الأربعاء ٢٣ أيلول (سبتمبر) ٢٠٢٦
بقلم ميادة أنور الصعيدي

أرشيف الحواس الفلسطينيّ في الرواية العربيّة المعاصرة

(مقاربة بَيْنِيّة لنماذج مختارة)

تُبنى الرواية العربيّة المعاصرة على تُخوم الذاكرة؛ حيث لا يُستدعى الماضي بوصفه سردًا منقضيًا؛ بل كحضور حيّ متجدّد يتخلّل الحاضر ويُعيد تشكيله. وهنا تشكّل الذّاكرة الحسّيّة الفلسطينيّة بنيةً دلاليّةً تقوم بتكثيف التجربة السّرديّة في ظلّ واقع يتّسم بالتّشظّي والاقتلاع. وعليه فإنّ الدراسة تفتح آفاقًا نقديّةً تسعى لإعادة الاعتبار للحواس ولا سيّما حاستي:

الشمّ والبصر بوصفها أدوات معرفيّة وجماليّة تعيد بناء التجربة ضمن منظومة شعوريّة مركّبة تتقاطع فيها الهم الفرديّ مع الهمّ الجمعيّ. وتكمن أهميّة الدراسة في سعيها إلى تجاوز المقاربات التقليديّة لتغوص في البعد الحسّيّ كأحد أهم المفاتيح التأويليّة التي تُعيد تشكيل الحضور والوعي الفلسطينيّ من خلال: تفكيك البنية الزمكانيّة، واكتشاف ما تختزنه الرواية من طاقات دلاليّة عميقة تسهم في بناء سرديّة تقاوم كلّ أشكال: النسيان، والتهميش، والإبادة، والتغييب، والتهجير.. وتعيد بناء الهويّة الفلسطينيّة وتعزّز معاني: الانتماء، والصمود، وترسيخ مفاهيم الوحدة والولاء للوطن. وتعدّ هذه الدراسة دراسة بَيْنِيَّة (نفس حسّي) تهدف إلى تحليل النموذجين المنتقيين تحليلًا يشمل على أكثر من منهج؛ بغرض تحليل الظواهر المعقّدة تحليلًا عميقًا شاملًا لتقنيّات السّرد المعاصر والوقوف على جماليّاتها. والنموذجان هما:

رواية "لا زال القلب نابضًا" للروائيّة المصريّة. شيماء يُسري.

جاءت بخمسمئة صفحة، وتكوّنت من إحدى عشر فصلًا معنونًا، عاش فيها الشخصيّة الرئيسة (بجاد) صراعًا نفسيًّا منذ قصف طائرات العدو لبيت عائلته وراح ضحيّة ذلك: أمّه وأخويه. وسافر برفقة والده ينزف جرحًا غائرًا في روحه بقى رهينه حتّى عاد بعد عشرين عامًا إلى غزّة؛ فتراوده الذكريات ويحاول إثبات نفسه وتعويض الخسارات؛ لكنّه يعيش وجع الغزّيين ثانيةً؛ حتّى يتزوّج حبّ حياته ويكوّن أسرة ويصرَ على الحياة والمقاومة.

رواية "إنعاش منفى" للروائيّ الأردنيّ. محمد داوود قندح.

جاءت بثلاثمئة صفحة، وتكوّنت من فصلين (في الغربة، وطريق العودة) وكل فصل عبارة عن خمس محطّات. عاشت فيها الشخصيّة الرئيسة (ناصر) صراعًا استمرّ أثره حتى نهاية القصّة وبدأت في مطار أتاتورك حينما حدث انفجار أُصيبت به سيّدة حامل تُدعى سارة؛ فقدّم لها ناصر كلّ ما يلزم كونه جرّاحًا وبقى مع زوجها "ديفيد" حتى خرجا من المستشفى، وتبيّن له فيما بعد أنّهما صهيونان استغلا نقاط ضعفه ورغبته بالعودة للقدس بعدما نُفي منها إبان أحداث كنيسة المهد وجعلاه يوقّع على تنسيق أمني أودى بحياته في أحضان بلده.

وعليه تتحدّد إشكاليّة الدراسة في السؤال الرئيس الآتي:

كيف تسهم الذّاكرة الحسّيّة في تشكيل البنية الزمكانيّة، وإنتاج دلالات هويّة الشخصيّات والصّراع والحوار، وتجسيد العلاقات وتحوّلاتها؟

أوّلًا: تشكيل الهويّة الفلسطينيّة من خلال ذاكرة المكان

لم يعد المكان تلك الخلفية التي تجرى ضمن إطارها أحداث النص فحسب، بل تعدى ذلك كلّه ليصبح عنصرًا ضروريًّا في تكوين هويّة الكيان الاجتماعيّ ورسم مرتكزاته الثقافيّة والنّفسيّة، وفضاءّ حيويًّا تتجسّد من خلاله آمال الإنسان الفلسطينيّ وآلامه. وصار بؤرةً تستقطب تقنيّات السّرد الأخرى؛ متفاعلةً على سطحه وبين جزيئاته، ويعد مؤشّرًا هامًّا على مدى الوعي الفنيّ في تشكيل فضاءات الشخصيّة وتجاربها. وبالتّساوق مع العنصر الزمانيّ راح المكان ينفتح على فضاءات أخرى متنامية أو ينغلق عنها، بحيث تتلاشى تلك الفضاءات. ومن ذلك مدينة غزّة تلك البقعة الصغيرة على الخريطة؛ العظيمة سردًا وأثرًا في بنية رواية"لا زال القلب نابضًا". تقول: "اليوم استعاد بعضًا من ماضٍ قديم يتأمّل تفاصيل المكان.. يتنشّق الروائح الممزوجة ببعضها في تآلف أضداد مثير للغرابة والشجن.. مرّ على معالم المدينة القديمة. هنا ترك الأجداد أثرهم.. هنا مرّ عليها من مرّوا.. باختلاف أجناسهم وملوكهم وحوادثهم.. ملأ بجاد رئتيه برائحة البحر وتمنّى.. أن يجرّد التاريخ الثقيل الذي يحمله مع هويّته.. يغتسل من أثر الظلم والقهر وتذوب ذكرياته المؤلمة.. حكايات لو اُختصرت في كلمتين فهما (قضيّة وطن) (ص288)".

لم تهتم الكاتبة بوصف تفاصيل المكان (غزة) بل بذكر معالمها وحضارتها الشامخة والشاهدة على عراقتها؛ تلك العراقة التي أبادها المحتل في الفصول الأخيرة للرواية وفي الزمن الواقع/ الحاضر. ومن هنا فقد أثار المكان الإحساس بالزمن؛ وذلك بمقتضى الترابط العضوي بين الفضاءين في الرواية ذاتها؛ وبسياق تأثيرهما على الجانب النفسيّ للشخصيّة. فتأثير الزمن الماضي حاضر ومدعّم بالذاكرة الشمّيّة، وتأثير المكان حاضر ومدعّم بحاسّة البصر؛ لذلك يعدّ البناء الزمكانيّ من العناصر المهمّة في البناء الروائي؛ فهو شبكة من العلاقات والرؤى التي نُظّمَت فيها العناصر الأخرى في الرواية (الشخصيّات، الأحداث، الصراع بنوعيه، الجانب الفنّيّ)، لذا فهو يقوّي من نفوذها، كما يعبّر عن مقاصد الكاتب/ ــة المعلنة والمضمرة في متن السّرد.

لقد وصفت الكاتبة في رواية "لا زال القلب نابضًا" تأثير القدس كمدينةٍ مقدّسةٍ على الفلسطينيين، وأكّدت غير مرّة على صعوبة الوصول إليها بسبب الحواجز والمعيقات التي يفرضها المحتلّ على الفلسطينيين في الوطن والشّتات. ورغم ذلك يتجدّد شوقهم لزيارة المدينة العتيقة ومعالمها بمجرّد مغادرتها. فحينما زار صادق أروقة المسجد الأقصى وتأمله مشتاقًا، اتّجه نحو القبلة فسجد لمناجاة ربّه: "إلى متى هذا الظلم يا الله؟ إلى متى سنتوارث الخيبات جيل بعد جيل؟ إلى متى سيسود الظلم في أرض الأنبياء؟ رضينا.. جاهدنا بأرواحنا وأولادنا ودماءنا فداء، لكن القلوب أدماها الحزن، وجرح الوطن يوشم في الروح وشم لا يُمحى.. أولادنا تشيخ قبل أن تبلغ.. (ص209)".

لقد غدت البنية الزمكانيّة في هذه الرواية الأداة التي كشفت عن الصّراع بنوعيه، وأبانت عن الوضع النفسيّ لأجيالٍ مضت وعانت وأجيالٍ حاضرة تعاني. "تثاقلت ذاكرته بقصص الماضي وفواجع الحاضر.. يا رب خذلنا من الجميع، ألم يكف ما حمله جيلي ومن سبقني كي تزول اللعنة؟ كم جيل يا رب عليه أن يرث هذا الإرث الثقيل؟ كم جيل ستكتب له شهادة وفاة مع شهادة ميلاد؟ وكم جيل سيولد في أرض الشتات؟ خذلونا كلهم، خذلونا يا لله، ولا ملجأ منك إلّا إليك. نرجو عفوك، وننتظر نصرك(ص210)". لقد بدى الفضاء الزمكانيّ حيويًّا؛ إذ تجسّد من خلاله الهمّ الفرديّ (قصف بيته من قِبل جيش الاحتلال)، والهمّ الجمعيّ (حمل الشخصيّة لهموم الجيل السابق واللاحق). ودعمت الكاتبة سياقات البنية بألفاظٍ موحيّةٍ بهذا الهمّ: أفعال مبنية للمجهول "خُذلنا"، وألفاظ دالّة على الجماعة "جيل"، أو منتهية بــ (ياء المتكلّم) و (نا) "جيلي، خذلونا، نرجو، ننتظر". وأكّدت على استمراريّة الوجع الماضي من خلال توظيف الاستعارات التي تجسّم الزّمن: "الإرث الثقيل، تثاقلت ذاكرته، فواجع الماضي". وزادت من فاعلية الصّراع النّفسيّ من خلال تكرار أسلوب الاستفهام والدعاء؛ الذي يعمّق الشعور بعدم استجابة الأطراف لوقف هذا الظلم المستشري، ولتوضّح الشعور الإيمانيّ العميق لدى الفلسطينيّ.

وفي رواية "إنعاش منفى" أَوْلَى الروائيّ الفضاء المكانيّ عنايةً خاصّة؛ بحيث أصبح يمثّل لديه ملمحًا أسلوبيًّا مهيمنًا على المستوى التركيبيّ والدّلاليّ، وجعل المكان محورًا تدور حوله مشاعر القرّاء سلبًا أو إيجابًا، وبذلك فقد أكسبه قيمةً خاصّةً؛ تؤثّر في مجمل القيم والمفاهيم الأخلاقيّة والجماليّة المحرّكة لأفكارهم ومشاعرهم. لقد ركّز في مستهلّ روايته على أنواع الطوابير التي يقف بها الفلسطينيّ داخل بلاده وخارجها، منها طوابير معنويّة: كالطابور الخامس الذي لا يقف فيه إلا العملاء. وطوابير مادّيّة: كطابور ختم الجوازات في المطارات، وختم التصاريح في تلك الحواجز التي ينصبها المحتلّ، وطوابير الإغاثة التي تفتقر لأدنى معاني الإنسانيّة. يقول: ".. يكره الطوابير!! فهي تحرّك بداخله ذكريات أليمة لا زالت ندباتها بارزةً على وجدانه، فقد وقف في صباه في الكثير من الطوابير للحصول على حصّتهم من المؤونة الغذائيّة.. التي كانت توزّعها وكالة الغوث على اللاجئين في المخيّم الذي كان يقنطه مع عائلته في الداخل الفلسطينيّ.. استعبادٌ طوعيّ.. مسارٌ إجباري.. طوابير إغاثة تستولي على الكثير من العزّ والكرامة(ص90)".

فرغم أنّ الطابور مكان مؤقّت وضيّق إلّا أنّه احتلّ مساحة زمنيّةً ونفسيّةً موجعة من حياة الفلسطينيّ سردًا وحقيقةً. ولا بدّ أن أُشير إلى أنّ البطل هنا في حالة استرجاع حرّ للذكريات الموجعة؛ لذلك لم يكن الطابور مجرّد تجسيد للمكان؛ بل هو تجسيدٌ للذكريات، وتحليقٌ لروحٍ مغتربةٍ لا زالت تعاني من ندوبٍ نفسيّةٍ عميقة؛ لكنها تنهض على متن السّرد حينما يستدعيها البطل ويرى بحاسّة البصر (طابور مطار أتاتورك لختم الجواز) ما يثير تلك الذكريات المريرة (طابور الإغاثة). لقد استبطن الروائيّ مفارقةً عجيبةً بين المكان والزمان؛ فالمكان (الطابور) على ضيقه قد جعله منهلًا للذكريات واسترسل بالحديث عن أنواع الطوابير، وجعله امتدادًا لا نهائيّ للتداعي؛ ففاضت به مشاعر: الأسف، والحسرة، والقهر، والوجع. ورغم أنّ الطابور في مطار أتاتورك بإسطنبول/ تركيا؛ حيث الحضارة والجمال والتجدّد والفسحة والأمل؛ إلّا أنّه تجاوز هذه المقاييس الجماليّة إلى التّعبير الأصدق عن حقيقة المغترب الفلسطينيّ وما يعتلج روحه من وجع مرير. وعليه فقد يكون المكان ذا جاذبيّةٍ أثيريّة إلّا أنّه يغدو كالقبر أو أشد وطأة على نفس الشخصيّة، ونجد خلاف ذلك في قول البطل حينما عاد لأرض الوطن: "يا اه.. إنّها رائحة البلدة القديمة.. إنّها نشوة العودة(ص191)" ومن هنا فإنّ المكان مرهونٌ بحركة الزمن النفسيّ ومدى ارتباط الشخصيّة بالبُنيتين؛ فالواقع النّفسيّ "يركض عندما يكون غنيًّا حافلًا فيكرّ معه الزمن، ويحبو عندما يكون فقيرًا مجدبًا.. "فيقع الإنسان بين هُوتين سحيقتين وتفتح عليه حواسه ذكريات حميميّة تغبطه أو موحشة لا ترحم؛ فترديه موجوعًا مهمومًا.

ورغم كلّ أنواع التضليل والتزييف التي يبثّها المحتلّ عن فلسطين إلّا أنّ محطّات تاريخها حافلةٌ بالطّهر والعزّة والكبرياء، فدومًا ما تسطع هذه الحقيقة أو يُرمز لها في الرواية العربيّة؛ فقد برزت في رواية "إنعاش منفى" شخصيّة التركي سيّد أصلان (مأمور السجن) الذي أكّد على أنّ المقدسيين يذكّرونه بجدّه الذي كان يحدّثهم عن طرقاتها وأسواقها ومعالمها؛ فقد تعلّم العربيّة في قرية الطور؛ حيث كانت أكثر المناطق تطوّرًا وتحضّرًا. وكان جدّه موظّفًا بمصرفيّة القدس حتى الحرب العالمية الثانية، ثمّ رجع إلى تركيا. فقال: "آآه.. الحال تبدّل.. قديمًا كان أجدادنا يتعلّمون العربيّة في القدس حين كانوا فيها.. والآن حتى الأسماء العربيّة بدأت تتلاشى شيئًا فشيئًا.." قال ناصر: "غزاها كل طغاة الأرض ومرّت عليها كل الحضارات والأجناس وظلّت عربيّة.. مغتصبو اليوم ليسوا بأشرس من مغتصبي الأمس.. لذلك ستبقى عربيّة.. (ص104)".

أكّد الروائيّ على أحقيّة الفلسطينيّ بأرضه من خلال حوار ناصر وصراعه مع (ديفيد) الصهيونيّ، ولقد بثّ مأساة اللجوء والاغتراب من خلال البنية الفنّيّة للرواية، ووقف مليًّا على معاناة الشعب الفلسطينيّ في نكبة 48، ونكسة 67؛ لذا فإنّ مثل هذه الذكريات التي تجمع بين عنصري الزمان والمكان "فلسطين" تحدث علاقة بين القارئ "الفلسطيني على جه التحديد" والنص؛ ممّا يسمح للقارئ خوض التجربة والولوج إلى عمق الأحداث، فتتولّد حفريّات المكان من الزمن؛ لذا فإنّ دقّة الروائيّ في استحضار المكان وأحداثه ومن ثمّ ربطه ببقيّة مكوّنات السرد يخلق بينهم علاقة جدليّة مترابطة، مما يمنح الرواية أبعادًا مؤثّرةً، ويضفي المزيد من المفارقات في ساحة الأحداث السالفة والحاضرة للمكان، ويعطي مجالًا للقرّاء لاكتشاف الحلقات المفقودة، والربط والمقارنة فيما بينها. يقول ناصر الفلسطينيّ مجادلًا ديفيد الصهيونيّ: "أنا معجبٌ بوقاحتكم.. لو كان للوقاحة منهاج.. فأنتم أعظم مفكّريه.. هل تعرف القرار رقم 194 الصادر في سنة 1984 والذي يقرّ بعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى بيوتهم.. هناك أكثر من 40 قرار من قرارات الأمم المتّحدة تخصّ فلسطين لم يؤخذ بها.. التجبّر الأمريكي دعم ذلك بعنجهيّة متسلّطة لتثبيت طفلتها المدلّلة إسرائيل في مهدٍ غير مهدها (ص84)". لذلك فإنّ الوعي بالمكان الحقيقيّ وبتاريخه الأصيل يبقى وعيًا غامضًا غير مثمر إن لم يُجابه بالمكان المغتصَب وبالتاريخ المزيّف أو المفبرك.
ظهرت المستشفى كمكان ثانويّ في ثلاثة مشاهد الأوّل: في رواية "إنعاش منفى" وهي مستشفى قريبة من مطار أتاتورك استقبلت جرحى التفجير الذي حدث بالمكان؛ إذ دفعت ناصر لاسترجاع ذكريات تفجير كنيسة المهد وما تبعها من أحداث مأساويّة للشعب الفلسطينيّ. والثاني والثالث: في رواية "لا زال القلب نابضًا" وهما: مستشفى المقاصد بالقدس الذي كان يستقبل حالات مرضيّة من غزة واستغرقت الكاتبة في وصف معاناة الغزّيين في الحصول على تنسيق للعلاج ببلادهم. ومستشفى غزة التي استقبلت جرحى وشهداء القصف الغاشم على عائلة بجاد. والغرض من عدم وصف المكان وصفًا دقيقًا هو الاهتمام بالأحداث داخله وإبراز حجم الصراع الخارجيّ وعمق الصّراع النّفسيّ للشّخصيّات في كلا الروايتين. فقد تجاوزت الكاتبة مستشفى غزة كمكان إلى إبراز معاناة الغزّيين ووصف حجم المأساة وعمق الجراحات. تقول: "كلّ شيءٍ دمّروه، الشوارع التي تحمل ذكريات طفولتنا وصبانا.. أعداد النازحين والمشرّدين كبير، ووكالات الإغاثة عاجزة عن إيواء الجميع.. إنّهم يرصّون حقائبهم بجوار الباب في أيام القصف استعدادًا لأي شيء قد يحدث.. سماء تمطر فوقه بالقنابل(ص139،247)".

إنّ هذه الجدليّة المستمرّة على طول أحداث الروايتين بين الأماكن والشخصيّات ترتكز على قانون الفعل "التّأثير، التّذكّر" ورد الفعل "التّأثّر، الانفعال". لقد لجأ الروائيان من خلال البنية الزمكانيّة إلى تغذية الأحداث وإغنائها ببنية دراميّة داعمةٍ ومثيرة عمادها الصّراع الذي تبلور من خلال الحوار بنوعيه؛ حيث كشفا عن أفكار الشخصيّات وانفعالاتهم.

ثانيًا: تفكيك البُعد الحسِّيّ في تمثيل الماضي/ الحاضر الفلسطينيّ روائيًّا

لعبت الحواس دورًا مهمًّا في إثارة الذكريات واستحضار الماضي في الرواية المعاصرة؛ ومن هنا قام الروائيّ بتفعيل خاصّية الذاكرة الحسيّة لإعادة تشكيل هويّة الشخصيّات وأماكنها؛ ففي رواية "لا زال القلب نابضًا" أفرغ بجاد شحنات حنينه لذكرياته في غزّة من خلال إعمال حواسه. يقول: "رائحة الهواء لا تزال كما هي، مزيج من رائحة الأرض والبارود ودماء الشهداء، مختلطة برائحة الزيتون.. شجر البرتقال يفرض رائحته في الهواء.. مزيجٌ عجيبٌ لن تجده في أيّ بقعةٍ أخرى.. يثير في النّفس ما يُثير..(ص18)" لقد ولّدت حاسّة الشّمّ حركةً نفسيّةً منولوجيّة انتقل أثرها من بجاد العائد بعد غربة عشرين سنة إلى القارئ الذي عاش مشاعر الغربة والحنين والعودة.

إنّ السّرد الذي يُشحن بتشكّلاتٍ حسّيّة لا بدّ أن تتفاعل في سياقاته الصّور الفنّيّة مع الحالة الوجدانيّة للشخصيّات. يقول: "لم يتغيّر شيء، الساحة الواسعة الأسوار الخارجيّة التي لو اقترب منها لوجد رسومه وكتابته عليها وهو طفل. تسارعت دقّات قلبه تعزف على وترٍ حزينٍ وهو يدخل البيت فتستقبله وترحب به رائحة الخبز الطازج الممزوجة برائحة الزيتون والزعتر وطين الأرض الآتية من المزارع المحيطة. وعطر التقطه أنفه واهتزّ له قلبه.. يتوارى من الذكريات ويختبئ كاللّص بين متاهات العقل ثم يستيقظ كعقربٍ تحت الجلد لا يرى، وإنّما يهاجم.. ويلدغ. أهو سُمٌّ أم الترياق؟ (ص18)". إنّ حاسّة الشّم هي العامل الرئيس الذي استرجع ذكريات الماضي لدى بجاد؛ وكان للأحداث المرئيّة أمامه دورٌ في استدعائها؛ فكُشفت شخصيّته التي لا تزال تصارع الماضي وتلوذ بالحاضر، تمامًا كبندول ساعة لا يعرف التوقّف؛ لذلك فإنّ الذاكرة الشّميّة أشدّ وطأً وتأثيرًا على نفس المرء، وهي الأقرب للماضي والأسرع في الارتداد إليه إذا ما تآزرت معها ذاكرة أخرى تنسجمان في تشاكل حسّيّ وتصبغان السّرد بزينة تصويريّة تنغيميّة.

