استضافة الروائي صبحي فحماوي
عقدت في رابطة كتاب إربد مساء الأربعاء 29-9 ندوة بعنوان (مبدع وناقد)، نسقها الأستاذ عبد الرحيم جداية رئيس الفرع، وأدارها الدكتور جمال مقابلة، أستاذ اللغة العربية في الجامعة الهاشمية، وتحدث فيها الدكتور عبد الرحيم مراشدة نائب عميد آداب جامعة جدارا، ناقداً، قال الروائي صبحي فحماوي:
الرواية في نظري، فن ممتع ومدهش ومُشغل ومعذِّب كالهوى، وذلك للكاتب والقارئ معاً، ذلك لأن الكاتب يستمتع بتخيل الشخصيات وخلقها أو إبداعها، ويتلذذ وهي تنمو وتتطور بين يديه، والعمل الروائي بحاجة للإنضاج، تماماً كالعسل في خلايا النحل، الذي يبدأ محلولاً سكرياً مع حبوب لقاح في عيون أقراص النحل، فتقف النحلة فوق عين العسل، تمتص السائل السكري إلى فمها، ثم تسكبه مرة أخرى داخل وعاء الخلية، ثم تمتصه وتسكبه مرات كثيرة، حتى ينضج ويتحول إلى عسل.وهكذا تبدأ الرواية في ذهني مجرد أفكار، ثم تنمو من داخلها شخصيات، وتبدأ هناك علاقات بين هذه الشخصيات، تتشابك ثم تتعقد ثم يأتي الحل، وقد يكون الحل أن لا حل سوى ترك الأمور للقارئ ليتخيل الحل الأمثل. فأثناء التأليف أو الكتابة، أحمل شخصيات روايتي في ذهني أو مخيلتي، تماماً كما تحمل المرأة جنينها في بطنها، فينضج على مهل.
والقارئ من جهة أخرى، يستمتع بالرواية التي تدخله حواري وأزقة ما كان ليدخلها لولا بطاقة المرور الروائية التي أعطيها له، فتسمح له بدخول غرف نوم شخصيات روايتي، وشواطئ الاستجمام السياحية، وغرف التعذيب، ومنابت الزهور، فيشاهد الحراس والمقاتلين الشجعان، والجواسيس الأنذال، والجميلات النائمات، والمحصنات الغافلات، يدخلها دون استئذان، ودون أن يلبس ملابسه الرسمية! وبمنتهى الراحة يزور تلك الأماكن، ويشاهد تلك الشخصيات، ويستمتع بها، أو يتعذب معها إذا لم يحالفها الحظ مثلاً في الحب! والقراءة متعة لا شبيه لها، فهي التي تجعل القارىء يشارك في تصميم ديكورات المكان، ويقوم بتصميم ملابس الشخصيات، ويشارك الروائي في خلق المؤثرات الصوتية والضوئية وشكل الشواطئ والسراديب المعتمة. القارئ هنا يقوم بدور المخرج للروائي. القارئ شريك للروائي في عمله الأدبي، التلفاز لا يلتفت أو يأخذ بعين الاعتبار ذكاء وميول المشاهد الفنية، إنه يقول له: "لا تتدخل في عملي الفني، فأنا أقدم لك الصوت والصورة والديكورات والملابس والإضاءة والموضوع، وكل شيء جاهزاً. (مَلَكْشِ دَعْوة!) أنت تستقبل فنوني فقط، تستقبل ولا ترسل!" ولكنني كروائي أحترم القارئ، وأدعوه للمشاركة في الإخراج الفني للرواية كما يتخيلها!
الكتابة تعني لي متعة فن التعبير عن الذات..وهي فعل توصيل أفكار وخبرات وفنون الإنسان لأخيه الإنسان..وهي رسم لوحات فنية بالكلمات.. وهي فن اكتشاف الأشياء وتصديرها للقراء .. وهي إبداع يُشعِر الكاتب بأنه يستطيع أن يوجَد شيئاً خارج ذاته ، وأن يستخدم أدواته للتأثير في الآخر، وهي أداة من أدوات التنوير، بهدف التغيير نحو الأفضل....الكتابة حفر على جدار الكرة الأرضية، لا بل على سماء الكون، بهدف الوصول إليه، وللخروج من تابوت الصراع الإنساني الدامي على سطح الكرة الأرضية..الكتابة فعل جمالي، وموسيقى نغماتها الكلمات.والكتابة تشعرني بأنني إنسان يختلف عن باقي الحيوانات التي لا تستطيع أن تؤرخ أحاسيسها، ولا تخطط لمستقبلها، ولا تدفع نحو التطور..
وفي نظري، القصة هي رواية قصيرة ، والرواية هي قصة طويلة..والقصة الجيدة هي شطيرة طعام لذيذة، بينما الرواية الجيدة هي مائدة طعام، فيها كل ما تشتهي الأنفس. والقصة طلقة، بينما الرواية معركة مترامية الأطراف..والقصة وردة مفردة، بينما الرواية حديقة غناء، إنها حقل من الأشجار والشجيرات والأعشاب والأزهار التي تملأ الغابة..والقصة وجه امرأة، بينما الرواية هي عائلة وجيران وأحباء وأعداء وتحديات تواجه مجتمعاً بكامله..وأنا أحب الوردة المفردة في مزهريتي ، وأستمتع بحقل يحوي عالماً من النباتات الجميلة المزركشة الألوان، والمختلفة الأطوال والأشكال والأعمار؟
