الأحد ١٢ نيسان (أبريل) ٢٠٢٦

جسر الإخاء

رياض بن مسعود

في مدينة مزدحمة أصبحت فيها الشاشات أكثر من الوجوه، كان الإخوة آدم و سامي يعيشان تحت سقف واحد، تجمعهما غرفة واحدة، لكنهما أصبحا كالغرباء، لم يكن الأمر كذلك قبل سنوات، كانا لا يفترقان، يتشاركان الضحك و اللعب و يقضيان الليالي في حديث طويل عن الأحلام و المستقبل، كان سامي يتطلع دائما لأن يصبح مثل أخيه، يثق به أكثر من أي شخص آخر، لكن تلك الأيام باتت مجرد ذكرى باهتة.

آدم، الأخ الأكبر... كان نابغة فب البرمجة، قاده شغفه إلى بناء مشاريع طموحة جعلته يقضي ساعات طويلة أمام شاشته غارقا في الأكواد، ناسيا العالم من حوله...لم يعد يخرج مع أصدقائه، ولم يعد يولي اهتماما لعائلته، فكل ما يهمه هو إنشاء مشروعه التالي، أما سامي فقد وجد نفسه في دوامة من التطبيقات يقضي يومه يتنقل بين منصات التواصل الاجتماعي يبحث عم أي تفاعل يعيد إليه شعور الإنتماء الذي يتلاشى ببطء مؤلم.

على العشاء، تجلس العائلة حول الطاولة، لكن لم يكن هناك حديث، فقط صمت ثقيل يقطعه صوت الإشعارات، الأب يقرأ الأخبار على هاتفه، الأم تتصفح الصور، آدم يرد على رسائل عمله و سامي يحدق في الشاشة منتظرا أي إشعار بالوحدة لكنه أدرك أن أحدا لن يسمعه، كانوا جميعا حاضرين جسديا، لكن أرواحهم كانت غارقة في شاشاتهم في تلك اللحظة شعر سامي بأنه مجرد شبح في منزله، حتى أخوه الذي كان أقرب شخص إليه أصبح بعيدا عنه أكثر من أي وقت مضى، لم يعد هناك رابط يدعى الإخاء... لا دفء... فقط شاشات و أضواء تغطي وجوههم.

مرت الأيام و أصبحت علاقة سامي بأخيه أكثر فتورا لم يعد يلاحظ وجوده حتى...فقد كان مشغولا دائما بمشاريعه البرمجية يكتب الأكواد و الشيفرات لساعات دون انقطاع و كأنه يعيش في عالم مواز، في البداية كان سامي يحاول التقرب منه و التحدث معه يسأله عن يومه... عن عمله، لكن الإجابات كانت محدودة و أحيانا منعدمة، لم يكن آدم وحده في هذا العالم، أيضا أصدقاء سامي الذين كانوا يقضون معه أوقات في الماضي انشغلوا أيضا بعوالمهم الرقمية حتى بات الجميع كروبوتات مشحونة و أصبح التواصل الحقيقي نادرا و المحادثات مليئة بالسطحية و الاختصارات و البرود لم يعد هناك مشاعر و لا ضحك حقيقي، فقط رموز تعبيرية، لا تحمل أية مصداقية أو عفوية... في أحد الأيام قرر سامي أن يقضي الوقت مع والديه، دخل غرفة المعيشة فوجد والده منشغلا بهاتفه ووالدته تشاهد مقاطع فيديو دون أن تنتبه إليه، جلس بينهم لكنه شعر بأنه وحيدا تماما، حاول أن يلفت انتباههم، تحدث عن يومه في المدرسة عن شيء طريف حدث مع زميله، لكن لم يكن هناك رد، فقط إيماءات غير واعية و عبارات مثل * ممم * * جيد *...دون أن ينظروا حتى إلى وجهه.

في تلك الأثناء، شعر سامي بأن التكنولوجيا سرقت منه كل شيء، سرقت عائلته، أصدقاؤه و حتى أخاه الذي كان أقرب شخص إليه، بدأ الإحباط يتسلل إلى قلبه و الوحدة تأكل روحه، هل أصبح غير مرئي، هل اختفى من الوجود بالنسبة لهم، كان يريد الصراخ، لكن ما لفائدة... الجميع مشغولون، الجميع غارقون في عالمهم الرقمي... إلا هو عالق في وحدته.
أصبح سامي يقضي معظم وقته في غرفته جالسا في الظلام، لا يجد رغبة في فعل أي شيء، لم يعد يهتم بدروسه، و لم يعد يرد رسائل أصدقائه النادرة، حتى الألعاب التي كانت تمنحه بعض المتعة، لم تعد تثير اهتمامه كل شيء أصبح بلا معنى.

في احدى الليالي و بينما كان يتصفح هاتفه بلا هدف قرا منشورا عن الوحدة و الاكتئاب، شعر بأن كل كلمة مكتوبة تصف خالته بدقة، لم يكن يريد أن يعترف بذلك، لكنه كان يغرق في دوامة من الأفكار السوداء قرر أن يفتح نافذة غرفته، استنشق الهواء البارد و نظر إلى السماء،... تساءل هل سيفتقده أحد إن اختفى؟ هل سيتوقف العالم للحظة إن لم يكن هنا، لم يجد الإجابة، في تلك اللحظة بدرت فكرة في ذهنه،... ماذا لو ترك رسالة وداع؟.

أمسك هاتفه و بدأ بالكتابة: * إلى كل من قد يهتم....لا أظن أن أحد سيفتقدني فالجميع منشغلون بعوالمهم الرقمية، فقد....حاولت أن أجد مكانا لي بينكم، لكن لم يكن هناك متسع، ربما بهذه الطريقة سيلتفت أحدهم إلىّ و لو لمرة واحدة...*.

بينما هو يكتب سمه صوت خطوات سريعة تقترب من غرفته و فجأة فتح الباب بعنف...ووقف آدم عند المدخل يلهث من شدة الغضب، كان قد لاحظ في الأيام الأخيرة أن سامي لا يقوم بأعماله المنزلية، لكنه لم يكن يدرك خطورة الأمر حتى تلك الليلة رأى أخاه جالسا على سريره ممسكا بهاتفه ووجهه شاحب كأنه لم ينم منذ أيام عدة.

 سامي ماذا تفعل؟ صاح آدم بصوت مخلوط بالخوف و الغضب، رفع سامي رأسه ببطء و عيناه محمرتان من الإرهاق و البكاء، حاول أن يخفي شاشة هاتفه، لكن آدم تقدم بسرعة و انتزع هاتفه من يده قرأ الكلمات القليلة المكتوبة و التي وقعت عليه كشهب من نار، تجمد في مكانه و نظر لبرهة في وجه أخيه و كأنه يكذب ما قرأ...رسالة وداع؟ هل كنت تفكر في...؟

لم يستطع إنهاء الجملة...فقد كانت الفكرة وحدها مرعبة، لم يجب سامي، فقط نظر إلى أخيه نظرة فارغة، ثم همس بصوت مرتجف: * أنا...وحيد...آدم...أعيش في عزلة بين الجميع...حتى أنت دائما منشغلا بحاسوبك و برامجك و مشاريعك، لا وقت لديك لي، لم يعد لدي أحد...لا أحد.

شعر آدم كأن صاعقة أصابته، كم مرة جلس أمام الشاشة لساعات طويلة متجاهلا كل شيء، كم مرة تجاهل نظرات أخيه التي كانت تبحث عن الاهتمام،...شعر بالذنب يتسلل إلى أعماق قلبه لكنه لم يسمح لنفسه بالاستسلام، أنا هنا الآن سامي....أنا آسف...آسف حقا..لم أكن أرى...لكني أرى الآن.

جلس آدم بجانب أخيه احتضنه بقوة و كأنه يرد أن يعيده إلى الحياة مجددا، كانت تلك اللحظة بداية لتغيير لا مفر منه.
جلس الأخوان في الغرفة و الصمت يلفهما، لم يكن هناك حاجة للكلمات، فقد كانت اللحظة أعمق من أي حديث، كان سامي لا يزال يرتجف بينما شعر آدم بثقل الذنب الذي كاد يسحقه...لم أكن أعرف أنك تشعر بهذه الوحدة يا أخي...قالها آدم بصوت منكسر، ينظر إلى أخيه نظرة ملؤها الندم، أدار سامي وجهه متجنبا النظر إليه ثم همس بصوت بالكاد يسمع...لم أكن أريد أشعرك بالذنب...كنت فقط أحتاجك هنا بجانبي، شعر آدم كأن سكينا مزقت قلبه كم كان أنانيا، كم كان غافلا عن أقرب الناس إليه، تقدم و أمسك بيد سامي بقوة كأنه يخشى فقدانه مرة أخرى، أنا هنا الآن سأبقى هنا.
مرت لحظات صامتة ثم نظر سامي إلى نافذته حيث كانت السماء مليئة بالنجوم، لم تكن النجوم تبدو وحيدة كما شعر قبل قليل، ربما لم يكن هو الوحيد أيضا كما كان يظن.

بعد أيام بدأ يقلص من وقت البرمجة و بدلا من ذلك بدأ يقضي وقتا أطول مع أخيه، قررا الخروج معا لتجربة أشياء جديدة حتى أنهما أشياء حتى أنهما أغلقا هاتفيهما لبعض الوقت، كان الأمر غريبا في البداية لكنه شعر بشيء لم يكن قد شعر به من قبل...الدفء أدرك آدم أن المشكلة لم تكن في التكنولوجيا بحد ذاتها بل في الطريقة التي استحوذت بها حياتهم و هنا خطرت بباله فكرة.

جلس آدم و سامي أمام حاسوبه، لكن هذه المرة لم يكن يغوص في عالمه الافتراضي كما اعتاد، بل كان يفكر، يحلل و يخطط، لقد أدرك أن التكنولوجيا ليست العدو، بل استخدامها الخاطئ هو المشكلة، أراد أن يجد طريقة تجمع بين العالم الرقمي و الإخاء الحقيقي، و سرعان ما تولدت لديه فكرة إنشاء منصة اجتماعية جديدة تعيد التوازن بين الحياة الرقمية و التواصل الحقيقي... تحمس سامي للفكرة و رأى فيها أملا جديدا لم يكن مجرد مشروع تقني، بل رسالة أراد أن ينقلها للعالم، بدأ آدم بتصميم المنصة، أطلق عليها اسم * جسر الإخاء* رمزا للرابط الذي يجب أن لا ينقطع بين البشر فتعيد تجميع الأصدقاء و العائلات و تشجع على قضاء وقت أقل على الشاشات و اكثر مع من نحب.

في الأيام التالية بدأ العمل الجاد، لم يكن الأمر سهلا، لكنه وجد دعما من سامي و من أصدقائه الذين بدأوا يدركون كم سبق للعالم الرقمي أن سرقهم من بعضهم البعض.

أطلقت المنصة، كانت مفاجأة للجميع، لم تكن مجرد شبكة اجتماعية جديدة، بل نظام مصمم لتشجيع الناس على الاجتماع الحقيقي، حيث يتم احتساب الوقت الذي يقضيه المستخدم بعيدا عن الشاشة كمكافأة تترجم إلى امتيازات داخل المنصة.

بدأ الناس يشاركون قصصهم على *جسر الإخاء *.