لقد برز التّشاكل الحسّيّ في: "عطرٌ اهتزّ"، "رائحة طين"، "عطرٌ التقط"، "عقربٍ تحت الجلد سُمٌّ". فالعطر، والرائحة من توابع حاسّة الشّم. والطّين، والجلد، ولفظ "التقط" من توابع حاسّة اللمس. والعقرب من توابع حاسّة البصر. ولفظ "اهتزّ" من توابع حاسّة السّمع. والسُّم والترياق من توابع حاسّة التذوّق. لقد رسمت الروائيّة صورًا جماليّة؛ توالت على إثرها الاستعارات مجسّمةً أو مشخّصةَ الأشياء "التقطه أنفه، اهتزّ قلبه، يتوارى (قلبه) من الذكريات، يختبئ كاللّص". ومن هنا فقد أَلّف تشاكل الحواس سيمفونيّةً صاعدةّ هابطةٍ، ورسم إحساسًا دلاليًّا عميقًا مثيرًا للدهشة والغرابة، فأثار الفاعليّة التواصليّة بين الحدث والمتلقّي. والمحرّك الأساسيّ في كلّ هذا عاطفة "وجع الماضي وحنين الحاضر" تفاعلت معها الحواسّ الخمس لتؤدّي دور الاستذكار والاسترجاع. وهذا "التكامل بين هذه الحواس مطعّمةً بالعاطفة يجعلها شاملةً قادرةً على بعث الحياة في الماضي، والتّصرّف فيه بما يقتضيه الزمن الحاضر وأحداثه الباعثة على استرجاع الذكريات ". وهي قادرةٌ على بعث الروح في المكان وبثّ الحركة في محتوياته.

إنّ ذاكرة الشّمّ قد استدعت الحواس كلّها لتعمل في كلّ متناغم للتأثير على نفس الشخصيّة والقارئ؛ ولتبثّ صراعًا دوريّا فعّالا، ولتُبقي أثر الذكريات مستمرًا. وهذا ما يُفسّر ورود الأفعال بشكلٍ مكثّف متآزر "تسارعت، تعزف، يدخل، التقطه، اهتزّ، يتوارى، يختبئ، يستيقظ، يهاجم، يلدغ". يبدو أنّ وجود البطل في المكان قد فعّل ذاكرة الحواسّ لديه، وخلق صراعًا دراميًّا امتدّ أثره من الماضي للحاضر حتى وصل بالقارئ إلى سؤالٍ مفتوح يثير تفاعلًا؛ ويخلق وجعًا لذيذًا يمتدّ أثره حتى بعد طوي صفحات الرواية. "أهو سُمٌّ أم الترياق؟".

وفي رواية "إنعاش منفى" فتح منظرُ جرحى انفجار مطار أتاتورك صندوقَ الذكريات المؤلمة لناصر "فهو نفس المشهد الذي عاشه في حصار كنيسة المهد قبل خمسة عشر عامًا.. لم يكن يمتلك أدوات تسعفه لإسعاف الجرحى.. وقف عاجزًا يستمع لآهاتهم دون أن يتمكّن من تخفيفها.. ومنهم من قضى نحبه شهيدًا.. الآن.. وبتوفّر كل الأدوات التي يحتاجها ناصر.. لم يقف عاجزًا.. (ص48)". لقد أُعملت حاسّة البصر تلقائيًّا في أحداث هذه الرواية كونها تعتمد على الصّراع الخارجيّ لمغتربٍ عن دياره؛ إذ شاءت الأقدار أن تضعه في مواجهةٍ مباشرةٍ مع عدوٍ له ولبلاده "ديفيد" الصهيونيّ. ولقد استدرجت حاسّة البصر ذكرى بصريّة، رَسَمَتْ من خلال بثّها مشهدًا دمويًّا خلّف جرحًا نفسيًّا غائرًا لكلّ متلقٍّ فلسطينيّ. إنّ ما يتحكّم بناصر البطل المغترب في رواية (إنعاش منفى) هو الواجب الإنسانيّ والوظيفيّ (كونه جرّاحًا) أكثر من كونه واجبًا وطنيًّا؛ لأنّه _ببساطة_ يُسعفُ جرحى ليس من طينته؛ لذلك فقد كان إعمال حاسّة البصر والسمع أَوْلَى في الكشف عن جروح الآخرين المادّيّة والاستماع لآهاتهم؛ ممّا يتناسب ووظيفته وعقلانيّته؛ لذلك فهو يبثّ مشاعره طازجةً كما يراها، ويقدّم مقارنةً بين الماضي والحاضر ".. وقف عاجزًا، الآن.. لم يقف عاجزًا"؛ ممّا يوحي بتقدّم الشخصيّة وقدرتها على اتّخاذ القرار دون سلبٍ لإرادته أو ضغط خارجيّ محكم.

لقد تجاوز ناصر مرحلة الحنين إلى مرحلة الانتماء، إنّه مسكونٌ بالهمّ الجمعيّ؛ لذلك فإعمال العقل لديه أقوى من إعمال العاطفة. وارتباطه بالحاضر أكثر من ارتباطه بالماضي. وهذا خلاف ما حدث مع بجواد المسكون بالهمّ الفرديّ؛ بحيث لم يستطع على طول الرواية أن يتجاوز أحداث الماضي إلّا من نهايتها؛ فبقت تراوده الذكرى كعقربٍ يلدغ قلبه ويأسر روحه؛ فراح يبثّ لنا مشاعرًا نائمة في غياهب روحه؛ لكنّها برزت على سطح السَّرد على هيئة ذكرياتٍ موجعةٍ استدعت توظيف حاسّة الشّم التي لا تمرّ بالفلترة ذاتها التي تمرّ بها بقيّة الحواس؛ لذلك فقد بدت أكثر تأثيرًا على الجانب العاطفيّ لبطل الرواية. ومن هنا كان لا بدّ أن يبرز لديه الصّراع النّفسيّ الذّاتيّ الواقع تحت تأثير الزّمنين الماضي والحاضر؛ فيقف عاجزًا عن اتّخاذ القرار؛ ويفكّر مليًّا بالتّخلّي فدائمًا ما يظهر مسلوب الإرادة عاجزًا يميل للانسحاب ويحبّذ الفرار. ودليل ذلك أنّه همّ بالسفر ثلاث مرات، ثمّ يعود أدراجه دون إثبات الذات؛ لذلك بدى محطّمًا حينما وصل لأعلى مرحلة صراع بين ماضيه (هشاشته، خوفه، وجعه) وحاضره (محاولة إثبات ذاته لجدّه، وخَلْع رداء الخوف) هذه المرحلة حينما رجع فوجد بيت العائلة قد دمّره الاحتلال. فرغم الفاجعة كان يحاول أن "يتحرّر من قيود الماضي شيئا فشيئا، يضع يده على موضع الجرح المتقيّح ينبشه بسرعة.. الدماء التي تتسرّب من جرحه الجديد.. تطهّر روحه من صديد الذكريات، وصراخه وهذيانه يطردون أشباح الماضي.. وخُيّل إليه أنّه سيُخرج أخاه جاسر ليخبره بأنّه ليس جبانًا.. ويعود عقله للواقع يفكّر في جدّه ويعتصر الألم في قلبه، لم يره وهو عائد، لم يخبره بأنّه ليس نذلًا.. (ص188)". صراع داخليّ متراكم ظهر بعد عدّة محاولات بشكلٍ مفاجئ وموجع. ولم يكن ظهوره على مستوى معنويّ فحسب بل على مستوى لفظيّ دالّ، ومدعّم بمستوى أُسلوبيّ هادف (لم يره، لم يخبره)، ومنسجم مع مستوى تركيبيّ (جُمل قصيرة متلاحقة). فقد "أفرغ من جوفه ركام الانفجار الداخليّ وهو يواجه الماضي، يواجه عقدته، وأسوأ كوابيسه، فيتخلّص من كلّ ما كان يأسره من تبلّد وسُباتٍ لسنوات(ص199)". إنّ تراسل الحواس وتوالي الاستعارات وتواشج الأسلوب وانتقاء الألفاظ وتآزر التركيب شأنه أن يشحذ انتباه القارئ ويحفّزّه على التفاعل والتقييم.

إنّ الإنسان المشوّش نفسيًّا والمسكون بالهمّ الفرديّ والملتفت دائمًا إلى الوراء حيث الذكريات؛ يشبه إلى حدٍّ كبير الإنسان المنتعِلِ لحذاءٍ ضيّق؛ إذ إنّه على طول الطريق ووعورته سيبقى رهين اليأس والوجع فينظر للأسفل وتتجاذبه التناقضات (قلبٌ طافح مخضّب بالذكريات ورؤية رماديّة مشوّشة)؛ لذلك فإنّ الصورة لا تجذبه، ولا تغريه الألوان، ولن يفهم سوى الضباب. فالروح السقيمة تُلغي البصيرة. تقول: "لمعت عيناه بالدموع وهو يتطلّع في وجوه الجالسين بشرودٍ وتيه في ذاته، وخز الضمير في صدره ينخز وينخز.. تركهم تحت القصف وهرب، أي رجلٍ نذلٍ هو؟! يقع تحت سيطرة شبح الماضي يجثم فوق صدره! وقف وتطلّع في السماء المظلمة.. وحوله فزّاعات الماضي تتشكّل مهولة أمام ناظريه.. (ص186)"

إنّ حاسّة البصر تتطلب تفعيل الإدراك وتمييز الألوان وربط هذا بذاك؛ ولا يتأتّى البصر لصاحب الضرر (النفسيّ غالبًا). وهذا خلاف حاسّة الشّم؛ فالروائح تتسرّب في الأنف بسهولة، تستهدف خلايا الجلد، وتتعمّق في الوجدان، وتستحضر الذّاكرة، وتفضح الخفايا بشكلٍ تلقائيّ عجيب. إنّ استعراض الصّورة ليست كشمّها؛ ودليل ذلك أنّنا لو مررنا بشارعٍ ما، ورأينا صورةً معلّقةً لفصوصٍ من الثّوم؛ فإنّها غالبًا لن تلفت انتباهنا. لكنّنا لو مررنا بالشارع نفسه وقد انتشرت في أجوائه رائحة الثّوم المدقوق المُقلّى؛ فإنّنا بالتّأكيد سنعود أدراجنا لزمنٍ بعيدٍ أو قريبٍ وتنفتح صندوق الذكريات تلقائيًّا لبيوتٍ أو أشخاصٍ أو حياةٍ أو كرامةٍ أو دفءٍ مسلوب، أو لأكلةٍ شعبيّةٍ تَنَاوَلَتْها الأسرةُ حينما كانت مكتملة. وهذا لا يتأتّى إلّا للفلسطينيّ المعذّب في أرضه أو في الشتات أو للإنسان الذي عاش بعضًا من تفاصيل حياته.

إنّ الأحداث في رواية "لا زال القلب نابضًا" كشفت عن العلاقة الوطيدة بين الذّاكرة الشّميّة والصّراع النّفسيّ لــ "بجواد" وأبرزت ما لهذه الذّاكرة من دور في إثارة مشاعره. وفي المقابل فقد كشفت رواية "إنعاش منفى" عن العلاقة القويّة بين حاسّة البصر والصّراع الخارجيّ بين ناصر كفلسطينيّ والآخر (ديفيد) الصهيونيّ، واتّضح من خلال حوارهما عمق الصّراع وتجذّره وامتداده زمانيًّا، بالإضافة إلى مدى عقلانيّة ناصر وإعماله الفكر والذّاكرة المشهديّة على القلب من جهة والذّاكرة الشّميّة من جهةٍ أخرى. ويعود ذلك إلى أنّ الوجع القلبي يُعمي البصيرة ويُلغي حاسّة البصر كما حدث مع "بجواد" المغترب الذي عاد لغزة وفتح جرحًا غائرًا (استشهاد أهله أمام عينيه) في روحه منذ عشرين عامًا بالإضافة إلى تخلّيه عن حبّ حياته (بيسان)، ثمّ عاد لينزف عشقًا لا يتجرأ أن يبوح به. ومن هنا فقد كان بجواد واقعًا تحت تأثير صدمة الفراق ولوعة العشق الممنوع. أمّا ناصر فقد كان مغتربًا تنفتح ذاكرته باستمرار بعدما يشاهد ما يثيرها (مشهد الطابور، انفجار المطار، السفارة الإسرائيليّة) ويروح بمقارنة بين الأمس والحاضر؛ فيبدو أكثر عقلانيّة وتوازنًا وهو على رأس عمله..

وفي مفارقة عجيبة تنقلب المشاهد وتتغيّر العلاقات في نهاية أحداث الروايتين؛ فيبدو بجواد أكثر عقلانيّة ويُعمل بصيرته ويكون منفتحًا على مستقبلٍ جميل وادع اختار به شريكة حياته وكوّن أسرة تعوّضه عمّن فقدهم، فنراه يوظّف حاسّة البصر. يقول في المشهد الأخير وهو يعانق (بيسان) زوجته الحامل: "أحبّ أن أتطلّع في الأراضي المزروعة على مرمى البصر لحظة شروق الشمس فوقها، إنّ هذه الأرض باقيةً مهما مرّ عليها من أحزان وفواجع، أتطلّع في الأشجار وآخذ منها المدد فمثلها مثلنا باقية مهما فعلوا، الزيتون، العنب، التين والصّبّار، لن يستطيعوا اقتلاعنا منها فجذورنا ضاربة بعمق الأرض الممتدة من فجر التاريخ(ص288)". فقد أصبح بجواد أكثر استقرارًا وصمودًا وتأمّلًا وانفتاحًا وانتماءً للوطن حاملًا للهمّ الجمعي.

أمّا ناصر فقد خانه بصره حينما تخلّى عن عقلانيّته، وتسرّب العشق القديم لروحه؛ فقد أغراه (ديفيد) الصهيونيّ لأن يوقّع على تنسيق أمني يمنحه الدخول للقدس ويفكّ _بموجبه_ أسْر (جود) حبيبته المسيحيّة التي كانت تداوي جراح الفلسطينيين الثائرين في القدس. وبعد هذا الحدث تلاشت حدّة الحوار مع الآخر، وتغيّر الصّراع الخارجيّ إلى صراعٍ نفسيّ ونبرة عتاب، ومشاعر خوف وقلق من اتّهامه بالتّعاون مع العدو ضد المجاهدين والمرابطين في القدس. بالإضافة إلى تسلّل العشق القديم وتمكّنه من قلبه. يقول: "رجع ناصر من أمام من ينتظرون دورهم من ركاب الحافلة لا يصدق ما يحدث.. فقد أحرق الشرار القادح من أشواقه ما تبقّى له من أعصاب فبات مهزوز الإحساس مشوّش.. توجس في قلبه يلزمه بعض الحيطة والحذر ممّا تخفيه عنه الأيام عن توابع هذا التنسيق الأمنيّ.. خرج ناصر إلى موقف السيارات في أريحا.. عبق الموز الذي استنشقه أثار ذكرياته.. هذه هي أريحا.. إنّها رائحة البلدة القديمة.. إنّها نشوة العودة (187-190)". وراحت الرائحة تلحّ على ذاكرته، فعطر المكان له لغةٌ عتيقةٌ تستولي على مضغة القلب فتحتلها فتوهن سواها أو تلغيها؛ لذلك فإنّ مشاعر ناصر أعمته عن تبصّر الحقائق؛ فراح ضحيّة الخداع واستشهد مع خليّة مجاهدة في كمين محكم.

إنّ النهايات السعيدة قد أثمرت بصيرةً متطلّعةً، وأثبتت أنّ الصّراع الخارجيّ مع الآخر باقٍ ومستمرّ. أمّا النّهايات المؤسفة قد حدثت نتيجة اتّباع القلب وأهوائه، وأكّد أنّ الهلاك نتيجة طبيعيّة للخداع والخيانة والصّراع النّفسيّ.

ثالثًا: حوارٌ نابضٌ بالصّراع منعِشٌ للشخصيّة

اعتمد الحوار في رواية "لا زال القلب نابضًا" على المونولوغ الدّاخليّ، فالبطل مسكونٌ بالهمّ الفرديّ ويعاني من الصّراع النّفسيّ. وأخذ الحوار الخارجيّ في رواية "إنعاش منفى" حيّزًا كبيرًا؛ كونه يرتكز على الصّراع مع الآخر "ديفيد" الصهيونيّ، وأبان عن بطلٍ مسكونٍ بالهمّ الجمعيّ. وعلى أيّة حال فإنّه لا مناص من تداخل أنواع الحوار والصّراع معًا؛ فكلّ منها يعتمد على الأحداث وحركة الأشخاص والصّراع بينهم ومدى تأثير البنية الزمكانيّة.

يعدّ المونولوغ الدّاخلي وسيلةً تبرز فيها أفكار الشخصيّة وأحاسيسها واضطّراباتها، وهو تكنيك يُستثمَر لتقديم المحتوى النّفسيّ للشّخصيّة، ويكشف عن مزاجها. تقول: "استقبلته رائحة كعك العيد.. قلّبت عليه ذكريات لا يريد تذكّرها، ذكريات تخصّ أمّه وإخوته الذين فقدهم قبل عشرين عامًا، إنّه محاصرٌ بالذكريات، كلّ شيْ يسحبه للماضي، وهو والماضي ألد الأعداء.. لماذا يهتم؟ لا يريد أن يهتم! لا يريد أن يسمع عن التاريخ، ألا يوجد مفر من هذا الوطن! ساوره الشكّ ينهش في لحمه، أكان صادقًا في طمس هويّته وطمس بيسان من قلبه؟ (ص72)".

لقد اُستُهِلَّ الحدث بتوظيف حاسّة الشّم التي تقوم بِدَوْر استدعاء الصّراع النّفسيّ المغموس بالهمّ الفرديّ، والمدفوع بالذكريات التي تسيل من بين الألفاظ والتراكيب. وفي تكرار أسلوب الاستفهام إشارة قوية لعمق تأثير الماضي على بجواد وشدّة الصّراع بينهما.

إنّ حوار الشّخصيّة مع نفسها يدفع المتلقّي لأن يتخيّل مشاهد متنوّعة مليئة بالتّناقضات، وتفتح المجال له باستنباط دلالاتٍ وإيماءاتٍ توحي بمكنونات الشخصيّة؛ ومن هنا فإنّ بنية السّرد في رواية "لا زال القلب نابضًا" تتألف من جملة من "المونولوغات" ولحظات النّجوى التي تكوّن في مجموعها موقفا دراميًّا "بالغ الحرارة ومعقّد التركيب، كل مونولوج فيها يقدّم جانبًا موازيًا لنفس الشّخصيّة المحوريّة في لحظةٍ مجاورةٍ لما يسبقه ويلحقه ". فيُلحظ لذلك أنّ ضمير الغائب أو المتكلّم سيكون بمثابة نغمةٍ متواترةٍ كفيلة بإثارةِ الاستعدادِ النّفسيّ للتّلبس بحالات: (الأسى، الخذلان، الفقد، الاغتراب). أو حالات: (الغبطة، الفرح وتحقيق الذات). وكلّها موضوعات دارت رحاها في الرواية، وإن كان الوجه الحقيقيّ للمأساة أكثف في الحضور تقول: "لمعت عيناه بالدموع وهو يتطلّع في وجوه الجالسين بشرودٍ وتيه في ذاته، وخز الضمير في صدره ينخز وينخز.. فأفكاره تعتقله هناك في الداخل عند الحدود الفاصلة بين (أكون ولا أكون).. تركهم تحت القصف وهرب، أي رجلٍ نذلٍ هو؟! أي رجلٍ ضعيف هو؟! يقع تحت سيطرة شبح الماضي يجثم فوق صدره! لا بدّ أنّهم الآن ينعتونه بالنّذل، الجبان.. وقف وتطلّع في السماء المظلمة.. وحوله فزّاعات الماضي تتشكّل مهولة.. وتسأله: ماذا لو متّ يا بجاد؟ لو مت ستموت رجلًا يا بجاد.. (ص186)". وهنا تقفز ملامح الشخصيّة المتضاربة على سطح الأحداث؛ وظهر جاد بحالة متأرجحة بين موقع (الأنا) الحاضر، وموقعها الماضي (ظلّها)، إنَّها مرحلة معقّدة من عدم الانسجام مع النّفس. لكنّها مرحلة حميميّة مغلّفة بالأسى والاتّهام. هذه التضارب شكّل الوعي الجماليّ ودفع الروائيّة لاستثمار تقنيّات عدّة: كالمونولوغ الدّاخليّ، ورمزيّة المكان، والصّراع النّفسيّ والزّمكانيّ؛ وبذا فقد تجاوزت حدود المقاييس المعهودة إلى التّعبير الأصدق عن حقيقة الشّخصيّة النّفسيّة وما يعتلج روحها من آلام.

أكسب الحدثُ الطازج المونولوغَ دورًا مائزًا قادحًا "يسمح لسيل من ذكريات ماض أبعد بأن تنبعث في الذّهن ". فقصف العدو لبيت العائلة الكبير أشعل شرارة ذكرياتٍ مريرة لبجاد حينما كان طفلًا وهي "استشهاد أمّه وإخوته قبل عشرين عامًا"، وأوقد في روحه مشاعر: الأسى، والحسرة، والخسارات. وهنا تنتقي ذاكرته فترة زمنيّة مهشّمة تتميّز بالتّدفّق الفجائيّ للأفكار.

