فنانو لبنان بين الهروب والصمود
ما أن انطلق الصّاروخ الأوّل على جنوب لبنان قبل حد عشر يوما، حتّى حزم معظم فنّاني لبنان حقائبهم، ولم ينسوا أن يأخذوا معهم أغراضهم النفيسة ومجوهراتهم، ليعبروا الطّريق البرّي إلى سوريا، ومنها إلى ما طاب لهم من عواصم العالم، التي اعتادوا أن يمارسوا فيها ملذّاتهم الشّخصيّة بعيداً عن أعين الكاميرات.
ليس مطلوباً من فنّاني لبنان أن يموتوا تحت غارات الحقد الإسرائيليّة، ولا أن يموتوا من الجّوع تحت الحصار المفروض على لبنان، والذي لا يعرف إلا الله متى سينتهي، ولا مطلوب منهم أن يحملوا البنادق ليحاربوا، المطلوب القليل من الصّدق كي لا يتحوّل بعضهم إلى رمز وطني، وهو لا يستحقّ حتّى جواز السّفر الذي يحمله، وقد يأتيك بأغنية سجّلها على عحل في أحد استديوهات البلد الذي هرب إليه، ليدعو اللبنانيين إلى الصّمود والمواجهة، والبقاء في أرض الوطن، ويتشدّق بحبّ لبنان، وحين يسدل الليل ستاره، وتبدأ الطّائرات الوحشيّة بإغداق صواريخ حقدها على المناطق الآمنة، ينصرف إلى ملذّاته الشّخصيّة، وحفلات مجونه التي لا يعرف أنّها لا تخفى على عدسات الكاميرات، حتى تلك التي لم تعد تنتبه لوجوده في خضم المأساة الأليمة التي يعيشها لبنان، حيث لم يعد للحب ولا للفرح ولا للفن مكان.
حاولنا الاتّصال بمعظم فنّاني لبنان، للوقوف على رأيهم فيما يجري في لبنان، فهم يدّعون أنّهم يمثّلون شريحة من الشّباب اللبناني، لكنّ ادّعاءهم ما يلبث أن يسقط حين تبادرهم بالسّؤال عن رأيهم بما يجري لتسمع إجابة موحّدة، من الفنّانين الذين يختلفون على كل شيء إلا على إصرارهم على عدم الحديث بالسّياسة، أسأل إحدى الفنّانات "ما رأيك في العدوان الإسرائيلي على أطفال لبنان؟"، فتقول لي بسرعة "بليز ما بحب إحكي سياسة"، ولا أعجب لموقفها، فقبل ستّ سنوات حين تحرّر الجنوب، سألت إحدى الفنانات عن رأيها بإنجاز التحرير، لأسمع منها إجابة مماثلة.
أي سياسة وشعب لبنان يغتال؟ أي سياسة والبلد محاصر؟ أي سياسة وأطفال لبنان يموتون يومياً والعالم العربي والمجتمع الدّولي يتفرّج؟ فليتفرّج العرب ومعهم المجتمع الدّولي طالما أنّ فنّانينا أنفسهم لا بأبهون بما يجري في وطنهم.
أسأل فنّانة أخرى عمّا إذا كانت ستلغي حفلاتها المقرّرة خلال أسبوعين، فتقول لي " أرجوك لا تورّطيني بإجابة قد أندم عليها لاحقاً، قد تطول الحرب وقد تنتهي غداً، لذا لن أتّخذ قراري قبل جلاء الأمور".
ليس مطلوباً أن يعلنّ فنّانو لبنان الحداد، ولا أن يوقفوا نشاطاتهم ولا أن يفعلوا كما فعلت السيّدة الكبيرة ماجدة الرّومي التي جالت على المدارس التي احتضنت المهجّرين الذين لا مأوىً لهم، وأطلقت صرخة ألم عبر قناة "mbc” مع الإعلامي محمود سعد، صرخة مواطنة لبنانيّة موجوعة، مذهولة من صمت العالم على ما يجري في لبنان، المطلوب منهم فقط، ألا يتشدّقوا بعبارات الصّمود والتحدّي والمقاومة في أغان تعدّ على عجل كلّما لاحت بوادر أزمة وطنيّة، طالما أنّ أياً منهم لم يصمد في لبنان سوى ساعات قليلة كانت كافية ليعدّوا حقائبهم، ويتركوا أرض الوطن.
فما أن اندلعت أولى شرارات الحرب حتّى حزمت كل من ريدا بطرس ونورا رحّال ونيكول سابا حقائبهنّ وسافرن إلى الخارج، وكان بانتظار الفنّانة هيفاء وهبي طائرة خاصّة نقلتها إلى خارج لبنان، بينما تتواجد الشقيقتان نانسي وناتالي معماري في أحد فنادق جدّة، بينما نجد أن الفنانة نوال الزّغبي التي تحمل جواز سفر كندي يمكّنها من السّفر ساعة تشاء، قد أصرّت على البقاء في منزلها في منطقة بصاليم، بينما يتواجد الفنان مروان خوري في منطقة عمشيت، والفنّان راغب علامة في برمانا، ومادلين مطر بقيت في الشاليه الخاص بها في جونية مع عائلتها، أمّا معظم الفنّانين، فقد تركوا منازلهم منذ اليوم الأوّل للاعتداء، وسافروا إلى الخارج
عن أيلاف
الصامدون الباقون هم شعب لبنان الحقيقيين، وأما الباقي فسوف يجدون في استقبالهم أمراءالنفط.