سارة التي استعادت علاقتها بأخيها بعدما انقطعت لسنوات بسبب انشغال كلا منهما بعالمه الرقمي.
يوسف الذي اكتشف أنه يمكنه العيش لحظات ممتعة دون الحاجة إلى توثيق كل شيء على وسائل التواصل الاجتماعي.
خالد الذي جمع أصدقاؤه في لقاء حقيقي لأول مرة منذ شهور بعد أن كانوا يتواصلون فقط عبر النصوص و الرسائل الالكترونية.

شيئا فشيئا...بدأ التأثير ينتشر و تحول * جسر الإخاء * إلى أكثر من مجرد منصة، بل أصبح ثورة في عالم يزداد بعدا عن القيم الإنسانية.

في إحدى الأمسيات بينما كان آدم و سامي يجلسان معا في شرفة المنزل يتحدثان و يضحكان أدركا أن الرحلة لم تكن فقط عن إنشاء منصة، بل عن استعادة الإخاء الذي كاد أن يمحى من الوجود.

نظر سامي إلى السماء المليئة بالنجوم و قال بابتسامة هادئة:...لست وحيدا بعد اليوم...

بعد أشهر من إطلاق * جسر الإخاء* كانت المنصة قد أصبحت أكثر من مجرد فكرة أو مشروع رقمي، لقد تحولت إلى حركة عالمية بطبعات متجددة، تدعو للعودة إلى الإخاء الحقيقي و موازنة استخدام التكنولوجيا مع الحياة الواقعية.

في حفل تكريم المؤثرين النخبة الذي أقيم في المدينة وقف آدم على المسرح يتحدث أمام آلاف الشخاص الذين جاؤوا ليشاهدوا هذا النجاح العظيم، كان سامي يجلس في الصف الأول، يبتسم بفخر و هو يرى أخاه الذي كاد أن يفقده يقود الآن ثورة نحو إنقاذ العلاقات الإنسانية و الحياة الأخوية، أخذ آدم نفسا عميقا قبل أن يقول بصوت مليء بالمشاعر: * لقد كنا نعيش في عالم مترابط رقميا، لكننا كنا أكثر وحدة من أي وقت مضى، عندما فقدت التواصل بأخي أدركت أن التكنولوجيا ليست العدو، بل نحن الذين سمحنا لها أن تسرق منا أجمل لحظاتنا، اليوم مع * جسر الإخاء * أثبتنا أن بإمكاننا استعادة هذه اللحظات...التكنولوجيا يجب أن تخدمنا لا أن تهدمنا و تسلب إنسانيتنا.

دوت القاعة بالتصفيق و كان سامي أول من وقف ليصفق له بحرارة، عيناه تلمعان بالدموع، لكن لم تكن هاته دموع حزن هذه المرة، بل كانت دموع فخر و سعادة.

مع مرور الشهر، أصبحت منصة * جسر الإخاء * في كل أنحاء العالم انتشرت في المدارس و الشركات و حتى بين المشاهير الذين بدأوا يشجعون متابعيهم على التوازن بين الحياة الرقمية و الواقعية و في ليلة الشتاء بينما كان آدم و سامي يجلسان في غرفة المعيشة يحتسيان الشاي الدافئ نظر سامي إلى أخيه و قال بابتسامة صادقة:...أتعلم...لم أكن أعتقد أن الحياة يمكن أن تكون بهذا الجمال...ابتسم آدم و ربت على كتف أخيه قائلا: لأننا لم نكن نعيشها حقا، كنا مجرد أشباح في عوالم افتراضية و الآن...نحن أحياء بحق.

احتسى سامي الشاي و قال: سنبقى دائما معا...رد آدم بابتسامة...: دائما.

بينما كانت النجوم تتلألأ في السماء شاهدة على قصة انتهت بسعادة، لكنها كانت بداية لعالم جديد، عالم أكثر دفئا...و إنسانية...ملؤه الإخاء.

رياض بن مسعود

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى