيني في حضوره كإنسان، ومن ثم كانت الهادية هي زمز لكل قرية فلسطينية مستعمرة يهودية تبدأ في اقتطاع أرضها جزءا جزءا وتقتل أهلها وتدفع الباقين إلى النزوح.
كذلك تلجأ الرواية الشهودية إلى توثيق حياة الشعب بكل تفاصيلها الاجتماعية والاقتصادية والحياتية ومن ثم احتفت الروايات الثلاثة بتوثيق كثير من الطقوس والممارسات التقليدية والفنون الشفاهية عبر الاستخدام الواعي و المألوف لها بحكم طبيعتها المستمدة من الأداء الشفاهي والفنون التقليدية، حيث تمثل تلك الأشكال التقليدية الأصيلة تعبيرا عن الهوية الفلسطينية وخصوصيتها، ومن ثم نجد الأغاني الفلسطينية كأناشيد الأعراس وطقوس الزواج والرقى والجنائز وفنون الأداء المختلفة كالرقص بالعصا والخيول وموسم قطف الزيتون وعود الحجيج والأعراس تتناثر بكثرة في الرواية الشهودية بما يبرز الهوية من جهة والمقاومة التي تبرز على مستوى القصة من خلال العرس الفلسطين ومحاولة التأقلم وإبراز إنسانية الإنسان الفلسطيني دون تهويل أو تبخيس فهو إنسان له أفراحه وأتراحه وأخطاؤه، لكنه لا يذوب في الآخر، إلى جوار تقاليد السرد الشفاهية التي تظهر بوضوح في الرواية من خلال تنوع الرواة في زمن الخيول البيضاء ودخول الأصوات الجمعية والفردية بضمائر مختلفة بوصفها سردا متاخما للرواية الأساسية، كذا نجده في مهارات الحكي التي تتسم بها معظم الشخصيات في رواية الطنطورية وباب الشمس، فتقابلنا مئات الحكايات التي تمتح من مخزون الذاكرة الفلسطينية حول النكبة وما قبلها وما بعدها وهي في معظمها مؤسسة على نواة صلبة تمتح من الواقع الحدث وتؤطره وتقوم بتسييقه مع البناء الكلي للسرد. كما ظهر الاهتمام بالأغاني والأمثال الشعبية الفلسطينية واضحا في الطنطورة وزمن الخيول البيضاء .
5- البنية الحوارية للشهادة
البينة الحوارية للشهادة تبرز مباشرة بُعد الثقة الذي تحويه: إن الشاهد يطلب أن يصدق. إنه لايكتفي أن يقول: لقد كنت هناك، بل يضيف: صدقوني. إن الموافقة على الشهادة لا تكون كاملة إلا عن طريق الجواب كصدى لذلك الذي يتلقى الشهادة ويقبلها" ، لكن في مقابل ذلك نجد أن الأمر لا يتوقف عند مجرد طلب التصديق الذي يتجاوزه أحيانا إلى نوع من التحدي على نحو ما وصفه ريكور، هذا التحدي يتمثل في طلب شهادات أخرى تؤازر الشهادة وتؤكد صدقها، هذه الخطوة الثالثة من شأن الكاتب الذي يقوم بتجميع الشهادات المختلفة عن حدث واحد، وإضافة معنى له من خلال تحويله إلى وقائع ووضعه في سياق حبكة وتسلسل سردي، إن نمط سرد ما بعد الحداثة على وجه الخصوص أسهم في " إعادة التفكير العام الراهن بطبيعة الدليل الوثائقي، فإذا كانت السجلات المحفوظة مؤلفة من نصوص، فهي عرضة لجميع أنواع التوظيف وإساءته...وحتى ما كان مقبولا كدليل وثائقي قد تبدل. ولا ريب في أن مكانة الوثيقة تغيرت: لأنه صار من المسلم به أنها لا تقدم اتصالا مباشرا بالماضي، لذا يجب أن تكون تمثيلا أو بديلا من خلال إعادة التشكيل النصيّ للحدث الخام، ومع أنه يوجد في الخرافة مابعد الحداثية توجه متناقض نحو السجل، هناك نزاع مقاوم لسلطته"
