الاثنين ٢٧ نيسان (أبريل) ٢٠٢٦

رواية «أرواح لا تهزم» للمصطفى البوسعيدي

قدّم المصطفى البوسعيدي في روايته الأولى «أرواح لا تهزم» (الآن ناشرون وموزعون، عمّان، 2026) عملًا محكمًا ودقيقًا وجميلًا إلى حد كبير. فهو يكشف عن حسٍّ إنساني ينقذه من روايات المثقفين التي تتخذ بطلها الرئيس من مثقفي شرائح الطبقة الوسطى، وتجعل من عذابه وتردده موضوعها الأول.

إن البطل الحقيقي لدى «البوسعيدي» هو الوضع العام، في ظل الظروف الاجتماعية والسياسيّة والثقافية التي مرت – وتمر - بها فلسطين، منذ مطلع القرن العشرين، وتحديدًا عشية 7 أكتوبر 2023، حين قامت إسرائيل بغزو غزة. وما واكب ذلك من مقاومة إنسانيّة وفكريّة، ظهرت في شكل صور بشرية، وعلاقات تسطع بالصلة الوثيقة بين قاع الدول المظلومة وسطوة الدول الطاغية، بين شخصيات رمى بها القصف إلى الخلاء في غياب تام لأبسط حقوق العيش، فعصرت من أزمتها وقودًا لمقاومة الطغيان.

يرسم «البوسعيدي» بدقة وحرارة علاقة التفاعل بين حب الوطن وجبال البؤس التي جعلت من كل غزّي مقاومًا لا يهادن ولو كلفه ذلك روحه. وقد جمع الكاتب هذين الطرفين المتداخلين جغرافيًّا، المتقاتلين عقائديًّا، في وضع دفعه ليسبح في مناخ سياسي واقتصادي ملوث يتنفسه الجميع، ويتهدد خطره المشترك معًا. ولعل الاكتشاف الفني والفكري الذي تقدمه الرواية؛ هو أن فساد المجتمع الدولي لا يهدد الفقراء وحدهم، وإنما يهدد الجميع. هناك محتل فاسد يجبر «إياد» على الانخراط في جبهة المقاومة رغم صغر سنه، ويرغم «خلود» على التضحية بطفولتها، وتحمل صفة الأمومة في حداثة سنها حفاظًا على الدم الفلسطيني من الانقراض أمام عدو يتنفس الموت.

علاقة العجوز عائشة بالوطن «جعلها تقاوم الموت، وتصر على تتبع كل كبيرة وصغيرة، مقتنعة أنها لن تتخلى عن قريتها، ولو قُتلت وقُطعت أوصالها» وهو الإحساس نفسه عند الشيخ الذي يعيش آخر أيامه، لكن صبره لم يشخْ، مؤمنًا بأن أزمة الحرب وإن اشتدت، فإن انفراجها قريبٌ لا محالة، داعيًا إلى أن المقاومة الحقيقية هي بقاء الإنسان الفلسطيني «ولو قُطعت الأعناق، وأزيلت الأيدي».

«رقية» وبكل صبر، تُحول محنة تعذيبها إلى سطوة المواجهة بِرجْل واحدة. حيث تستمد استمرار حياتها من زوجها محمود بعد استشهاده رفقة أولاده.

ويظل تعاطف الكاتب مع صغار البشر أقوى وأكبر، وهم كثيرون في روايته. وتظل النغمة الأساسية السائدة في نسيج العلاقات المتعددة التي تجمع ثنائيات كثيرة، هي تلك العلاقة التي تنشأ بين «إياد» وابنة خاله «خلود»، ففي هذه العلاقة تحديدًا تتطور خلود، وتنتقل أمام أعيننا من فتاة صغيرة إلى امرأة اقتسمت آلام المقاومة، من خلال الزواج المبكر بإياد، والتسريع بإنجاب الأولاد من أجل غزة وفلسطين. إياد -بدوره- يتبدل من شاب أراد الدراسة إلى مقاوم صلب هدفه الوحيد الانتقام من عدو مغتصب لا يرحم.

وقد خفّف الكاتب من وطأة البناء الروائي التقليدي، حيث غاص بقلمه في عوالم الحرب الممنوعة من مشهد إلى آخر، ومن قصة إلى أخرى، كما نجح في نسج تفاصيل حياة أبطاله اليومية بكل جزيئاتها، على أرضية من عوالم فكريّة وطبقيّة وشعوريّة خاصة، عوالم ترى فيها شخصيات فنيّة حيّة بالفعل، وتتعرف على اتجاهاتها الاجتماعية والسياسية. ومع ذلك، فإن إعجابي بالرواية، وليس غيره، يقودني إلى طرح أسئلة عدة، منها: لماذا لم يجد الكاتب طرفًا يقاوم المحتل سوى نموذج إياد الصغير وخلود الفتيّة؟ إياد الذي يتدرب على التفجيرات والاغتيالات والصمود، وخلود الفتاة المقاومة برحمها... إن التعاطف مع مثل هذا النموذج صعب أو مستحيل. ولأن كل شخصيات الرواية تبتغي المقاومة دفاعًا عن الوطن، فإن التواطؤ معها يصبح مطلبًا مشروعًا كمبدأ عام، بغض النظر عن تياراتها وآفاقها الأخرى المتعددة. في المقابل فإن قصة الحب الوحيدة التي تفتح كوة صغيرة للأمل، هي علاقة إياد بخلود، بعد أن عاشا هاربين من أفواه المدافع من مكان إلى آخر.

الأمر الثاني الذي يميز هذه الرواية، هو ذلك الجمع بين حب كل شخصية لوطنها في زمن الحرب، والمقاومة بالسلاح والذاكرة والسياسة. وقد قلت في البداية إن «البوسعيدي» يتميز بحس فكري أنقذه من روايات المثقفين؛ لكن؛ إلى أي مدى يمكن لذلك الجمع أن يساعد الكاتب؟ وعند أية نقطة قد ينقلب عليه؟

وهناك ملاحظات أخرى خاصة بشخصيات لا يشتبك وجودها بنسيج العمل، منها على سبيل المثال: الخونة والجواسيس، وشخصيات تنتهي من حيث بدأت أصلًا دون أي تطور. ورغم كل هذه الملاحظات؛ فإنك لا تستطيع إذا فتحت هذه الرواية الجميلة أن تتركها دون أن تنهي قراءتها كاملة؛ لأنها جذّابة فعلًا، وتغري بالقراءة، حتى أنك إذا بدأت قراءتها ستنسى كل هذه الملاحظات!


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى