«عاش الموت» رواية جديدة للكبير الداديسي
"عاش الموت" إبداع جديد ينضاف للرواية المغربية والعربية، ولبنة في ريبرتوار الروائي الكبير الداديسي، سفر جديد في الزمان والمكان يحكي قصة طبيب استفاد من منحة (FULbright) لمتابعة أبحاثه في الطب النفسي بالولايات المتحدة الأمريكية، وتخصص في متابعة تأثير الحروب على الجنود.... ومن خلال وقوفه على الاضطرابات والمشاكل النفسية الكثيرة ي التي يعاني منها الجنود الامريكيين الذين شاركوا في حرب الفيتنام وحرب أفغانستان وحرب الصومال وحرب الخليج... صار يستحضر صورة جده الذي ولد في شمال المغرب وشارك إلى جانب فرانكو في الحرب الأهلية الإسبانية مسترجعا وحشية الأحداث التي كان يرويها جده عن فرقة "عاش الموت" التي كونها فرانكو من المغاربة وجعلها شعارا مرعبا، واستطاع من بواسطتها القضاء على جميع منافسيه خاصة "الروخوس" الشيوعيين... ليقف الطبيب مستغربا وهو يرى جده وأصدقاء جده يعيشون حياة عادية تزوجوا ، أنجبوا، يؤدون مسؤولياتهم الأسرية والمجتمعية... دون أن يفكر أحد منهم في زيارة طبيب نفساني أو تناول أدوية أو عقاقير رغم كون اكثرهم يحمل ندوبا جسدية أو عاهات مستديمة أو حتى بتر أطراف...
وخلال كل تلك الذكريات تنسج أحداث كثيرة تحكّـم فيها نظم سردي متسلسل لحكاية عبرت أربع قارات وجمعت ثلاثة أجيال... بدأت والجد يستعرض تفاصيل حياته كيف التحق بقوات فرانكو في الحرب الأهلية الإسبانية في الثلاثينيات قبل أن يلزم فرنكو مشتغلا في حرسه الخاص لما بسط سيطرته على إسبانيا، ولم يغادره إلا بعد إعلان استقلال المغرب، وقبل مغادرته اسبانيا ربطته علاقة عابرة بامرأة مكسيكية الأصل نتج عنها ولد ذكر سافر مع أمه إلى الولايات المتحدة ليلة وفاة فرانكو، واستطاع الالتحاق بالمارينز والمشاركة في حرب عاصفة الصحراء بعد اجتياح القوات العراقية للكويت... وبعد عودة الجد إلى المغرب غداة استقلال المغرب تزوج وانجب فتاة اضطرتها ظروف معينة إلى السفر للعمل بالخليج والاشتغال بفندق بمدينة الخفجي السعودية... وعند دخول القوات الأمريكية لمدينة الخفجي استعدادا لاجتياح العراق، التقت بذلك الجندي الأمريكي في علاقة عابرة نتج عنها حمل... وعادت إلى المغرب تحمل في بطنها جنينا لا تستطيع اقناع اسرتها بمن يكون والده.... ولد الولد وعاش في كنف جده يحكي له بطولاته في الحرب الأهلية الإسبانية، وهاهو اليوم طبيب تتطلع إليه عيون الجنود عسى يخلصهم من الكوابيس التي تقظ مضجعهم، وأمام كثرة الحالات التي كان الطبيب المغربي يتابعها تتوطد علاقته بالسيد جون الجندي الأمريكي المتقاعد الذي يعاني أثار متلازمة العراق، ويتعلق الطبيب بابنة الجندي، ويصحبهما معه إلى المغرب لحضور جنازة جده، ليكتشف بعد تطور الأحداث أن هذا الجندي الأمريكي الذي يعالجه ويحلم أن يصاهره هو في الأصل والده ، لتلقى الرواية بالقارئ في دوامة العلاقات العائلية المتشابكة، استعصى على الطبيب النفساني فك طلاسمها، وهو حائر كيف يحدد العلاقات فيها وقد ولد من علاقة بين أخوين؟ كيف تكون أمه هي عمته، وأبوه هو نفسه خاله، وكيف يكون ابواه أخوين... ليعيش وتعيش الأسرة معه في دوامة غريبة وأحداث لم يفك خيوطها سوى الصدمة التي أعادت للجدة القدرة على الكلام، في أعداث لا يمكن أن تجتمع إلا في رواية "عاش الموت".
إن هذه الأحداث ومثلها كثير في الرواية تجعل "عاش الموت" تسافر بالقارئ في متاهات الحروب وتقارب قضايا الهوية والانتماء والعلاقات الإنسانية والعائلية، تتنقل بين الماضي والحاضر، بين الواقع والتذكر، وتجمع بين شخصيات من ثلاثة أجيال وخلفيات مختلفة في بنية سردية معقدة، تطوح بالقارئ في أربع قارات يخيط تفاصيلها رواة يجيدون الرقص على حبال اللغة، ويقدمون للقارئ فرصة للتفكير في المواضيع التي تناولتها الرواية. بدءا بالعنوان المشحون بالدلالات والأفكار سواء التي لها علاقة بشخصيات الرواية أو ما تحيل عليه من ملابسات الحروب كالحرب الأهلية الإسبانية، أو حرب الخليج الثانية وغيرها من الحروب التي تتناولها الرواية. أو ما يتضمنه العنوان من معاني رمزية لعلاقة الموت بالحياة باعتبارهما وجهان لنفس العملة يستحيل تصور أحدهما دون الآخر، ما يجعل الحياة غير ذات معنى دون موت، حين يغدو الموت جزء من الحياة.
ولعل ما زاد الرواية عمقا جعل صورة الغلاف لوحة فنية ملائمة للعنوان وللمتن المحكي تترجم شعار "عاش الموت "Viva la Muerte" الذي أرعب الإسبان خلال الحرب الأهلية، وهو ما أحال لوحة الغلاف "عتبة نصية" تعكس جوهر الرواية: ذلك أن اللوحة مستوحاة من أجواء الفن السريالي المليئ بالرموز التي تحاكي ثنائية الحياة والموت، حيث الجثث والهياكل العظمية في تفاعل مباشر مع الأحياء، قرب مرآة تعكس مواجهة الذات لواقع مشوه، عسى تستطيع الرواية فتح أفق يعيد قراءة التاريخ و قراءة حياة شخصيات مؤثرة في ذلك التاريخ من زاوية غير معتادة. خاصة وأن شهادة جد المؤلف، تقدم سردية مخالفة للسردية السائدة التي لا ترى في فرانكو إلا ديكتاتور مستعمر متسلط. مما يجعل الرواية بوابة لحرية الرؤية: وحق الفرد في نقل الحقيقة كما رآها أسلافه، بعيداً عن "الأدلجة" أو الضغوط السياسية.
في مقاربة، واستعراض لأحداث تمزج بين التاريخ والفن، والوقائع والتخييل. وكل ذلك يتماشى والمشروع الروائي الذي يشتغل عليه الكبير الداديسي والمهتم بثقافة البحر الأبيض المتوسط والعلاقات المغربية الاسبانية كما تجلى في رواياته السابقة كرواية "انتقام يناير" ورواية "قهوة بالحليب على شاطئ الأسود المتوسط" ورواية "رقصة الفلامنكو" لينضاف إلى هذا الصرح هذا المولود الجديد رواية "عاش الموت" الصادرة عن مطبعة L’ile Tecالرباط مارس 2026 في 286 صفحة من الحجم المتوسط
