الأحد ٢٥ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠٢٦
بقلم عارف عبد الرحمن

أن تكون

في سكون الليل، حين يتناسل الشفق من رحم الفجر، ويظلّ الضوء معلّقًا بين غيابين، يجيء الشوق غريبًا، بلا موعد، ويجلس على عتبة روحك الأَرِقة، كأنّه يعرف الطريق إلى وحدتك أكثر منك.

شيءٌ ما يتوهّج في داخلك. ومضةٌ بعيدة، لا تكفي لطمأنتك، ولا تنطفئ بما يكفي لتنسى. تظلّ تحدّق فيها، فيما الظلال من حولك تكبر، وتنسج من صمتها مخاوف لا أسماء لها.

لقد أتعبك الانتظار.

وأتعبتك المسافة التي كلّما ظننتَ أنك اقتربتَ منها، ابتعدت، كأنّها تعرف سرّ جناحيك، وتختبر قدرتك على الطيران.

أنت مثقلٌ بهذا الحب الذي لا يجد له أرضًا، مترعٌ برغبةٍ تضيق بها حدودك، وتحملك أجنحةٌ خفيفة إلى تخوم المجهول. لا تريد من الضوء أن يهديك الطريق؛ تريد أن تلمس حرارته، أن تعرف إن كان في وسع الروح أن تحترق دون أن تتلاشى، وأن تقترب من اللهب دون أن تفقد صورتها الأولى.

هكذا تمضي، كفراشةٍ لم تتعلّم من العتمة سوى الحنين إلى الضوء، ولم تتعلّم من الضوء سوى فتنة الاحتراق.

لكن، ماذا لو لم يكن اللهب خلاصًا؟

وماذا لو كانت الظلال التي تخيفك جزءًا من النور الذي تطلبه، وأن كلّ هذا الركض لم يكن إلا محاولةً للإفلات من شيءٍ يسكنك، ولا سبيل إلى النجاة منه؟

في آخر المسافة، حين يخفت النداء، ولا يعود للانتظار ما يمنحك إياه، ستكتشف أنّك لم تكن تبحث عن ضوءٍ بعيد، بقدر ما كنت تبحث عن نفسك، تلك التي تركتها طويلًا على عتبات الأشياء، تنتظر أن يأتيها أحدٌ من الخارج ويمنحها الإذن بالحياة.
الآن، لم يبقَ لك إلا أن تكون.

أن تصعد، لا هربًا من الأرض، بل اتساعًا لها.

أن تتسامى، لا لتتخلّص من ظلالك، بل لتمنحها مكانًا في ضوئك.

أن تجمع شتات جناحيك، وتتصالح مع ارتجافهما، وتدرك أنّ النجاة ليست دائمًا في بلوغ الضوء، بل في ألّا تفقد نفسك وأنت تحترق شوقًا إليه.

ثم، أخيرًا، أن تحتضن ذاتك؛
لا كما تمنّيتَ أن تكون،
بل كما صرتَ،
بكلّ ما فيك من عتمةٍ ونور،
ومن رغبةٍ وخوف،
ومن فراشةٍ ما زالت تحلم بالطيران.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى