الموت يغيب غازي القصيبي
بعد صراع طويل مع المرض، غيّب الموت أمس في مستشفى الملك فيصل التخصصي بالرياض، الروائي والشاعر والدبلوماسي السعودي د.غازي القصيبي.
وكان القصيبي، المولود في العام 1940، شغل العديد من المناصب الحكومية، آخرها كان وزيرا للعمل السعودي، فيما تولى قبلها ثلاث وزارات، هي الصناعة والصحة والمياه، كما تولى عددا من المناصب من بينها كان سفيرا في العاصمة البريطانية لندن.
نال القصيبي تعليمه العالي من جامعة القاهرة في حقل الحقوق، ثم حاز على درجة الماجستير في العلاقات الدولية من جامعة جنوب كاليفورنيا في الولايات المتحدة الأميركة، وحصل على الدكتوراه في ذات التخصص من جامعة لندن.
إلى جانب إسهاماته المتنوعة كتب القصيبي القصيدة الشعرية الكلاسيكية وقدم للمكتبة العربية أكثر من ستين كتابا من بينها مجموعة من الدواوين الشعرية.
أثارت كتاباته الشاعرية والروائية ضجة كبيرة في أوانها، وكثير منها مُنع من التداول في السعودية لاسيما الروايات، وما يزال فيها ما هو ممنوع حتى اليوم.
يرى بعض النقاد أن روايتي القصيبي "شقة الحرية" و"العصفورية"، هما أهم وأشهر ما كتبه، في حين احتفظ ديوان "معركة بلا راية" بمرتبته المتقدمة بين دواوين الشعر الأخرى.
الشاعر حيدر محمود قال إن القصيبي كان متعدد الجوانب في إبداعاته، الشعر والقصة والرواية والنقد، والسياسة أيضا، فقد كان وزيرا وسفيرا لعدة مرات، "ولكن الشاعر فيها دائما كان يتغلب على كل ما عداه"، وله قصة معروفة عنه فعندما كان وزيرا، كتب قصيدة مشاكسة أغضب بعض المسؤولين، فعوقب القصيبي بالطرد من الوزارة، وبعد تدخل بعض المقربين تم تعيينه سفيرا في البحرين لمدة تزيد على عشرين عاما.
وبين محمود أنه تعرف على القصيبي بشكل شخصي عندما كان هو سفيرا في تونس، والقصيبي كان سفيرا في لندن وكان يزور تونس باستمرار، وقام القصيبي، بحسب محمود بترجمة الكثير من الشعر العربي إلى اللغة الإنجليزية.
ورأى محمود أن القصيبي لم يكن مبدعا عاديا، كما أنه لم يكن سياسيا تقليديا بل كان مشاكسا جدا، وصاحب حضور قوي وكبير على الساحة العربية والدولية، وكان محط احترام كل من عرفه، ويعتبر غياب القصيبي خسارة كبيرة للحركة الثقافية العربية بشكل عام والسعودية بشكل خاص.
وأضاف: «أشعر بحزن شديد على رحيله لأنه كان صديقا وفيا».
من جانبه رأى الناقد د.سليمان الأزرعي أن القصيبي واحد من أبرز الشعراء الكلاسيكيين، حيث استمر وفيا للقصيدة العمودية كما ظل وفيا لقيم الشعر العربي الكلاسيكي، لافتا إلى أنه لم يقترب من تجارب التجديد ولم يخرج ليرتاد آفاق الحداثة سواء في الشكل أو في المضمون، ولهذا كان جل شعره في الغزل والوجدانيات.
الناقد د.أحمد الخطيب رأى أن القصيبي من القامات الإبداعية الكبيرة، وأنه نهض بمعارك كثيرة وخاضها بجرأة، مبينا أنه أنجز الكثير خلال حياته، ولو استمر به العمر لأنجز أمورا أخرى كثيرة.
وقال الخطيب إن القصيبي اشتهر كشاعر، كما عرفته الأوساط الثقافية روائيا أيضا، وقد أثارت بعض دواوينه غضب عدد من رجال الدين والوعاظ في السعودية، مثل ديوانه "معركة بلا راية" الذي صدر العام 1970، والذي جعل الملك فيصل يتدخل شخصيا لفض ذلك الاشتباك، وكذلك أعماله الروائية التي أثارت بعض العواصف.
وأشار إلى أن رواية "العصفورية" و"شقة الحرية" في العام 1996، أثارتا الكثير من العواصف في هذه الأوساط، إضافة إلى قصيدته المشهورة "رسالة المتنبي الأخيرة إلى سيف الدولة"، والتي تسببت بخروجه من الوزارة.
ورأى الخطيب أن شعر القصيبي يتميز بتلك الغنائية المحببة وهو لم يمعن في التجديد فيه، ولم يلج عوالم الحداثة. هذا بعكس فن الرواية ففي رواية "الجنة" يكتب القصيبي وفق آليات السردية الحديثة، حينما يلجأ الكاتب إلى الإيهام بتداخل الواقع والحلم والسحر، فهي رواية ممعنة في التجريب، وهذا ما لم يفعله القصيبي في الشعر.
ويذكر أن القصيبي بقي حتى وفاته على اتصال مع المشهد الثقافي السعودي من خلال إصداراته شبه السنوية، وأثار ضجة عندما قدم القصيبي لرواية "بنات الرياض" للروائية السعودية رجاء الصانع، وهي الرواية التي تواجه مصيرا يكاد يقترب من مصير "معركة بلا راية" عند صدورها.
عمل القصيبي أستاذا مشاركا في كلية التجارة بجامعة الملك سعود في الرياض، ومستشارا قانونيا في مكاتب استشارية وفي وزارة الدفاع والطيران ووزارة المالية ومعهد الإدارة العامة، وعميد كلية التجارة بجامعة الملك سعود، ومدير المؤسسة العامة للسكك الحديدية، ووزير الصناعة والكهرباء، ووزير الصحة، وسفيرا في البحرين والمملكة المتحدة، ووزيرا للمياه والكهرباء، ووزيرا للعمل.
صدر له في الشعر "ورود على ضفائر سناء"، "للشهداء"، "الأشج"، "سلمى" "قراءة في وجه لندن"، "يا فدى ناظريك"، "واللون عن الأوراد"، "سحيم" ملحمة شعرية، "الإلمام بغزل الفقهاء الأعلام": مختارات شعرية، "بيت" مختارات شعرية - في خيمة شاعر (1+2)، مختارات من الشعر العربي.
وفي مجال الرواية صدر له "العصفورية" و"شقة الحرية"، و"رجل جاء وذهب" و"حكاية حب"، و"سبعة"، و"سعادة السفير" رواية سياسية، و"العودة سائحاً إلى كاليفورنيا"، و"هما: حكاية الرجل والمرأة".
وله العديد من الإصدارات المتنوعة منها: "الأسطورة": يتكلم عن أميرة ويلز ديانا، و"الأسئلة الكبرى": مواضيع التنمية السعودية، و"ثورة في السّنة النبوية": تعمق لدراسة السنة النبوية، و"الخليج يتحدث شعراً ونثراً": سير أعلام من الخليج العربي، و"أبو شلاخ البرمائي": إبحار في عالم متنوع