إن ما نقصده هنا هو أن الشهادة تقتضي التفاتا، وتستلزم وجود شاهد يرويها، ولا يقتصر الأمر على تأكيد الوجود الحقيقي له وواقعية ما يرويه، وإنما يحمل معه تحلل الكاتب من كل ما يروى، إلا كونه متلقيا أو مستمعا للشاهد، وفي باب الشمس نحن أمام جملة رواة وشهود إلى شهود مستمعين داخل النص(يونس) وخارجه( القارئ)، وعلى أية حال يمكننا القول بأن الالتفاتات المتنوعة من ضمير إلى ضمير ومن راو إلى راو كفلت جدلية خطابية على المستويات التالية:
– العين والأذن
– الشفاهة والكتابة
– الرواي والقارئ
– الماضي والحاضر
– القصة والخطاب
– ضمير المتكلم وضمير المخاطب
بحيث ينفلت النص من إحادية الإنتاج مهما قيل عن مطابقة الشهادة للواقع. إضافة إلى أن كل عودة إلى الماضي هي في ذاتها " مسألة تمثيل، أي مسألة إنشاء وتأويل، وليست مسألة تسجيل موضوعي" وهو ما يضطلع به السرد بصورة مغايرة عن التاريخ، حيث يفرض شكلا خطابيا مغايرا على الأحداث؛ لذلك نجد أن السرد يلتفت بخفة من ضمير المتكلم وهو السائد إلى ضمير المخاطب الموجه للشاهد الموثق للشهادة، لأغراض بلاغية منها لفت الانتباه لنقطة ما أو حدث مهم، إحداث فصل بين الأحداث، أو أنه بمثابة وقفة زمنية لالتقاط الأنفاس، وأخيرا جذب القارئ وكسر الرتابة من السير في اتجاه واحد.
ومما يلحظ أيضا أن الراوي الرئيسي( خليل) في رواية باب الشمس يلح على الطابع الشفاهي للحكايات التي يرويها مباشرة أو غير مباشرة، هذا الالحاح مبني على الطابع الالتفاتي للسرد، به تتأكد أهمية ضمير المخاطب وإمكاناته الفنية في توزيع الأصوات الساردة، والتأكيد على آنية الحكي في الوقت الذي يتم انفتاحه على ماض مترامي الأطراف، ولأن الراوي يؤكد على طابعه الشفاهي نلحظ أن الالتفات الميتاسردي يتم على هذا المستوى خلافا للميتاسرد الشائع في الرواية العربية المعاصرة، إذ يقوم الميتاسرد على عملية الكتابة وإنتاج نص مكتوب أما خوري فيركز بالتفاتاته الميتاسردية على الحديث أو الحكي الشفاهي، بل ينفي الكتابية، وهو ما يُطلق عليه Metatalk أي الحديث عن الحديث.
في رواية زمن الخيول البيضاء يحرص إبراهيم نصر الله على هذا البعد الذاتي الذي توفره تقنية الشهادة بما يتضمنه من سرد شخصي يوازي السرد الموضوعي الذي يقوم به الراوي الغفل، يعتمد على راو/شاهد بضمير المتكلم المفرد أو الجمع ليستدعي مستمعا مباشرا ، وهو ما يبرز الطابع الحواري المباشر الذي يقوم عليه هذا الصنف من السرد في إطار بولوفنية سردية تتسق مع طابعه الملحمي. هذا السرد الذاتي يوجه إلى آخر بضمير المخاطب(أنت) وهو ما يتيح " إمكانية لتبادل الأدوار" بينهما، بما يوفر ديمومة للشهادة في سلسلة تضمن الحفاظ على الحكاية الذي هو حفاظ على هوية الإنسان وهوية المكان الذي تم محوه، كذا يعبِّر السرد بضمير المخاطب عن تعلق عاطفي كبير حيث" إن العلاقة الحوارية التي يضعها في مركزه تسمح بمعالجة متعمقة للعلاقات الإنسانية، خاصة العلاقات المحفوفة بانشقاقات عاطفية شديدة وتوترات"، ومن خلاله يحاول هذا الشاهد المتكلم الذي يقف بعيدا عن وقائع النكبة أن يبرز إيديولوجيته ويمارس تأثيره في المستمع، كما يؤكد في الوقت ذاته صدق السرد القائم داخل المتن بوصفه سردا شهوديا لوقائع حدثت ولا تحتمل الشك.
وليس القصد مجرد الإقناع بصدق ما يرويه ذلك أن الحرص على الإقناع والتصديق لا يلازم ضمير المتكلم، بل إن تكراره للفعل (صدقني) في أكثر من موضع يجعله في مرمى الشك وهو مقصود لأنه" يعبر عن الحقيقة النسبية الذاتية للواقع وليس عن الحقيقة الموضوعية المحايدة، وميزة تلك الحقيقة أنها تستحضر القارئ وتلتفت إليه وتدعوه إلى البحث والتأكد بذاته، كما إن تلك الحقيقة الذاتية المشوبة بعنصر العاطفة والحماس والانبهار بفورة الحدث لحظة وقوعه" ، ولعل الأكثر بروزا هو أن الثقة فيما يروى لا تنبع من الراوي والثقة فيه وبشهادته على الحدث إنما من طريق العرض وحضور القارئ كمشاهد يرى الأحداث بنفسه، ولا تروى له عن طريق وسيط، فالنكبة بتفاصيلها تقدم في عرض مباشر للقارئ الرائي الذي يحكم على الأحداث بنفسه، فيما يتحول في السرد الشهودي إلى مستمع للشهادة من خلال الراوي الشاهد، وما يتبعه ذلك من تحول من الموضوعي إلى النسبي ومن التخييل إلى الإيهام.
أخيرا يلاحظ أن تعدد مستويات السرد وتنوعه ما بين: العام، والخاص ينجم عنهما نوعان من المتلقين، فثمة سرد عام له جمهور عام، غير محدد جنسيًا، وسرد خاص له جمهور خاص محدد مستمع مشار إليه داخل النص يتشكل فنيًا وفقًا لمواقفه من السرد سواء بالشك أو التعجب أو الإنكار بل والكلام أحيانا، "ويسترعي السرد العام قيام علاقة بين مباشرة بين القارئ أو القارئة وبين المروي متلقي أو متلقية السرد، ويعمل جليًا على أقصى درجة من تقريب العلاقة بين طرفي التأليف-القراءة. أما في السرد الخاص تكون علاقة القارئ أو القارئة غير مباشرة وأقرب إلى أن تتم "عبر" شخصية النص" هذا التعدد يعبر عن وعي ذاتي يكسر الخطاب الأحادي ويعبر"عن وعي صاحب الخطاب أنه يخاطب جمهورًا ويبث رسالة" لكنه في الوقت نفسه يضع القارئ أمام مسؤولية ذاته ويدعوه إلى تصديق دعواه، بناء على تصور أن البعد الزمني للشهادة قد يزيد من احتمالية التشكيك فيها.
أما حوارية السرد في الطنطورة فتتأتي من تعدد الشهادات وأشكالها ما بين مكتوب ومسجل صوتيا ومحكي شفاهي، إلى جوار أشكال أخرى من الوثائق كالصحف والكتب والصور، مع الاحتفاظ بالصوت السردي لرقية بوصفه الشهادة الإطار التي تتضمن مختلف شهادات أهل الطنطورة في بوتقة فنية واحدة تؤكد النكبة ومساراتها وتبرز أهمية الشهادة في بناء الهوية الفلسطينية المفقودة.
ثبت المصادر والمراجع:
أولا المصادر:-
1. إبراهيم نصر زمن الخيول البيضاء،الدار العربية للعلوم ناشرون، منشورات الالختلاف، ط6 بيروت 2012،
2. إلياس خوري، باب الشمس، دار الآداب، ط6 بيروت، 2010
3. رضوى عاشور، الطنطورية، ط2 دار الشروق، القاهرة2012
ثانيا المراجع العربية:-
1. إدريس الخضراوي، من التاريخ إلى الرواية، الذاكرة الجمعية مصدرا للسرد، تبين، المركز العربي للابحاث ودراسة السياسات، الدوحة، ع33/ مج9، صيف 2020، ص79: 100
2. إلياس خوري، النكبة مستمرة، دار الآداب، بيروت 2023
3. حاتم عبيد، الخطاب على الخطاب مظهرا من مظاهر التفاعل في الخطاب الجامعي، مجلة كلية الآداب بجامعة القيرواان، ع9، 10، تونس 2013، 67، 106
4. خيري دومة، أنت (ضمير المخاطب في السرد العربي)، الدار المصرية اللبنانية، القاهرة 2016،
5. سعيد بنكراد، السرد الديني والتجربة الوجودية، قصة إبراهيم نموذجا، مجلة علامات، ع39، المغرب2013،
6. سعيد بنكراد، السرد الروائي ومراتب المعنى، المركز الثقافي العربي، بيروت2008
7. عبد الرحيم الكردي، الراوي والنص القصصي، مكتبة الآداب، القاهرة2006
8. فخري صالح، قبل نجيب محفوظ وبعده، دراسات في الرواية العربية، منشورات الاختلاف، ط1 2010
9. محمد صابر عبيد، جماليات السرد بالتاريخ رواية زمن الخيول البيضاء أنموذجا، أفكار، ع264 أكتوبر، الأردن 2010، ص7: 19
10. الهادي غابري، وظائف السارد في رواية باب الشمس، مجلة علامات، النادي الثقافي بجدة، ج59، مج15، مارس 2006، ص348
11. وجيه كوثراني، الذاكرة من منظور مؤرخ، تبين، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ع33/م9، صيف 2020، ص13: 29
ثالثا المراجع الأجنبية المترجمة:-
1. آيرين كاكانديث، المتحدثون، الأدب وانفجار الحديث، ت خيري دومة، المركز القومي للترجمة، القاهرة 2016
2. بول ريكور، الذاكرة ، التاريخ، النسيان، ت جورج زيناتي، دار الكتاب الجديد المتحدة، ط1 بيروت 2009م،
3. جولا كريستيفا، الكلمة والحوار والرواية، ت حسن المؤدن، فصول، ع89/90 ربيع صيف 2014، ص32
4. جيرالد برنس، قاموس السرديات، ت السيد إمام، دار ميريت، القاهرة 2003
5. جيمز فيلان، الأحكام السردية والنظرية البلاغية للسرد: رواية الكفارة، ضمن كتاب الرفيق غلى النظرية السردية تحرير جيمز فيلان وبيتر رابينوفيتز، ت محمد عناني، المركز القومي للترجمة، القاهرة2023
6. روبرت إيغلستون، الرواية المعاصرة، مقدمة قصيرة جدا، ت لطيفة الديلمي، دار المدى 2017م،
7. شاييم بيرلمان، لوسي أولبرخت تيتكا، المصنف في الحجاج، الخطاب الجديدة، ت محمد الولي، دار الكتاب الجديدة المتحدة، ليبيا 2023
8. كارين كابلان، السيرة الذاتية المقاومة، الأنواع الأدبية الخارجة على القانون والذوات النسوية عبر القومية، ت هالة كمال، ضمن كتاب المرأة والذاكرة،
9. ليندا هيشتون، ما وراء القص التاريخي: السخرية والتناص مع التاريخ، ت أماني أبو رحمة، ص8
10. هايدن وايت، شعرية التاريخ، ت ثائر ديب، مجلة أسطور، مركز الدراسات والأبحاث العربية، قطر، عدد 4 يوليو 2016
11. هايدن وايت، محتوى الشكل، الخطاب السردي والتمثيل التاريخي، ت نايف ياسين، هيئة البحرين للثقافة والآثار، ط1 المنامة 2017
12. هايدن وايت، مدارات المجاز في الخطاب، مقالات في النقد الثقافي، ت محمد عناني، المركز القومي للترجمة، القاهرة2023
رابعا المراجع الأجنبية:-
1. Fludernik, Monika :Second-Person Narrative as a Test Case for Narratology: The Limits of Realism. Style 28(3) (1994: 445– 477
