الشكلُ الهندسيُّ تعبيرٌ دِلاليٌّ عميقٌ
اللسانُ حبلُ التعبير المعقود الذي يُفَكُّ بحمد الله سبحانه، والثناءِ عليه، وبدعاء التوفيق والسداد منه، فيوصَف بالفصيح المبين. والعقل سهمُ التأمّل النافذ إلى أعماق الصور والأشياء، الذي يجلّي ما وراء الشكل البسيط، والصورة المجرّدة من أبعاد ودلالات ولمسات في الإبداع، فيوصف بالذكيّ المستنير. والهدايةُ قطعةُ الحياة المستقيمةُ، التي لا تعتدل إلّا إذا تساوى طرفيها بأحمال المرء بين الحقوق والواجبات.
والشكل الهندسيّ ليس فقط هيئتُهُ الحاصلةُ من حدّ يحوطه كالكرة مثلاً، أو مجموعة من حدود أخرى كالمثلّث أو المربّع، أو الخماسيّ أو السداسيّ وغيره. بل هو لمن أنعم النظر في تكوينه يحمل دلالات دقيقة، ومعاني سامية الحضور في الفكر والوعي والإدراك. فخلايا النحلة هي سداسيّةٌ في شكلها؛ لتظلّ أكثر تماسكاً وقوّة في أجزائها عند امتلائها بالعسل، فلا يسقط منها، وفي الشكل السداسيّ استغلال أمثل للمساحة، فلا فجوات ضائعة في هيكلها عند رصّها. والكعبة سمّيت بذلك؛ لأنّها على شكل مكعّب أوجهه متساوية، تمنح العين راحة واستقرارا وطمأنينة؛ فلا يتأذّى منها من يدور حولها، كما أنّها تحمل دلالات المساواة بين الناس في العبادة أمام الله، لأنّهم يتساوون تقريباً في النظر إلى المشهد نفسه، ممتثلين مولّين وجوههم شطر قبلة واحدة. وقبّة الصخرة ثمانيّة الشكل ولم تكن مربعة أو دائريّة؛ لأنّها تتيح وفرة في التفاصيل الجماليّة، وتنوّعاً رائقاً في أوجهها الكثيرة, يظهر براعة التصميم، وجماليّة البناء.
والشكل في القرآن الكريم يحمل دلالات الأسلوب المذهل في تأكيد المعنى، وتجلّي الإعجاز. فالنظر والتأمّل في قوله تعالى: "أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى الإِبْلِ كَيْفَ خُلِقَتْ، وَإِلَى السَّمَآءِ كَيْفَ رُفِعَتْ، وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ، وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ". يظهر شكلاً هندسيّاً مثلّثاً _لو رسم على سطح كبير _ له قاعدة ممتدّة على سطح الأرض، يقوم في طرفه الأيمن ضلعٌ، يرتكز على ضلع آخر، يقوم منتصباً من جهة الشمال، فيلتقيان في زاوية عند حدّ السماء في الأفق. والابل تمتاز بسنامها المخروطيّ أو الهرميّ في بعده الثلاثيّ، كأنّ سياق الآية مشبع بالمثلثات، فالسنام في شكله السطحيّ مثلّث، ثمّ في الجهة المقابلة نصب الجبل في هيئة مشابهة، فهو مثلّث أضخم، لو رسم على مسطّح؛ فكأنّ الآيات بدأت بمثلّث، وامتدّت في السير إلى مثلّث آخر، داخل مثلّث كبير ترسمه زواياه الثلاث: الإبل، والسماء، والجبال.
(السَّمَآءِ كَيْفَ رُفِعَتْ)
(الإِبْلِ كَيْفَ خُلِقَتْ) (الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ)
لماذا جعلت رؤوس المثلّث المتخيّل من هذه المخلوقات؟ ولماذا لم يكن رسم المثلثات تصاعديّاً من الإبل في مثلثها وهو السنام الذي على ظهرها، وهو الأصغر، ثمّ الجبل المنتصب على الأرض، وصولاً إلى السماء المثلث الأكبر، لو رسم على الأرض من طرفيه الإبل والجبال؟
السياق القرآنيّ يستثير خيال المتأمّل المعتبر وتفكيره، بأداة السؤال (كيف) انطلاقاً من بيئته القريبة التي يعيش فيها كلّ يوم، فابن الصحراء أقرب مخلوقاته المقرّبة منه الإبل، التي فيها ركوبه، ومأكله، ومخزون طاقته في ظروف عيشه القاسية، فكانت دعوة النظر والاعتبار إلى تأمّله، فكيف خلقت الإبل بهذا الشكل وبهذه الصفات؟.
ثمّ ينتقل في سفره إلى مسافة أبعد من خيمته، في فلاة واسعة ممتدّة، يناظر السماء فيها متأمّلاً السحب السائرة، والشمس المسلّطة عليه بحرّها نهاراً. وفي الليل يستنير هذا العالم في سمائه بنور من أقمار ونجوم برّاقة. فكيف رفعت هذه السماء وعلت، لتكون مظلّة الأرض العظيمة؟
ثمّ يكمل سيره في عيشه، فإذا بالجبل المنتصب أمامه، الذي يحتمي به ويعتصم بعلوّه، وربّما يسكن في كهوفه وبين شعابه. فكيف انتصبت هذه الجبال بهذا الشموخ والجبروت والبروز الظاهر فوق الأرض؟ فمسيرة التأمّل المثلّثية تجلّي عظمة الخالق في ملكوته، كما تميل إلى التدرّج البيئي التأمّليّ المقنع، بين كيفيّة الخلق والرفع والنصب والسطح، وبتوجيه عدسة التأمل والنظر بحرف الجرّ إلى؛ لأنّها حقائق ماثلة أمامه دائماً، يصل من خلالها إلى الإيمان، ومن جميل ما يفسّر ذلك ويوضّحه:
أنّ "في هذه الآيات تصويراً للوحة فنّية متحرِّكة، تبدو بالتتابع كما هي في النَّص، بالنسبة إلى الناظر الجالس في الصحراء، إذا مرّت بعيداً عنه قافلة من الإِبل. إنّ أوّل ما يلفت نظره لدى مشاهدة هذه اللّوحة من مشاهد الطبيعة، أنْ يتركَّز انتباهه في مشاهدة قافلة الإِبل، وتكون القافلة بالنسبة إليه هي بؤرة المشهد، لأنَّها هي المتحرِّك الآسر الجالب للانتباه، وتلقائيَّاً ينتقل نظره بعد ذلك إلى الأفق، من مستوى نظره إلى أسنمة الجمال إلى الأفق، حتّى إذا ملأ نظره من الأفق نزل ليرى الجبال من بعيد، ثمّ بعد ذلك ينخفض نظره ليركّز انتباهه في مشاهدة الأرض المنسطحة. "(1) البلاغة العربية أسسها وعلومها وفنونها
وفي حياتنا محاور عديدة نتخذها أشكالاً هندسيّة لعيشنا، فلو تأمّلنا كثيراً من شؤون حياتنا، وتتبعنا محاور اهتماماتنا، لأدركنا أنّها أشكال هندسيّة، دائريّة ومثلثات ومربعات وغيرها، نرسمها لأنفسنا كإطار محدود بأضلاع من الآراء والتوجهات والممارسات والاهتمامات. نعيش فيه لا نخرج من عقاله إلّا قليلاً، ثمّ نقنع أنفسنا بأنّه الأمثل لأنفسنا في عيشنا وعلاقاتنا.
وهناك من لا يرغبون في رسم شكل آخر لحياتهم، بل تستمرّ بهم الحياة في نمط واحد، لا يحيدون عنه حتّى النهاية. كم من أناس مضى بهم العمر في حيّزهم المكانيّ وهم موزّعون بين البيت ومكان العمل والمسجد، أو بين البيت والمزرعة أو الورشة والمقهى والسوق، أو بين الإقامة والسفر والتسوّق، أو بين الاهتمام بتعليم الأولاد وتأمين مستقبلهم ومساعدتهم في زواجهم والتخطيط لمستقبلهم، وهكذا في دوّامة الأشكال الهندسيّة إلى أن أصبح نمط عيشنا شكلاً هندسيّاً يرتب أولوياتنا في الحياة مجبرين أو مخيّرين.