وهذا بحدّ ذاته يكثّف تركيز المتلقّي في الصّوت الوحيد الذي يستدعي كلّ الأصوات الماضويّة المتشبّثة بالطفولة الغضّة، وبالتّاريخ العائليّ، وبالأحداث الحاسمة في حياته.

إنّ المونولوغ يكشف عن تلك الذكريات الحميميّة التي يفتقدها بجاد أو التي يحاول تكوينها من جديد. لكنّها متعلّقة بالأهل ومرتبطة بالبيت العتيق؛ "وقف بجاد أمام البيت ذي الطوابق المتعدّدة الذي شهد طفولته.. ورفع رأسه يدقّق فيه لبرهة.. لا يزال ذلك البيت بالنسبة له عاليًا وضخمًا ومهيبًا.. شامخًا وسط الشارع، بيت الحاج صادق المقدسي. جده. (ص17)".

فالمونولوغ قد كشف عن بقعةٍ ماديّةٍ ذات جاذبيّةٍ أثيريّةٍ، وهو ليس مجرّد تجسيدٍ للبيت فحسب، بل هو تجسيدٌ للذكريات وتحليقٌ لروح الغائبين، ومنهلًا يفيض بالمشاعر الحميميّة. وهو ما يضفي على النّفوس جمالًا تألفه وتأنس به.

لقد اتّضحت شخصيّة ناصر من خلال الحوار/ والصراع الخارجيّ بينه وبين "ديفيد" الصهيونيّ في رواية "إنعاش منفى". يقول ناصر ويرد عليه ديفيد:

– هذه أحد الأكاذيب اللامنطقيّة التي حفظكم إياها قادتكم وساستكم.. لكن كيف لنا أن نكون نحن العرب معادين للساميّة ونحن ساميون.. هل سنعادي أنفسنا؟ نحن معادون للصهيونيّة وشتّان بين هذا وذلك. أنتم تخلطون.. حتى تكسبوا تعاطفًا سياسيًّا..

– السامية هي اليهوديّة

– أرأيت؟! تردّدون مصطلحات لا تعرفون معانيها.. إنّ الساميين مرتبطون باللغة والتاريخ والأنساب وليس بالدين.. وسموا بالساميين نسبة إلى سام بن نوح..

– أنت تتحدّث طبقًا لمصادرك وأنا أتحدث طبقًا لمصادري..

– مصادرنا مؤرّخة ومسندة.. حتى أنسابنا وأشجار عائلاتنا.. أما مصادركم فهي محرّفة.. لتتماشى مع جشع رؤيتكم.. (ص29).

حوارٌ طويلٌ يمتدّ لصفحات يكشف عن زيف ادّعاءات العدو، ويوضّح الهوة السحيقة وحجم الصّراع بين الطرفين. في المقابل يظهر ناصر بمظهر المثقّف العالِم بالأرض وتاريخها، ويدعم قوله بالحجة والبرهان؛ لذلك فإنّ ردّه في الحوار يكون أطول؛ لأنّه يعرف كيف يجيب ويدلّل ويسوق الحجج والبراهين. وهذا الحوار لم تهدأ وتيرته إلّا حينما دخل العدو الخبيث الماكر لناصر من حيث يحب. ودفعه لأن يوقّع على تنسيق أمنيّ يمنعه من مشاركة المجاهدين ويمنحه حق العودة ويتكفّل بخروج جود محبوبته من السجن. فجاء الحوار قصيرًا يمقته ناصر ويحاول التهرّب منه بأيّ طريقة كانت، فبدأ رحلة الصراع النّفسيّ والمونولوغ منذ توقيعه حتى لحظة الغدر به.

رابعًا: وصف العلاقات وانعكاسها على الهويّة

إنّ العناصر السّرديّة: المكان، والزمان، والشخصيّة، والصّراع، والحوار، والوصف تشكّل وحدة بنائيّة؛ ذات علاقات تبادليّة تفاعليّة؛ بحيث يصعب الفصل بينها في التحليل النّقديّ وتوضيح الأثر الجماليّ. وهذا التداخل هو الذي يولّد العلاقات ويمنحها أثيرًا خاصًّا يمتد تأثيره على طول الأحداث واقعًا وسردًا.

لقد وصف الروائيان العلاقات والعادات السائدة في فلسطين؛ فجاءت العلاقات إيجابيّة وبرز التّسامح الدينيّ بين المسلمين والفلسطينيين والتعاون والاتّفاق على الجهاد ضد عدوّهم الموحّد. فكانت لبيسان زميلة مسيحيّة دميانة ولبجاد صديق مسيحيّ يُدعى أنطوان وكان لهما تأثير في مجريات الأحداث.

أمّا ناصر فقد أحبّ جود الطبيبة المسيحيّة حتى صار يُنادى باسمها "أبو جود". ولها كذلك دور بارز في المشاهد الأخيرة ومداواة الجرحى في أحداث القدس وقد أُسرت عدّة مرّات.

إنّ أغلب أحداث رواية (إنعاش منفى) كانت في مطار أتاتورك والمشفى القريب منه؛ لذلك فإنّ الروائيّ قد أبرز الكثير من العلاقات منها علاقات طيّبة؛ كعلاقة ناصر مع: (الدكتور بوراك التركيّ، وسيّد أصلان (مأمور السجن)، وزوجته الفنزويليّة) وبدت العلاقات تزداد إيجابيّة حينما علموا أنّه فلسطينيّ أكثر من كونه جرّاحًا. وتمثّلت العلاقة السيّئة بــ: (ديفيد الصهيونيّ، ومسؤول في السفارة الإسرائيليّة بإسطنبول). ورغم تعدّد العلاقات في هذه الرواية إلّا أنّها جاءت واضحةً في الشّخصيّات وملموسةً في ردود أفعالها.

أمّا في رواية (لا زال القلب نابضًا) فقد جاءت العلاقات في مجملها حميميّة طيّبة كالتي بين بجاد و: (بيسان، جده، وأبناء عمومته، وأصدقائه). تقول: "علا تصفيق وغناء النسوة.. يحتفلون بعريسين وعروستين.. بينما التف الشباب حول العريسين يهللون ويغنون.. شادي تنحنح وقام بإلقاء (تهليلة) رغم أنّها طقسًا نسويًّا.. أويها وياما دبكوا برجليهم.. وياما تغامزوا بعينيهم.. وقالوا بجواد ما بتزوج.. تزوج وجلع عينيهم.. لولولي.. انفجر الشباب مقلدين الزغاريد.. بينما علا الضحك بالمكان..(ص432)". هذه العلاقة الاجتماعيّة الطّيّبة كشفت عن مدى التّفاعل والإخوّة والمشاركة في الأفراح والأتراح.

وفي سرد العلاقات اعتمد الروائيّان على التشبيه كفن يتناسب مع سرد الأحداث الاجتماعيّة والتاريخيّة، ولقد اجتمعا على تصوير هيبة كبير العائلة، كما جاء في وصف أبي ناصر: "كان يجلس في صدر المجلس مهابا قليل الكلام كشجر السنديان العجوز لا تسقط أوراقها حتى في الخريف إلا أنّه إذا هزتها الرياح صفقت بأوراقها لتُسمِع القاصي والداني غضبها.. فكلمته يحموم وقراره مرسوم..(ص201)". جاء التشبيه ليؤكّد على اتّزانه ورسوخه قبالة غضبه وإصراره. يقول الحاج صادق جد بجواد: "الانهيار واليأس ضعف وهزيمة، وأنا ورثت عناد هذه الأرض.. صمودي وحده أمام طائرات العدو ودباباته، يقذف في قلبه الرعب.. لن يقهرني، مهما فعل لن يقهرني، أنا باق على هذه الأرض، أنا صاحب الحق وباق فيها حتى مماتي، جذوري محفورة حتى سابع أرض لن يقدر على انتزاعي ولا محوي من الوجود، وحين أموت سأترك له أولادي وأولاد أولادي. هم امتداد لي، زرعتهم هنا وفي البعيد.(233)". كناية عن العناد والصلابة والثبات قبالة إرهاب العدو، وورد التشبيه؛ ليؤكد على الرسوخ وأصالة الهويّة وعمق الانتماء.

خامسًا: علاقات منقوصة أو مغلوطة

ينسجم القارئ مع تشبيه الحبيبة بالوطن في كلا الروايتين؛ كونه يكشف عن قوّة العلاقة بين البطل والوطن من جهة وبين البطل والحبيبة من جهةٍ أخرى. لكنّه لا يكفي أن نكتفي بتوظيف الجانب الرومانسيّ لجذب انتباه القارئ وتحرير مشاعره؛ خاصّة أنّ الروايتين تتحدّثان عن أحداث فلسطين التي دفعت أبناءها للانطلاق نحو مشاعر أكثر قوّةً وانتماء وعمقًا.

وفي هذا السياق يؤخذُ على كاتبة رواية "ما زال القلب نابضًا" هو عدم وصف العلاقة بين بجاد وأمّه وأخويه بل تطرّقت إليها بشكلٍ بسيط متناثر. وأؤكّد على هذا المأخذ كونها ربطت بجاد في ماضيه ربطًا قويًّا؛ بحيث أثّر على سياق الأحداث كلّها. فكان لزامًا أن نسمع صوت أمّه وهي توصيه، أو تنهره، أو نشتمّ عطرها داخل سياقات الأحداث، أو تأخذه لزيارة قبرها وتُسمعنا حديثها له وأحاديثه لها. إنّ رمزيّة الأم تستدعي معاني الدفء والاحتواء والتّحمّل والنّزوع المتأصّل إلى عالم الطّفولة والبراءة والبساطة؛ ممّا جعلها قطب المسؤوليّة ومركز الأسرة الفلسطينيّة.

إنّ شعور بجاد بالوحشة والاغتراب النّفسيّ كان لا بدّ أن يُقابل بالدفء والأُلفة من خلال الولوج إلى الحُلم وبعث الأُم ورمزيّتها في بُنية السّرد؛ ممّا يُضفي مزيدًا من الإحساس بالخسارات وتعميق الوجع وإقامة الكثير من المفارقات بين حالته في (وجودها وغيابها). إنّ رمز الأُم في الرواية العربيّة وخاصّة الفلسطينيّة ضروريٌّ جدًّا؛ لكنّ الروائيّة أوجعت بطلها وأتعبت قارئها فلم تلعب على الوتر الحسّاس لدى المتلقّي الفلسطينيّ تحديدًا.

أمّا ما يؤخذ على كاتب رواية "إنعاش منفى" هو محاولته تسريب وجود جزءًا من الإنسانيّة لدى "ديفيد الصهيونيّ وزوجته سارة"؛ فقد تعاملا مع ناصر في بعض الفصول تعاملًا لطيفًا كونه ساعدهما في مطار أتاتورك. ولم يكتفِ بذلك بل إنّه أكّد أنّ سارة قد حزنت وتوجّعت على ما فعلته المخابرات الإسرائيليّة حينما اغتالت ناصر والخليّة المنتمي إليها. وإن كانت هذه الحالة قد تحدث واحد بالمئة في الواقع فإنّ تسع وتسعين بالمئة هي حالات خيانةٍ ومكر. فالمحتلّ يقدّم مصلحته على كل شيء، وبالنهاية فقد تمّت تهنئتها وغادرت وهي تحمل حزنًا عظيمًا كونها شاركت في قتل الأبرياء.

إنّ القارئ يميل إلى عنصر المفاجأة، فلا جديد قدّمه الكاتب بعدما حاول أن يُسرّب فكرة الإنسانيّة التي قد يتمتّع بها بعض اليهود في الفصول السابقة. وأرى لو أنّه كشف عن مؤامرة أُحاكتها سارة مع "آمان" شعبة الاستخبارات العسكريّة التي تعمل معها؛ لسمع لعنات القارئ عليها ولأدرك أنّه وقع ضحيّة الاستدراج والخداع تمامًا كما وقع ناصر.

الخاتمة:

لعبت الحواس دورًا محوريًّا في استثارة الصراع بنوعيه واستدعاء الذاكرة الفرديّة والجمعيّة، وجاءت كبديلٍ لغويّ صامت يعكس عمق التجربة، ويكشف حجم الصّراع وبُعد الهُوة بين العلاقات أو قربها؛ لذلك فإنّ توظيف الحواس:

– يسهم في استدعاء الذاكرة، وبناء الزمن الروائيّ، وإنتاج دلالات الهويّة والصّراع والحوار، وتجسيد العلاقات الاجتماعيّة والدينيّة والسياسيّة وتحوّلاتها.

– يكشف السّرد الحسّيّ عن أبعاد دلاليّة وجماليّة تكمن في: تجاوز الوظيفة الوصفيّة والإسهام في إنتاج المعنى الروائيّ، والتكثيف الدلاليّ من خلال التركيز على ترسيخ الهوية ومقاومة الطمس بأساليب مختلفة، فتح آفاق مغايرة وجديدة لفهم الرواية المعاصرة، تفعيل خاصيّة التشاكل الحسّيّ وفهم طبيعة عملها من خلال القارئ، تعميق الشعور بالهمّ الجمعيّ والتّمسّك بالهويّة الفلسطينيّة بوصفها هويّة متجذّرة في الذاكرة والبنية الزمكانيّة.

– تعد الذاكرة الشمّيّة أكثر التصاقًا بالماضي؛ فتعيد تشكيله ضمن أحداث الحاضر. بينما حاسّة البصر تعمل على تأطير الماضي ضمن مشاهد مرئيّة؛ فتعيد تشكيل الحكاية مع منحها بُعدًا تمثيليًّا يربط الغائب بالحاضر.
– وعليه، يجب دراسة العلاقة بين الحواس والصدمة في الرواية العربية، أو سيمياء الحواس في أدب الطفل، تعزيز الدراسات البينيّة..

المراجع:

1. فضل، صلاح: شفرات النّص" دراسة سيمولوجيّة في شعريّة القصّ والقصيد"، عين للدراسات والبحوث الإنسانيّة والاجتماعيّة_ القاهرة، 1995م، ط2.
2. القاضي، محمَّد، وآخرون: معجم السرديَّات، دار محمد علي للنشر، تونس، مكتبة الأدب العربيّ، ط1، 2010م.
3. قندح، محمد داود: رواية "إنعاش منفى"، الدار المصرية السودانية الإماراتيّة_ مصر، ط1، 2025م.
4. كبابي، وردة: سيميائيَّة العنونة عند واسيني الأعرج، مجلّة مقاليد، ورقلة –الجزائر، 2017م، ع 12.
5. ياسين، سمير الحاج: دراسة الزمان في أدب القرن العشرين، المؤسسة العربية للدراسات والنشر_ بيروت، ط1، 1980.
6. يسري، شيماء: رواية "لا زال القلب نابضًا"، دار إبداع للترجمة والنشر والتوزيع_ مصر، ط1، 2021م.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى