الأربعاء ٢٣ أيلول (سبتمبر) ٢٠٢٦
بقلم أمامة قزيز

البورتريه في رواية قناع بلون السماء

ـ رؤية بلاغية شعرية ـ

الرواية شأنها شأن كل تمثيل فني للعالم، تضطلع بمهمة إعادة إنتاج الواقع وصيانة الوهم، وذلك بوصفها فن محاكاةٍ وخلقاً للخيال في الوقت نفسه، وبالتالي فهي " مطالَبةٌ وفقا لوظيفتها الأولية على الأقل، بأن تعطي الشعور بالحقيقة، فتعمد من أجل ذلك إلى تقديم مواقف يقبلها العقل، وشخصيات مُشاكلة للواقع، ومحيط زمكاني يمكن التعرف عليه وإيجاد شبه بينه وبين الواقع" وهذا ما تجسده رواية " قناع بلون السماء" من حيث حرصها على تمثيل بورتريهات تشاكل واقع الفلسطيني المنكوب. بيد أن التمثيل لا يقتصر على المعاينة المباشرة لمظاهر الواقع المأزوم، بل توصيفات نفسية وجسدية تختزلها رمزية القناع؛ قناع "أور شابيرا" الذي تقمصه بطل الرواية " نور الشهدي" إذ قال مخاطبا صديقه " للاسم مناعة يا مراد وللقناع حصانة" . وفي نفس الوقت ينوه البطل بما أسماه في أكثر من موضع ب" التفاصيل الكولونيالية"، دون أن تستجيب الرواية إلى معايير الكتابة الكولونيالية كما حددها إيف ستالوني في معجمه . فالرواية تجمع بين الكولونيالية في معناها الرسمي على لسان شخصيات صهيونية مثل "أور شابيرا" و"أيالا شرعابي" وبين مناهضة الكولونيالية والانتصار لصوت النضال لأبناء الأرض " نور الشهدي" و"سماء إسماعيل". كلها شخصيات شكلها الراوي وتفاعل القارئ معها، مما أضفى عليها بُعداً بلاغيا شعريا. فالمعاناة الحقيقية للروائي في حياته بين أسوار المعتقل، وحِمْل القضية تحولت بقدرته التخييلية إلى عمل مفعم بالطقوس السردية والأخلاقية ذات السمات الشعرية المعبرة عن اغتراب الذات داخل وطنها الذي لم يعد وطنَها، فالتعارض حاضر بقوة الاحتلال بين الوطن واللاوطن، الانتماء والاجتثاث، بين التاريخ والتزوير.. فالبطل نور شكل العزلة في الوحدة، والأمل من دون مستقبل، والحضور في الغياب.

نور الشهدي بطل يطرح إشكاليات عدة على رأسها المقاومة بين رؤية تقليدية يمثلها صديقه المسجون مراد، وأبوه المحبط الذي شبهه بالعربة المقيدة بالسلسلة الصدئة بسبب انهماكه الصامت ـ منذ خروجه من السجن ـ في بيع الشاي والقهوة من عربته وهو يتنقل بها بين دروب المخيم، وبين رؤية مستحدثة تحتاج إلى وسائل وسبُل عصرية تُمكِّن الفلسطيني من فهم واستيعاب التفاصيل الكولونيالية الدقيقة. إذن ما زلنا مرتبطين بشخصية البطل بصفتها عنصرا يتيح تتبعُ مساره توليدَ المعنى " فالتفكير في الشخصيات هو تفكير في سيرورة إنتاج الدلالة، أي التفكير في المسار التوليدي الذي يسمح للمعنى بالتحول إلى شكل قابل للإدراك" وهنا لا تبقى الشخصية تابعة للحدث أو منفعلة به، وإنما تصبح جزءا مكونا وضروريا لتلاحم السرد. وهذا مما يتماشى مع رؤية فنسنت جوف الذي نفى اعتبار الشخصية مجرد كائن ورقي مُختزل في إشارات نصية، لأنها مقاربة متعالية سرعان ما تنهار عند النظر إلى العمل الأدبي من منظور التواصل، فالرواية مصمَّمَة لتُقرأ، وبالتالي لا يمكنها تجاهل وجود حدٍّ أدنى من الوهم المرجعي. حتى في أكثر الأعمال تجريبية يظل هناك عنصر أساسي من الواقعية يسمح للقارئ بالانخراط نفسيا مع النص. وهذا مما لا يداخله الشك في شخصية نور الشهدي التي لا يمكن اعتبارها مجرد نسيج من الكلمات أو مَحْوها كما قال هامون "فقد تنمحي الشخصية أمام الوظيفة التي كُلفت بالإعلان عنها"، بل الاعتراف بزخمها النفسي والأخلاقي والإيديولوجي، لأن معرفة القارئ بفلسطين وظروف أهلها مع الاحتلال الإسرائيلي تؤثر على كيفية قراءة رواية " قناع بلون السماء" فيقول جوف في هذا الصدد " لا يكفي أن نقتصر على وصف الشخصيات بشكل شكلي ووظيفي. فالسؤال عن ماهية الشخصية يجب أن يتبعه سؤال آخر: ماذا يحدث لها أثناء القراءة؟ أو بطريقة أخرى؛ كيف ولماذا ) أو لأي أغراض (يتلقاها القارئ؟" يشير هذا إلى تفاعل القارئ مع الشخصية خلال القراءة، وهو جانب أساسي لفهم دور الشخصية في النص الأدبي. ويخلص بقوله " إذن تأثير ـ الشخصية هو مجموع العلاقات التي تربط القارئ بشخصيات السرد" وبالتالي سنسلك في تحليلنا لبورتريهات الرواية مسلك إظهارٍ وإبرازٍ لهوية الكائنات الروائية، عبر تفعيل المرجعية التي يقدمها النص مع ما يتماشى مع سياقه الخارجي؛ وهذا بالضبط مما يؤثر على الصورة الذهنية للشخصية ويميزها عن رؤيتها البصرية. و" تبقى الوظيفة العملية) أو المرجعية (للغة حاضرة دائما، كامنة وراء وظيفتها الشعرية) أو الأدبية (فالمتلقي مضطر إلى تحويل إشارات النص إلى ما يقابلها في العالم الخارجي"

ـ البورتريه المتفاعل في "قناع بلون السماء"

سلك خندقجي سبيل المخاتلة في سرديته؛ افتتحها بتقمص السارد دور المستعمِر في شخصية " أور شابيرا" والقيام بأفعاله وأقواله، ثم مخاتلة من نوع آخر مع صديقه "مراد" المعتقل في سجون الاحتلال؛ أساسها المعاكسة للتفكير النضالي في حلته التقليدية، والمخاتلة أيضا في استعراض شخصيتي أيالا شرعابي اليهودية الصهيونية، وسماء إسماعيل الفلسطينية من عرب الداخل/ حيفا. هذه المعاكسة تشكل العمود الفقري للبناء الحكائي الذي قامت عليه رواية " قناع بلون السماء"، وتنضاف إلى فقراتها مقابلات معاكِسة بين العديد من الثنائيات أبرزها تاريخ مريم المجدلية بين الحقيقة المدفونة تحت أرض قرية مجدلون، وبين ما هو مدون في الأناجيل الأربعة الرسمية. كذلك إنسانية نور الشهدي التي تلغيها إنسانية أور شابيرا والعكس يصدق أيضا. ثم المعاكسة بين أنوثة سماء إسماعيل القريبة من قداسة مريم المجدلية، وأيالا شرعابي كما جسدتها أوصاف نور الشهدي وأحلامه الشبقية.

سنحاول التركيز على الاستراتيجيات النصية التي تلامس موضوع البورتريه داخل الرواية، في سبيل تحديد الإطار العام للموضوع الجمالي الذي تمثله الرواية باعتبارها موضوعا فنيا، وباعتبار أن " طبيعة المعنى الجمالي تهدد باستمرار بتحويل نفسها إلى تحديد وصفي، وبمصطلح كانط، إنها ذات طبيعية ملتبسة، فهي جمالية في حالة، ووصفية في حالة أخرى" . وسنذكر أهم المحطات التفاعلية للبورتريهات داخل الرواية ما دامت تتمحور حولها بشهادة بطلها وهو يقول " إنها الملامح إذن!".

١- استراتيجية تشييد بورتريهات مناقضة للنمط:

مريم المجدلية

يريد البطل أن يكتب رواية عنها تُناكف السرديات المدوَّنة في الأناجيل الأربعة، فيقرر البحث عن آثارها المدفونة على الشاطئ الغربي لبحيرة طبرية) قرية مجدلة (أو في كنيستها على سفح جبل الزيتون، وعن كنزها) عطر الناردين والشياطين السبعة (المخفي في وادي اللجون. فالبطل لا يبحث في الوجود التاريخي للمجدلية، بل يريد تشييد وعي تاريخي خاص بالقرن الأول الميلادي، لتفكيك مفهوم الخاطئة وبناء بورتريه جديد لمريم المجدلية " حيث نجد في إنجيل فيليب الذي حظرته الكنيسة الرسمية نقطة ارتكاز يمكن البناء عليها في رسم ملامح شخصية المجدلية بأبعادها الصوفية والغنوصية والروحية" فاغتراب البطل في أرضه من اغتراب المجدلية التي اتهمت بالخطيئة. وصاغ مقارنة بين الخطاب البطرسي الذكوري والخطاب المجدلي العرفاني "واختفت المجدلية بوصفها حضورا عرفانيا من المتون الدينية الإنجليزية الرسمية، وهذا ما نتج عنه أسئلة كثيرة تتعلق بملامح المجدلية" هذه الملامح ذات الحضور العرفاني بوأتها منزلةَ القرين الروحي ليسوع الذي فضلها على بقية تلامذته، كما نفت عنها منزلتها الاجتماعية الثرية شبهة الزنى. إن رهان الرواية التي يلاحق فيها البطل هواه المجدلي هو خلق معرفة جديدة بالتاريخ الفلسطيني، معرفة لن تتأتى سوى بترميم أو تشييد بورتريهات تناقض النمط الدارج في الروايات الرسمية.

نور الشهدي

توضع تقنية التلفظ هنا) تمرير صفات الأم نورا إلى وليدها نور" لم يرث ذكرياتها بل بهاءها الظاهر" (ضمن مشهد ملفوظي) وصف بالقول لبورتريه الأم: نورا كردانة " لتتغنى الحاجة أم عدلي بجمال نورا، وزرقة عينيها وشقرة شعرها، وبياضها، وحُسنها وشاماتها ونمشها (يجعل الشبه بين ملامح نور واليهود الأشكيناز ثيمة مركزية في الرواية، وسيصبح بورتريه نور الشهدي مثبتا بورقة وصفية سابقة لوالدته نورا، وبورقة وصفية لاحقة لصورة أور الأشكينازي؛ الوصف برؤية صورته على بطاقة الهوية الزرقاء.

إن التشابه الفيزيولوجي بين نور وأور يمكن اعتباره قوة ثيمية مؤثرة، ذات مردودية كبيرة ومقوما من مقومات نجاح نور في اختراق مستوطنة أو )كيبوتس مشمار هعيمق( منتحلا شخصية أور من خلال بطاقته الزرقاء. مظهره الخارجي، وثباته النفسي، وتمكنه اللغوي كلها أمور ساعدته في التواصل الإيجابي مع حارس الأمن، ورئيس الفرقة البحثية الذي مازحه وتركه في مكتبته وسط تساؤلاته " لو أنني نور، فهل كان ليُخَلِفني وحدي هنا دون مراقبة وحراسة"

بالإضافة إلى المظهر الخارجي بث الراوي مونولوجات تبرز الجانب النفسي لشخصية نور "أنا أجد متعة هائلة بنجاحي في تمرير شخصيتي كأور شابيرا.. هذا الاسم مُذهل ! القناع يمنحني اكتفاء تاما.. ممارسة هذا الاسم على أرض الواقع الكولونيالي هو انتهاك بحد ذاته للاسم الآخر الذي انتهكني منذ وُلدت في رحم الأزقة" كلها مقومات سردية تساهم في تحيين دفتر تحملات شخصية نور، وترفع من كفاياتها العملية والأخلاقية والجمالية مما يجعلها شخصية مقنعة ذات أثر ملموس على القارئ "تظهر الشخصية كما هي حقا؛ تجسيدا للاختلاف بحيث تجعل من كل قراءة لقاء مثاليا"

أور شابيرا

شخصية الإسرائيلي التي عثر البطل على بطاقته الزرقاء في جيب المعطف المُقتنى من سوق الخردة. ملمحه الجسدي يتطابق مع نور البطل، لكن جانبه النفسي الإيديولوجي يبرز من خلال حوارات خيالية بينه وبين نور " سأُباغته أنا.. سأنقضُّ عليه متسائلا باستنكار هجومي قبل أن ينقض عليه هو:

– من أنت؟ أنت لستَ أور.. أنا أور شابيرا.

– بل أنا أور شابيرا وأنت من انتحلتني وانتهك هويتي.. من أنت.. قل؟"

حوارات اتسمت بالفضول تارة، وأخرى بالتصادم والتقابل الذي يتغيى نفي الآخر " سعيد أنت أيها المخرب الصغير، أليس كذلك؟

– ولم لا أكون سعيدا؟

– هذا يعني أنك تؤيد قصف المدنيين الأبرياء وتدمير مساكنهم.

– دعك من هذه الأسطوانة المشروخة، فالأبرياء يُهجَّرون من بيوتهم في حي الشيخ جراح الآن بسبب صواريخكم الجغرافية المقدسة، كما أن غزة ستحترق بعد قليل بحمم قصفكم لها.

– لا يمكن أن نتحاور إذن."

تعنُّت أور يمنعه من مواصلة الحوار، لكن نور يصر على معرفة رأي قرينه حول علاقتهما التي عمرت ثلاث سنوات، لكن الأخير يقول له "أنت أصبحتَ إنسانا خلال هذه المدة بفضلي أنا.. بفضل هويتي" فيتساءل نور عن إنسانيته إن هو نزع قناع أور هذا الذي يخشى أن يختفي إن صار الفلسطيني إنسانا. إن اشتراك القارئ في لعبة الخيال هذه مع المؤلف تجعله يستقي موضوعه الجمالي من خلال بورتريهين يشتركان جسدا واحدا، بورتريه نور وأور بصفتهما وجهين لأصل واحد هو الإنسان، لكن ظروف الاحتلال تجعل من أور بورتريها متسلطا عنجهيا لا يقبل التحاور مع مخلوق ينفي عنه صفة الإنسانية، وبالتالي تنتفي صفة الإنسانية عن بورتريه نور حرصا على وجود أور وعدم انتهائه. " إن وجهة نظر القارئ تتعثر في الموضوع الذي تحاول فهمه فيتجاوزها في نفس الوقت بالذات"

أيالا شرعابي

فتاة صهيونية من يهود المشرق، وضمن فرقة التنقيب عن الآثار، يصفها الراوي "أيالا متوسطة الطول بشعر أسود قصير عبثت به بضع خصلات شقراء فوق وجهها الدائري الأبيض الممتلئ قليلا، بعينين سوداوين واسعتين، وأنف لا يجافي بحجمه غلاظة شفتيها المكتنزتين المنسجمتين مع جسد مسته عافية الجاذبية والفتنة المكسوة ببنطال رمادي ضيق، حجب مقاصده الفاتنة قميصها الأزرق الفضفاض المؤتمن على صدرها ورياحين عمرها الفتي البالغ ثلاثة وعشرين عاما" ارتبط هذا التوصيف الجسدي غالبا بالاستيهامات الشبقية للبطل، وجداله المستمر بين أور الذي اتهم عفة نور بالحَوْل بينه وبين ملامسة جسد أيالا لأن بورتريه الفتاة يصلح للاستهلاك المجاني. أما عن وصفها النفسي فاتسمت بالفضاضة والصدامية والتناقض تجاه قضايا عدة، مثل ازدواجية المعايير الأخلاقية إذ تدعم حقوق زميلتيها المثلية بينما تنبذ حقوق شعب بأكمله في الحياة والتحرر، وأيضا لما تميل إلى أور وتطلب وِدَّه رغم غروره واعترافها بعنصرية الأشكيناز ضد اليهود المشارقة "رغم أن الأشكيناز اضطهدوا ذويها تمييزا وتهميشا". بورتريه أيالا يفتقد المصداقية والعزة التي تمنحه القوة والأصالة.

سماء إسماعيل

الفتاة الفلسطينية الوحيدة ضمن فرقة التنقيب التي تم قبولها من طرف معهد أولبرايت للأبحاث الأثرية، تكرهها أيالا، ويحبها أور أو نور. أحاطها الراوي بمجموعة من الأوصاف الشعرية التي ترمز إلى حنين نور إلى طقوس الصيام التي هجرها منذ اعتقال صديقه مراد، وفخره المفقود بهويته الفلسطينيه " وجه يتلألأ شاطئا حيفاويا بلا قناع" وفي وصف آخر لوجهها "شجرة كرملية وارفة، قدَّر عمرها مستنشقا، أكثر من خمسة وعشرين ربيعا بهيا، عبَقٌ حيفاوي مصحوب بقامة طويلة ونحول مثير. كساه شعر حريري أسود عقدته ضفيرة وراء ظهرها. عيناها ليلٌ نابِهٌ، قمر معطر باللَّيلك، ليلك وجهها الذي امتزج به شفق بحري، وأنف دقيق منارة لشفتين شهيتين، وأما صوتها فلن يسمعه خاشعا إلا بعد قليل في الاستراحة الثانية" كلها أوصاف شاعرية تضفي على سماء قداسة المجدلية التي رافقت اليسوع. هذه الرقة والعذوبة الأنثوية الصافية تتماهى مع بورتريه نفسي قوي يعتز بأصوله، ويدافع عن قضيته أمام السياح الأجانب، ويجادل أيالا الحاقدة دون خوف أو تردد. قال عنها نور في تسجيله الصوتي المعلق لصديقه مراد "مراد.. لقد أُصبتُ هذا المساء بصدمة قاسية، إنني لا أهمس الآن فحسب، بل أنوح بعد أن قبَضت عليّ تلك الفتاة متلبسا بقناعي.. قبضت علي بسطوع وجهها الأصيل، وأنا، أنا اللاجئ التعيس جلستُ بجانبها كاسيا عُرْي وجهي بوجه آخِر نكبتي"

2) الوظيفة الايديولوجية للبطل أو البطل المضاد:

يُسند المؤلف إلى شخصياته رتبة محددة؛ يفيِّئ عبرها شخصياته إلى رئيسية وأخرى عابرة. وقد باتت هذه الشكلية من القوة بحيث أن القارئ يبحث بالفطرة عن هذه التراتبية بين الشخصيات " ليس المهم ما تمثله الشخصية في العالم، ولكن ما يمثله العالم بالنسبة للشخصية، وما تمثله الشخصية بالنسبة لنفسها" وقد استند باختين على هذا المبدأ لفهم الشخصيات، وبالتالي التعاطي ليس مع الوجود المُعطى للشخصية ولا مع صورتها المُعَدّة بصرامة، بل مع وعي البطل وإدراكه لذاته " كلمته الأخيرة حول العالم وحول نفسه" لكن نور في الرواية لا يتحدد بطلا ـ على الأقل بالنسبة لصديقه مراد المعتقل ـ لأنه يلومه على اهتمامه بكتابة الرواية والتغاضي عن أمور المقاومة فيقول له ـ ذات توقع خطاب ـ من طرف البطل نفسه " ألا يوجد لديك خيارات أخرى يا نور؟ هل ستقلد الآخر الصهيوني من أجل عمل روائي؟ ما الذي دهاك؟" وكذلك حينما صرح نور مخاطبا طيف صديقه مراد " أشعر أنك على وشك التقيُّؤ عليّ الآن، لأنني أحيطك بهذه التفاصيل التافهة ربما ! أشعر أنك ستنْقضُّ عليّ قائلا: أنت نكرة.. أنت لست صديقي نور.. أنت تائه.. اغتصبك التباسٌ شيطاني فأدماك جنونا وحيرة. ربما معك حق. وهذا ما سعيتُ أنا إلى ردّه عني عبر المحافظة على نور الجواني. ألم أقل لك: إنني اثنان نور وأور؟" ويوم تحسَّر نور على أصله الذي رآه في حضور سماء إسماعيل بقوله " يومٌ تهافتُّ فيه بالانجليزية والعبرية لدرجة غفلتُ عن شهر رمضان لِتذكرني هي به عبر انزوائها في طرف العريش على قيد الصوم وأعباء الحفر والجوع والظمأ.. هل حسدتَها؟ نعم، لقد حسدتُها. هل كرهتَها؟ كرهتُها قليلا.. كرهتُها بشيء من الفخر بها هي التي لم تكن مثلي.. يا ليتني كنت مثلها" ألا تشي مثل هذه النماذج من الحوارات على نزوع معاكس قوامه ابتكار بطل مضاد في شخصية نور البطل؟

"غدا البطل المضاد صورة متواترة الحضور في الحداثة الروائية" فالحديث في رواية "قناع بلون السماء" ليس عن شخصية بطل استثنائي يتسم بالإيجابية المطلقة، فنور يعري نواقصه كاملة. صحيح أنه ترفع عن ممارسة الجنس المجاني مع أيالا إلا أنه كشف عن تصعيده النفسي لشهوته المكبوتة بالاستيهامات والأحلام الشبقية المؤجلة لحين اختلائه بنفسه. نور يقر بخوفه من رأي صديقه مراد في تبدله وحاله المتشظي بين هويتين، ويعترف بضعفه أمام سماء الشجاعة أكثر منه، وبهوانه قائلا " بل أنا هو المسخ الذي وُلد من رحم النكبة، والأزقة والحيرة والغربة، والصمت؛ صمت أبي وموت أمي، ومطاردتي في أزقة المخيم بلقب السكناجي، وُلدت من رحم التهميش والتصنيف وسجنِك أنت يا مراد.. ولدت من مرآة أور شابيرا"

ربما تدخل كل تلك الصور في باب المخاتلة التي تبناها المؤلف في روايته، وتؤلف مجموعة من الصور والمنظورات النصية التي تساعد القارئ على خلق الاتساق " وبناء الاتساق هو الأساس الضروري لكل أفعال الفهم، وهذا الفهم بدوره يعتمد على عمليات الانتقاء" فالترابطات التي يقوم بها القارئ بين مجموعة من العناصر المنتقاة لا بد وأن تجزّئ النص إلى بنيات متفاعلة )صور البطل وصور البطل المضاد( وهذه البنيات تُولّد نشاطا تجميعيا أساسيا لفهم النص. إن الراوي يقدم عددا من الدلائل تحرّك تفاعلا من الترابطات مثل استشهادات من الإنجيل ـ شواهد ميدانية من الآثار المتبقية للقرى الفلسطينية المهجرة ـ قصة الكهف الذي حوله أهل المستوطنة الإسرائيلية إلى معلمة تاريخية.. مثل هذه الدلائل تفيد بأن نور الشهدي بطلا مضادا يتسم بالصمت " أنا ابن الصمت وُلدتُ منه" والمثالية السلبية في اتباع هواه المجدلي الذي أدى به إلى انتحال شخصية أور الصهيوني، فعاش إنسانيته لأول مرة في ظل القناع، لكن هذا الوهم " والوهم مظهرا من مظاهر الجشطلت" يبقى مفتوحا على إمكانات عدة. وكل الإمكانات التي وُضعت في الرواية لها مشروعيتُها، رغم أنها تتجه في اتجاهات مناقضة ومخاتلة لبعضها البعض، ففي النهاية توضح جميعها موضوع الفهم الرئيسي؛ التحرر لن يتأتى إلا بمعرفة ذات المحتل وطريقة تفكيره، إذ يقول نور مخاطبا أور " أنا وُلدتُ منك.. من رحم صهيونيتك ومن النكبة.. وعندما أتعلمك سأقوى على الانفصال عنك" وبهذا يزاوج بورتريه نور بين صورة البطل الحقيقي؛ بتمرده على التعاليم التوراتية والرؤية الصهيونية، ومقاومته عبر الانتحال والاختراق والمناعة، وبين بورتريه البطل المضاد بتجسيده لحظات الضعف الإنساني تجاه الرغبة والاحساس بالدونية والخوف والحنين.. كلها نوازع إنسانية أضفت على بورتريه نور الشهدي مصداقية مؤثرة ومقنعة اقتناع سماء إسماعيل بهويته الفلسطينية في نهاية الرواية وهروبهما معا من الكيبوتس الإسرائيلي في الصباح الباكر قائلا لها " بكل ما أوتي من لغته العربية المستعادة: أنتِ هويتي ومآلي"

خلاصة

إن شعرية بورتريهات الرواية وبلاغتها أثبتت أن " فهم عمل أدبي ينشأ من خلال التفاعل بين حضور القارئ في النص وتجاربه المعتادة التي هي الآن توجيهٌ ماض. وباعتباره كذلك، ليس الفهم عملية قبول سلبية، بل هو تجاوب مُنتج". وتشييد بورتريه متفاعل في رواية " قناع بلون السماء" انبني على مخاتلة تبناها المؤلف من خلال عرض رؤى المقاومة والاحتلال، وسرد تقابلات بين سردية المجدلية الرسمية والمخفية، وتاريخ كيبوتس مشمار هعيمق وقرية مجدلة المطمورة تحته، والكهف بصفته معلمة تاريخية لليهود بينما حقيقته العربية منسية.. وذلك من خلال تشييد بورتريهات مناقِضة للنمط مثل أيالا اليهودية وسماء الحيفاوية، أور الصهيوني ونور الفلسطيني المُهجّر. نور الذي حمَّله الراوي وزر البطولة الحقيقية من خلال دوره المقاوم للاحتلال، والبطولة المضادة من خلال المخاض النفسي والتشظي الهوياتي الذي عانى منه. كل ذلك تأدية للوظيفة الإيديولوجية المنوطة ببورتريه البطل الفلسطيني.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى